☪ Anlam Arayışı

← Fedâihü'l-Bâtıniyye

AUTO الباب السادس فى الكشف عن تلبيساتهم التى زوقوها بزعمهم فى معرض (2/3)

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

(القسم الأول) ما يمكن معرفته قطعا وهو الذي اشتمل عليه نص القرآن وتواتر عنه الخبر من صاحب الشرع: كعدد ركعات الصلوات الخمس، ومقادير النصب فى الزكوات، وقوانين العبادات وأركان الحج، أو ما أجمعت عليه الأمة، فهذا القسم لا حاجة فيه إلى إمام معصوم أصلا.

(القسم الثانى) ما لا يمكن معرفته قطعا، بل يتطرق الظن إليه وهو إما نص يتطرق الظن إلى نقله من حيث ينقله الآحاد فيجب التصديق به ظنا، كما كان يجب على الخلق فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سائر الأقطار؛ وإما صورة لا نص فيها فيحتاج إلى تشبيهها بالنصوص عليه وتقريبها منه بالاجتهاد؛ وهو الذي قال معاذ فيه: «أجتهد رأيى»؛ وكون هذا مظنونا ضرورى فى الطرفين جميعا إذ لا يمكن شرط التواتر فى الكل، ولا يمكن استيعاب جميع الصور بالنص فلا يغنى المعصوم فى هذا شيئا، فإنه لا يقدر على أن يجعل ما نقله الواحد متواترا، بل ولو تيقنه لم يقدر على مشافهة كافة الخلق به، ولا تكليفهم السماع عنه تواترا، فيقلد أشياعه دعاة المعصوم وهم غير معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ والكذب، فنحن نقلد علماء الشرع، وهم دعاة محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات الباهرة، فأى حاجة إلى المعصوم فيه! وأما الصورة التى ليست منصوصة فيجتهد فيها الرأى، إذ المعصوم لا يغنى عنها شيئا، فإنه بين أن يعترف بأنه أيضا ظان والخطأ جائز فى كل ذى ظن؛ ولا يختلف ذلك بالأشخاص. فما الذي يميز ظنه من ظن غيره وهو مجوز للخطأ على نفسه؟! وإن ادعى المعرفة فيه: أيدعيها عن وحى، أو عن سماع نص فيه، أو عن دليل عقلى؟

فإن ادعى تواتر الوحى إليه فى كل واقعة، فإذا هو مدع للنبوة فيفتقر إلى معجزة، كيف ولا يتصور تقدير المعجزة إذ بان لنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. فإن جوزنا الكذب على محمد فى قوله: «أنا خاتم الأنبياء» مع إقامة المعجزة، فكيف نأمن كذب هذا المعصوم وإن أقام المعجزة؟! وإن ادعى معرفته عن نص بلغه فكيف لا يستحى من دعوى نص صاحب الشرع على وقائع لا يتصور حصرها وعدها، بل لو عمر الإنسان عمر نوح ولم يشتغل إلا بعد الصور والنصوص عليها لم يستوعب عشر عشرها. ففى أى عمر استوعب الرسول صلى الله عليه وسلم جميع الصور بالنص! فإن ادعى المعرفة بدليل عقلى، فما أجهله بالفقهيات والعقليات جميعا، إذ الشرعيات أمور وضعية اصطلاحية تختلف بأوضاع الأنبياء والأعصار والأمم كما نرى الشرائع مختلفة، فكيف تجوز فيها الأدلة العقلية القاطعة؟! وإن ادعاها عن دليل عقلى مفيد للنظر فالفقهاء كلهم لهم هذه الرتبة!

فاستبان أن ما ذكروه تلبيس بعيد عن التحقيق وأن العامى المنخدع به فى غاية الحمق لأنهم يلبسون على العوام بأن يتبعوا الظن، وإن الظن لا يغنى عن الحق شيئا، والفقهيات لا بد فيها من اتباع الظن فهو ضرورى، كما فى التجارات والسياسات وفصل الخصومات للمصالح، فإن كل الأمور المصلحية تبنى على الظن، والمعصوم كيف يغنى عن هذا الظن، وصاحب الشريعة لم يغن عنه ولم يقدر عليه، بل أذن فى الاجتهاد وفى الاعتماد على قول آحاد الرواة عنه، وفى التمسك بعمومات الألفاظ، وكل ذلك ظن عمل به فى عصره مع وجوده، فكيف يستقبح ذلك بعد وفاته!

فإن قيل: فإذا اختلف المجتهدون لاختلاف مسالك الظنون فما ذا ترون؟ إن قلتم: «كل مجتهد مصيب» - تناقض كلامكم، فإن خصومكم مهما أصابوا فى اعتقادهم يقولون إنكم أخطأتم؛ أفلستم مصيبين إذا، فكيف وفى الفرق من يستبيح سفك دمائكم؟ فإن كانوا مصيبين أيضا فنحن فى سفك دمائكم ونهب أموالكم مصيبون؛ فلم تنكرون علينا؟ وإن قلتم: إن المصيب واحد، فبم نميز المصيب من المخطئ؟ وكيف نتخلص من خطر الخطأ والظن؟ - قلنا: فيه رأيان.

فإن قلنا: كل مجتهد مصيب لم نتناقض، إذ نريد به أنه مصيب حكم الله فى حق نفسه ومقلديه، إذ حكم الله عليه أن يتبع غالب ظنه فى كل واقعة، وقد اتبع؛ وهذا حكم الله على خصمه؛ وقولهم: إنه مصيب إذا فى سفك الدم، فهو كلام جاهل بالفقهيات، فإن ما افترق فيه الفرق مما يرى فيه سفك الدماء مسائل قطعية عقلية، المصيب فيها واحد؛ والمسائل الظنية الفقهية المختلف فيها بين الشافعى وأبى حنيفة ومالك لا تفضى إلى التقاتل وسفك الدماء، بل كل فريق يعتقد احترام الفريق الآخر حتى يحكم بأنه لا ينقض حكمه إذا قضى به، وأنه يجب على المخالف الاتباع. نعم! اختلفوا فى أنه: هل يطلق اسم الخطأ على الفرقة الأخرى فى غير إنكار واعتراض أم لا؟ وقولهم: إن خصمك يقول: أنت مخطئ، فإن كان هو مصيبا فإذا أنت مخطئ- قلنا: إن قال خصمى: أنت مخطئ، أي أظن خطأك فهو صادق؛ وأنا أيضا صادق فى قولى: إنى مصيب، ولا تناقض. وإن قال: أقطع بأنك مخطئ، فليس مصيبا فى هذا القول، بل بطلان قول من يقطع بالخطإ فى المجتهدات ليس مظنونا، بل هو مقطوع به فى جملة المسائل القطعية الأصولية، فالقول: «إن المصيب من المجتهدين كلاهما أو أحدهما» مسألة أصولية قطعية لا ظنية، وقد التبست عليهم الأصوليات بالفقهيات الظنية، ومهما كشف الغطاء لم يتناقض الكلام، فإن قيل: فإذا رأيتم كل واحد مصيبا فليجز للمجتهد أن يأخذ بقول خصمه ويعمل به لأنه مصيب، وليجز للمقلد أن يتبع من شاء من الأئمة المجتهدين. قلنا: أما اتباع المجتهد لغيره فخطأ؛ فإن حكم الله عليه أن يتبع ظن نفسه، وهذا مقطوع به، فإذا اتبع ظن غيره فقد أخطأ فى مسألة قطعية أصولية، وعرف ذلك بالإجماع القاطع، وأما خبر المقلدين الأئمة فقد قال به القائلون، ولكن المختار عندنا أنه يجب أن يقلد من يعتقد أنه أفضل القوم وأعرفهم. ومستند اعتقاده إما تقليد سماعى من الأبوين، وإما بحث عامى عن أحواله، وإما تسامع عن ألسنة الفقهاء، وبالجملة يحصل له ظن غالب من هذه المستندات، فعليه اتباع ظن نفسه، كما على المجتهد اتباع ظن نفسه. وهذا ليس بكلي فى الشرع لأن الشرع يشتمل على مصلحة جزئية فى كل مسألة، وعلى مصلحة كلية فى الجملة. أما الجزئية فما يعرف عنها دليل كل حكم وحكمته، أما المصلحة الكلية فهى أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع فى جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام التقوى وتأديب الشرع وتقسيمه إلى ما يطلقه وإلى ما يحجر عليه فيه، فيقدم حيث يطلق الشرع ويمتنع حيث يمنع، ولا يتخذ إلهه هواه ويتبع فيه مناه. ومهما خبرنا المقلدين فى مذاهب الأئمة ليستمد منها أطيبها عنده اضطرب القائلون فى حقه فلا يبقى له مرجع إلا شهوته فى الاختيار، وهو مناقض للغرض الكلى؛ فرأينا أن نحصره فى قالب وأن نضبطه بضابط وهو رأى شخص واحد لهذا المعنى.

ولهذا اختلفت قوانين الأنبياء فى الأعصار بالإضافة إلى التفصيل، ولم تختلف فى أصل التكليف ودعوة الخلق عن اتباع الهوى إلى طاعة قانون الشرع، فهذا ما نراه مختارا فى حق آحاد المقلدين. هذا أحد الرأيين وهو أن كل مجتهد مصيب.

ومن رأى أن المصيب واحد، فلا تناقض أيضا فى كلامه. وقوله: بم يأمن من إمكان الخطأ؟ - قلنا: أو لا تعارضهم. فمن كان مسكنه بعيدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعول على قول الواحد، وكذا من مسكنه بعيد عن معصومكم بينه وبينه البحار الحاجزة والمهامة المهلكة، بم يأمن الخطأ على المبلغ وهو غير المعصوم؟

فسيقولون: يحكم بالظن، وليس عليه أكثر من ذلك. فهذا جوابنا.

فإن قلتم: إن له طريقا إلى الخلاص من الظن، وهو أن يقصد النبي صلى الله عليه وسلم فإن التوجه إليه من الممكنات، فكذا يقصد للإمام المعصوم فى كل زمان؛ قلنا: وهل يجب قصد ذلك مهما جوز الخطأ؟ فإن قلتم: لا، فأى فائدة فى إمكانه وقد جاز له اقتحام متن الخطر فيما جوز فيه الخطأ؟ فإذا جاز ذلك فلا بأس بفوات الإمكان.

كيف ولا يقدر كل زمن «1» مدبر لا مال له على أن يقطع ألف فرسخ ليسأل عن مسألة فقهية واقعة، كيف ولو قطعها، فكيف يزول ظنه بإمامكم المعصوم وإن شافهه به إذ لا معجزة له على صدقه؛ فبأى وجه يثق بقوله؛ وكيف يزول ظنه به؟ ثم يقول: لا خلاص له عن احتمال الخطأ، ولكن لا ضرر عليه، وغاية ما فى هذا الباب أن يكون فى درك الصواب مزية فضيلة، والإنسان- فى جميع مصالحه الدنيوية: من التجارة والحرب مع العدو والزراعة- يقول على ظنون فلا يقدر على الخلاص من إمكان الخطأ فيه، ولا ضرر عليه، بل لو أخطأ صريحا فى مسألة شرعية فليس عليه ضرر، بل الخطأ فى تفاصيل الفقهيات معفو عنه شرعا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» «2». فما هولوا من خطر الخطأ مستحقر فى نفسه عند المحصلين من أهل الدين، وإنما يعظم به الأمر على العوام الغافلين عن أسرار الشرع، فليس الخطأ فى الفقهيات من المهلكات فى الآخرة، بل ليس ارتكاب كبيرة موجبا لتخليد العقاب ولا للزومه على وجه لا يقبل العفو، أما المجتهدات فلا مأثم على من يخطئ فيها، والحنفى يقول: يصلى المسافر ركعتين؛ والشافعى يقول: يصلى أربعا، وكيفما فعل فالتفاوت قريب؛ ولو قدر فيه خطأ فهو معفو عنه. فإنما العبادات مجاهدات ورياضات تكسب النفوس صفاء وتبلغ فى الآخرة مقاما محمودا، كما أن تكرار المنفعة لما يتعلمه يجعله فقيه النفس ويبلغه رتبة العلماء، ومصلحته تختلف بكثرة التكرار وقلته، ورفعه صوته فيه وخفضه. فإن أخطأ فى الاقتصار على التكرار لدرس واحد مرتين، وكانت الثلاث أكثر تأثيرا فى نفسه فى علم الله تعالى، أو أخطأ فى الثلاث وكان الاقتصار على الاثنين أكثر تأثيرا فى صيانته عن التبرم المبلد، أو أخطأ فى خفض الصوت وكان الجهر أوفق لطبعه وللتأثير فى تنبيه نفسه، أو كان الخفض ادعى له إلى التأمل فى كنه معناه، لم يكن الخطأ فى شي ء من ذلك فى ليلة أو ليال مؤيسا عن رتبة الإمامة ونيل فقه النفس، وهو فى جميع ما يخمن ويرتب فى مقادير التكرار من حيث الكمية والكيفية والوقت مجتهد فيه وظان وسالك إلى طريق الفوز بمقصوده ما دام مواظبا على الأصل.

وإن كان قد تيقن له الخطأ أحيانا فى التفاصيل وإنما الخطر فى التغليظ والاعتراض والاغترار بالفطنة الفطرية ظنا بأن فيها غنية عن الاجتهاد، كما ظن فريق من الباطنية أن نفوسهم زكية مرتاضة مستغنية عن الرياضات بالعبادات الشرعية فأهملوها وتعرضوا بسببها للعقاب الأليم فى دار الآخرة.

فليعتقد المسترشد أن إفضاء المجاهدات الشرعية إلى المقامات المحمودة السنية فى دار الآخرة كإفضاء الاجتهاد- فى ضبط العلوم والمواظبة عليها إلى مقام الأئمة وعند هذا نستحقر ما عظم الباطنية الأمر فيه من خطر الخطأ على المجتهدين فى الجهر بالبسملة وتثنية الإقامة وأمثالها، فالتفاوت فيه بعد المواظبة على الأصول المشهورة كالتفاوت فى الجهر بالتكرار أو الخفض به من غير فرق وكيف. وقد نبه الشرع على تمهيد عذر المخطئ فيه كما تواتر ذلك من صاحب الشرع. هذا تمام الكلام على المقدمة الثانية.

وأما (المقدمة الثالثة) وهى قولهم: إذا ثبت وجوب معرفة الحق فلا يخلو إما أن يعرفه الإنسان من نفسه، أو من غيره. فهذه مقدمة صادقة لا نزاع فيها. نعم! المجادلة عليها بما يفحم الباطنية ويمنعهم من استعمالها كما ذكرنا فى المقدمة الأولى، وهى جارية فى كل مقدمة صادقة.

وأما (المقدمة الرابعة) وهى قولهم: إذا بطلت معالجته فى نفسه بطريق النظر ثبت وجوب التعلم من غيره، فهذه صادقة على تقدير بطلان النظر وتسليم معرفة الحق، ولكنا لا نسلم بطلان النظر، كما سبق وكما سنذكر فى إفساد شبههم المزخرفة لإبطال النظر، ولا نسلم وجوب معرفة الحق، لأن من جملته ما بنا مندوحة عنه، والمحتاج إليه معرفة الصانع وصدق الرسول، والناس قد اعتقدوها سماعا وتقليدا لأبويهم، وفى ذلك ما يغنيهم فلا حاجة بهم إلى استيناف تعلم من معلم معصوم، فإن قنعوا بالتعليم من الأبوين فنحن نسلم حاجة الصبيان فى مبدأ النشوء إلى ذلك ولا ننكره. ولا مستروح لهم فى هذا التسليم.

ومن هذه المقدمة قولهم: إذا ثبتت الحاجة إلى المعلم فليكن المعلم معصوما، وهذا متنازع فيه، فإن المعلم إن كان يعلم ويذكر معه الدليل العقلى وينبه على وجه الدلالة ليتأمل المتعلم فيه بمبلغ عقله ويجوز له الثقة بمقتضى عقله بعد تنبيه المعلم، فليكن المعلم ولو أفسق الخليقة فلم يحتاج إلى عصمته؟ وليس يتلقف المتعلم منه تقليد ما يتلقفه، بل هو كالحساب لا بد من معرفة الحق فيه لمصالح المعاملات، ولا يعرفه الإنسان من نفسه ويفتقر إلى معلم ولا يحتاج إلى عصمته لأنه ليس علما تقليديا، بل هو برهانى، وإن زعمتم أن المتعلم ليس يتعلم بالبرهان والدليل لأن ذلك يدركه بنظر عقله، ولا ثقة بعقله مع ضعف عقول الخلق وتفاوتها فلذلك يحتاج إلى معصوم؛ فهذا الآن حماقة، لأنه إما يعرف عصمته ضرورة أو تقليدا، ولا سبيل إلى دعوى شي ء منه، فلا بد أن يعرفه نظرا، إذ لا شخص فى العالم يعرف عصمته ضرورة أو يوثق بقوله مهما قال أنا معصوم، وإذا لم يعرف عصمته كيف يقلده! وإذا لم يثق بنظره كيف يعرف عصمته! فإن كان الأمر كما ذكرتموه فقد وقع الناس عن تعلم الحق وصار ذلك من المستحيلات فإذا قالوا: لا بد من تعلم الحق لا بطريق النظر، كان كمن يقول: لا بد من الجمع بين البياض والسواد، لأنه إن تعلم من غيره بتأمل دليل المسألة التى يتعلمها كان ناظرا مقتحما خطر الخطأ، وإن قلده لكونه معصوما كان مدركا عصمته بالنظر فى دليل العصمة.

وإن لم يعتقد العصمة ويعلم ممن كان فقد رجع الأمر بالآخرة إلى ما استبعدوه وهو التعلم ممن لم تعرف عصمته وفيهم كثرة وأقوالهم متعارضة كما ذكروه، وهذا لا مخلص عنه أبد الدهر.

وأما (المقدمة الخامسة) وهى قولهم: إن العالم لا يخلو إما أن يشتمل على ذلك المعصوم المضطر إليه، أو يخلو عنه؛ ولا وجه لتقدير خلو العالم عنه فإن ذلك يؤدى إلى تغطية الحق وذلك ظلم لا يليق بالحكمة، فهو أيضا مقدمة فاسدة، لأنا إن سلمنا سائر المقدمات وسلمنا ضرورة الخلق إلى معلم معصوم فنقول: لا يستحيل خلو العالم عنه، بل عندنا يجوز خلو العالم عن النبي أبدا، بل يجوز لله أن يعذب جميع خلقه وأن يضطرهم إلى النار، فإنه بجميع ذلك متصرف فى ملكه بحسب إرادته، ولا معترض على المالك من حيث العقل فى تصرفاته، وإنما الظلم وضع الشي ء فى غير موضعه، والتصرف فى غير ما يستحقه المتصرف، وهذا لا يتصور من الله، فلعل العالم خال عنه على معنى أن الله لم يخلقه.

فإن قيل: مهما قدر الله على إرشاد الخلق إلى سبيل النجاة ونيل السعادات ببعثة الرسل ونصب الأئمة ولم يفعل ذلك كان إضرارا بالخلق مع انتفاء المنفعة عن الله تعالى فى هذا الإضرار، وهو فى غاية القبح المناقض لأوصاف الكمال من حكمته وعدله، ولا يليق ذلك بالصفات الإلهية.

قلنا: هذا الكلام مختل وغطاء ينخدع به العامى ويستحقره الغواص فى العلوم، وقد انخدع به طوائف من المعتزلة، واستقصاء وجه الرد عليهم فى فن الكلام «1»، وأنا الآن مقتصر على مثال واحد يبين قطعا أن الله تعالى ليس يلزمه فى نعوت كماله أن يرعى مصلحة خلقه، وهو: أنا نفرض ثلاثة من الأطفال مات أحدهم طفلا، وبلغ أحدهم مسلما ثم مات، وبلغ الآخر وكفر ثم مات؛ فيجازى الله كل أحد بما يستحقه، فيكون مقيما للعدل فينزل الذي بلغ وكفر فى دركات لظى «1»، والذي بلغ، وأسلم فى درجات العلى، والذي مات طفلا من غير إسلام ومقاساة عبادة بعد البلوغ، فى درجة دون درجة الذي بلغ وأسلم، فيقول الذي مات طفلا: يا رب! لم أخرتنى عن أخى المسلم الذي بلغ ومات، ولا يليق بكرمك إلا العدل، وقد منعتنى من مزايا تلك الرتبة، ولو أنعمت علي بها لانتفعت بها ولم تضرك، فكيف يليق بالعدل ذلك؟ فيقول له بزعم من يدعى الحكمة: إنه بلغ وأسلم وتعب وقاسى شدائد العبادات، فكيف يقتضي العدل التسوية بينك وبينه؟ فيقول الطفل: يا رب! أنت الذي أحييته وأمتنى؛ وكان ينبغى أن تمد حياتى وتبلغنى إلى رتبة الاستقلال وتوفقنى للإسلام كما وفقته، فكان التأخير عنه فى الحياة هو الميل عن العدل. فيقول له بزعم من يدعى الحكمة: كانت مصلحتك فى إماتتك فى صباك، فإنك لو بلغت لكفرت واستوجبت النار، فعند ذلك ينادى الكافر الذي مات بعد بلوغه من دركات لظى فيقول: يا رب! قد عرفت منى أنى إذا بلغت كفرت، فهلا أمتنى فى صباى فإنى قانع بالدرجة النازلة التى أنزلت فيها الصبى المتشوق إلى درجات العلى، وعند هذا لا يبقى لمن يدعى الحكمة فى التسوية إلا الانقطاع عن الجواب والاجتراء.

وبهذا التفاوت يستبين أن الأمر أجل مما يظنون، فإن صفات الربوبية لا توزن بموازين الظنون، وإن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وبهذا يستبين أنه لا يجب بعث نبى ولا نصب إمام. فقد بطل قولهم إنه لا بد أن يشتمل العالم عليه.

وأما (المقدمة السادسة) وهى قولهم: إذا ثبت أن المعصوم موجود فى العالم فلا يخلو إما أن يصرح بالدعوى ويدعى العصمة، أو يخفيه؛ وباطل إخفاؤه، لأن ذلك واجب عليه، والكتمان معصية تناقض العصمة، فلا بد أن يصرح بها. فهذه مقدمة فاسدة، لأنه لا يبعد ألا يصرح به لكونه محفوفا بالأعداء، مستشعرا فى نفسه خائفا على روحه فيخفى ذلك تقية «1»، وذلك مما اتفقوا على جوازه، وإليه ذهبت الإمامية بأجمعهم، وزعموا أن الإمام حي قائم موجود، والعصمة حاصلة له، ولكنه يتربص تصرم دولة الباطل وانقراض شوكة الأعداء. وإنما هو الآن متحصن بجلباب الخفاء، حارس نفسه عن الهلاك لصيانة السر عن الإفشاء إلى أن يحضر أوانه وينقرض إمام الباطل وزمانه. فما جواب هؤلاء الباطنية على مذهب الإمامية؟

وما الذي يمنع احتمال ذلك فإنهم ساعدوهم على جميع مقدماتهم إلا على هذه المقدمة، وذلك لما شاهدوا من اختلال حال من وسمه هؤلاء بالعصمة وتحققوا من الأسباب المناقضة للورع والصيانة، فاستحيوا من دعوى العصمة لمن يشاهدون من أحواله نقيضها، فزعموا أن المعصوم مختف، وأنا ننتظر ظهوره فى أوانه، وعند هذا نقول: بم عرفت الباطنية بطلان مذهب الإمامية فى هذه القضية؟ فإن عرفوها ضرورة فكيف قام الخلاف فى الضروريات، وإن عرفوها نظرا فما الذي أوجب صحة نظرهم دون نظر خصومهم وتزكية عقولهم دون عقولهم؟ أيعرف ذلك بطول اللحى أو ببياض الوجوه وهلم جرا إلى عين المسلك الذي نهجوه؟ وهذا لا محيص عنه بحال من الأحوال.

وأما (المقدمة السابعة) وهى قولهم: إذا ثبت أن المعصوم لا بد أن يصرح. فإذا لم يكن فى العالم إلا مصرح واحد كان هو ذلك المعين لا خصم له، ولا ثانى له فى الدعوى التى يعتسفها المدعى من وجهين للعصمة ولا مصرح بها فى أقطار العالم سوى شخص واحد؟ فلعل فى أقصى الصين أو فى أطراف المغرب من يدعى شيئا من ذلك: وانتفاء ذلك مما لا يعرف ضرورة ولا نظرا، فإن قيل: يعرف ذلك ضرورة إذ لو كان لانتشر لأن مثل هذا تتوافر الدواعى على نقله، قلنا: يحتمل أنه كان ولم ينتشر إلى بلادنا، مع بعد المسافة، لأن المدعى له ليس يتمكن من ذكره إلا مع سوسه وصاحب سره، وحوله جماعة من أعدائه، فيفزع من إظهار السر وإفشائه، ويرى المصلحة فى إخفائه؛ أو هو مفش له ولكن المستمعين له ممنوعون عن الانتشار فى البلاد وإخبار العباد به لأنهم محاصرون من جهة الأعداء، مضطرون إلى ملازمة الوطن خوفا من نكاية المستولين عليهم، فما الذي يبطل هذا الاحتمال، وهو أمر- قدر قريبا أو بعيدا- فهو ممكن ليس من قبيل المحالات، وأنتم تدعون القطع فيما توردون؛ فكيف يصفو القطع مع هذا الاحتمال؟!

(الوجه الثانى) فى إفساد هذه المقدمة: هو أنكم ظننتم أنه لا يدعى العصمة فى العالم سوى شخص واحد، وهو خطأ؛ فإنا بالتواتر نتسامع بمدعيين أحدهما فى جيلان «1» فإنها لا تنفك قط عن رجل يلقب نفسه بناصر الحق ويدعى لنفسه العصمة، وأنه نازل منزلة الرسول، ويستعبد الحمقى من سكان ذلك القطر إلى حد يقطعهم جوانب الجنة مقدرا بالمساحة، ويضايق فى بعضهم إلى حد لا يبيع ذراعا من الجنة لا بمائة دينار. وهم يحملون إليه ذخائر الأموال، ويشترون منه مساكن فى الجنة، فهذا أحد الدعاة، فبم عرفتم أنه مبطل؟! وإذ قد تعدد المدعى ولا مرجح، إذ لا معجزة، فلا تظنوا أن الحماقة مقصورة عليكم، وأن هذه الكلمة لا ينطق بها لسان غيركم، بل التعجب من ظنكم أن هذه الحماقة مقصورة عليكم فى الحال أكثر من العجب فى أصل هذه الحماقة.

فأما المدعى الثانى فرجل فى جزائر البصرة يدعى الربوبية، وقد شرع دينا ورتب قرآنا ونصب رجلا يقال: له: على بن كحلا «2»، وزعم أنه بمنزلة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسوله إلى الخلق. وقد أحدق به طائفة من الحمقى زهاء عشرة آلاف نفس، ولعله يزيد عددهم على عددكم، وهو يدعى لنفسه العصمة وما فوقها. فما جوابكم عن رجل من الشاباسية «3» يسوق هذه المقدمات إلى هذه المقدمة ثم يقول: إذا لم يكن بد من معلم معصوم، ولا معجزة للمعصوم وإنما يعرف بالدعوى، وصاحب الباطنية لا يدعى الربوبية- كيف وصاحب الشاباسية يدعى الربوبية؟ فأتباعه أولى، فإن قلتم: من يدعى الربوبية يعرف بطلان قوله ضرورة؛ فالجواب من وجهين:

أحدهما أنه إنما يدعى ذلك بطريق الحلول «1» ويزعم أن ذلك توارث فى نسبهم؛ وقد استمر ذلك فى بيتهم عصرا طويلا. والمدعى الآن كان جده مدعيا لذلك، والحلول قد ذهب إليه طوائف كثيرة، فليس بطلان مذهب الحلولية ضروريا؛ فكيف يكون ضروريا وفيه من الخلاف المشهور ما لا يكاد يخفى، حتى مال إلى ذلك طائفة كبيرة من محققى الصوفية وجماعة من الفلاسفة، وإليه أشار الحسين بن منصور «2» الحلاج الذي صلب ببغداد حيث كان يقول: «أنا الحق، أنا الحق»؛ وكان يقرأ فى وقت الصلب: وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم [النساء: 157]. وإليه أشار أبو يزيد البسطامى «3» بقوله: «سبحانى، سبحانى! ما أعظم شأنى!». وقد سمعت أنا شيخا من مشايخ الصوفية تعقد عليه الخناصر ويشار إليه بالأصابع فى متانة دين، وغزارة علم، حكى لى عن شيخه المرموق فى الدين والورع أنه قال: ما تسمعه من أسماء الله الحسنى، التى هى تسعة وتسعون، كلها يصير وصفا للصوفى السالك بطريقه إلى الله، وهو يعد من جملة السائرين إلى الله لا من زمرة الواصلين، وكيف ينكر هذا وعليه مذهب النصارى فى اتحاد اللاهوت بناسوت «4» عيسى عليه السلام حتى سماه بعضهم إلها وبعضهم ابن الإله وبعضهم قالوا هو نصف الإله، واتفقوا على أنه لما قتل إنما قتل منه الناسوت دون اللاهوت، كيف وقد تخيل جماعة من الروافض ذلك فى على رضى الله عنه وزعموا أنه الإله «1».

وكان ذلك فى زمانه حتى أمر بإحراقهم بالنار، فلم يرجعوا وقالوا: بهذا يبين صدقنا فى قولنا إنه الإله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعذب بالنار إلا ربها». فبهذا يبين أن بطلان هذا المذهب ليس بضرورى، ولكنه ضرب من الحماقة، ويعرف بطلانه بالنظر العقلى، كما يعرف بطلان مذهبهم، فإذا قد بطل قولهم: لا مدعى للعصمة سوى صاحبنا، بل قد ظهر من يدعى العصمة وزيادة.

(الوجه الثانى) فى الجواب عن قولهم إن بطلان مذهبهم معلوم ضرورة، ولا فرق بين ما يعرف بطلانه ضرورة وبين ما يعرف بطلانه مشاهدة أو تواترا، وعدم العصمة فيمن ادعيتم عصمته معلوم بمشاهدة ما يناقض الشرع من وجوه: أولها جمع الأموال وأخذ الضرائب والمواصير «2» واستئداء «3» الخراجات الباطلة وهو الأمر المتواتر فى جميع الأقطار؛ ثم الترفه فى العيش، والاستكثار من أسباب الزينة، والإسراف فى وجوه التجمل واستعمال الثياب الفاخرة من الإبريسم «4» وغيرها؛ وعدالة الشهادة فتحرم بعشر عشر ذلك، فكيف العصمة! فإن أنكروا هذه الأحوال أنكروا ما شاهده خلق كثير من تلك الأقطار وتواتر على لسانهم إلى سائر الأمصار. ولذلك لا ترى لأحد من أهل تلك البلاد اغترارا وانخداعا بهذه التلبيسات لمشاهدتهم ما يناقضها. ومن وجوه حيلهم أنهم لا يبثون الدعوة إلا فى بلاد نائية، يحتاج المستجيب إلى قطع مسافة شاسعة لو اعترضت له ريبة فيها، حتى تدفعه العوائق عن النهضة والرحلة. فإنهم لو شاهدوا لانكشف لهم عوار تلك التلبيسات المزخرفة والحيل الملفقة.

أما (المقدمة الثانية) وهى قولهم: إذا بان أن المدعى للعصمة مهما كان واحدا وقع الاستغناء عن الاستدلال على كونه معصوما؛ فصاحبنا إذا هو المدعى للعصمة وحده؛ فإذا هو الإمام المعصوم؛ فهذه مقدمة نكذبهم فيها، ولا نسلم أن صاحبهم يدعى لنفسه العصمة، فإنا لم نسمعه البتة، ولم يتواتر إلينا من لسان من سمعه منه، بل إنما سمع ذلك من آحاد دعاتهم وليسوا معصومين ولا هم بالغون حد التواتر، ولو أنهم بلغوا حد التواتر فلا يحصل العلم بقولهم وخبرهم لوجهين: أحدهما أن المشافهين لهذه الدعوة من جهة صاحبهم قليل، فإنه محتجب لا يظهر إلا للخواص، ثم لا يشافه بالخطاب إلا خواص الخواص، ثم لا يفشى هذه الدعوة إلا مع خاص من جملة خواص الخواص، فالذين يسمعون عنه لا يبلغون عدد التواتر؛ وإن بلغوا فكلهم إن انتشروا لم يكن فى بلدة منهم إلا واحد؛ وأكثر البلاد أيضا يخلو عن آحادهم.

الوجه الثانى: أنهم وإن بلغوا حد التواتر فقد شرط التواتر فى خبرهم، إذ شرط ذلك الخبر ألا يتعلق بواقعة ينتشر التواطؤ فيها من طائفة كبيرة لمصلحة جامعة لهم، كما يتعلق بالسياسات. فإن أهل معسكر واحد قد يجمعهم غرض واحد فيحدثون على التطابق بشي ء واحد، ولا يورث ذلك العلم، ورب واحد أو اثنين يخبر عن أمر فيعلم أنه لا يجمعهما غرض فيحصل له العلم، وهؤلاء الدعاة لعلهم قد تواطئوا على هذا الاختراع ليتوصلوا به إلى استتباع العوام واستباحة أموالهم، فيتوصلون بها إلى آمالهم.

وعلى الجملة فحسن الظن بصاحبهم يقتضي تكذيبهم، فإنهم لو حدثوا بذلك عن مريض فى دار المرضى لاعتقدنا كذبه، إلا أن يعتقد الجنون فى ذلك المريض، إذ لا يدعى عاقل العصمة عن المحرمات وتناول المحظورات مع مشاهدة أهل العلم تناوله لها ومباشرته لها، فأقل آثار العقل الحياء عن فضيحة الاجتراء؛ ومن تحلى بغير ما هو فيه، وكان ذلك جليا ظاهرا لمن يتأمل فيه، استدل به على اختلال عقله. فإذا ليس يبين لنا صدقهم فى نسبتهم هذه الدعوى إلى صاحبهم، وهى مقدمتهم الأخيرة.

فإن قيل: لو أنكر الناس فى أطراف العالم فى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الدعاة من رسول الله وقالوا لا نصدقكم فى قولكم إن محمدا يدعى الرسالة، بل لا يظن بعقله ذلك- ما ذا كان يقال لهم؟ - قلنا: بئس ما شبهتم الملائكة بالحدادين، إذ لا مساواة فإنه صلى الله عليه وسلم كان ظاهرا بنفسه وأشياعه، مبرزا للقتال، مترددا فى الأقطار، مظهرا للدعوة على ملأ من الناس غير محتجب ولا متستر، ثم كان يظهر المعجزات الخارقة للعادة، فانتشرت دعوته لانتشار خروجه ومقاتلته وانتشار وجوده؛ وليس الآن فى صاحبكم كذلك. نعم، تواتر وجوده وترشحه مع آبائه للخلافة ودعواهم أنهم أولى بها من غيرهم، أما دعواه ودعوى من سبق من آبائه العصمة عن المعاصى وعن الخطأ والزلل والسهو ومعرفة الحق فى جميع أسرار العقليات والشرعيات، فلم يظهر ذلك لنا، بل لم تظهر دعواه العلم أصلا بفن من الفنون كالفقه أو الكلام أو الفلسفة على الوجه الذي يدعيه آحاد العلماء فى البلاد. فكيف ظهرت دعواه معرفة أسرار النبوة والاطلاع على علوم الدنيا والآخرة؟! وهذا ما تواطأ على اختراعه توصلا إلى استدراج المستجيب وخداعه.

هذا تمام الرد عليهم فى المقدمات تفصيلا، مع أن فى المنهج الأول المنطوى على الرد عليهم جملة كافية ومقنعا. ولم يبق إلا القول فى إفساد أدلتهم المذكورة لإبطال النظر.

أما (الدلالة الأولى) وهى قولهم من صدق عقله فقد كذبه إذ صدق عقل خصمه، وخصمه يصرح بتكذيبه. فنقول: هذا تخييل باطل من وجوه:

الأول المعارضة بمثال، وهو أنا نقول: نحن صدقنا العقول فى نظرياتها، وأنتم صدقتموها فى ضرورياتها؛ وخصومكم من السوفسطائية يكذبونكم فيها، فإن اقتضى ذلك لزوم الاعتراف بكذب العلوم الضرورية لزمنا من خلافكم الاعتراف بكذب العلوم النظرية؛ فإن العقل إن صدق فى الضروريات، فما بال عقل السوفسطائية كذب؛ وما الفرق بين عقلكم وعقلهم؟ أفتقولون إن ذلك منهم حماقة وسوء مزاج؟ - قلنا: وكذلك حالكم فى إنكار النظريات، وهو كمن ينكر الحسابيات من العلوم؛ فإنه لا يشككنا فى البراهين الحسابية وإن كان البليد لا يفهم، ومنكر النظر أصلا يجحده؛ ولكن طريقنا معه أن نورد عليه المقدمات، وهى ضرورية، فإذا أدركها أدرك النتيجة فكذلك خصمنا إذا كذبنا فى مسألة من المسائل كإنكار ثبوت واجب الوجود عرضنا عليه مقدمات القياس الدالة عليه وقلنا: أتمارى فى قولنا: لا شك فى أصل الوجود؟ أو فى قولنا: إن كل موجود إما جائز وإما واجب؟ أم فى قولنا: إن كان واجبا فقد ثبت واجب الوجود؟ أم فى قولنا: إن كان جائزا فكل جائز مستند إلى واجب الوجود فى آخر الأمر لا محالة؟ - وإذا لم يمكنه التشكك فى المقدمات لم يمكنه التشكك فى النتيجة، وإنما يختلف الناس فيها لأن الفطرة غير كافية فى تعريف الترتيب لهذه المقدمات، بل لا بد من تعلمها من الأفاضل، وذلك الفاضل لا بد أن يكون تعلم أكثرها أو استأثر باستنباط بعضها، وهكذا حتى ينتهى الأمر إلى معلم معصوم هو نبى موحى إليه من جهة الله تعالى، هكذا تكون العلوم كلها.

فإن زعموا أنكم اعترفتم بالحاجة إلى المعلم ومن لم يعترف فهو معاند للمشاهدة، فالافتقار إليه معترف به، ولكنه كالافتقار إليه فى علم الحساب، فإنه لا يحتاج فيه إلى معصوم، إذ لا تقليد فيه، ولكن يحتاج إلى حاسب ينبه على طريق النظر، فإذا تنبه المعلم ساوى المعلم فى العلم الضرورى المستفاد من المقدمات بعضها على بعض. ولا شك فى أن معلم الحساب أيضا يعلم أكثر مما يعلم، وإن استقل باستنباط ترتيب البعض، وكذا القول فى معلم المعلم إلى أن ينتهى مبدأ العلم الحسابى إلى نبى من الأنبياء مؤيد بالوحى والمعجزة، ولكن بعد إفاضة الله علم الحساب فيما بين الخلق استغنى فى تعلمه عن معلم معصوم، فكذا العلوم العقلية النظرية، ولا فرق.

(الاعتراض الثانى) أن يقال لهم: أنكرتم من خصومكم تصديق العقل فى نظره واخترتم تكذيبه، فبما ذا تعرفون الحق وتميزون بينه وبين الباطل؟ أبضرورة العقل ولا سبيل إلى دعواها، أو بنظره فتضطرون إلى الرجوع إلى النظر؟ فقد صدقتموه إذا بعد تكذيبه فتناقض كلامكم. فإن قلتم: نحن نأخذه من الإمام المعصوم- قلنا: وبم تعرفون صدقه؟ فإن قلتم: لأنه معصوم، قلنا: وبم تعرفون عصمته؟ - فإن قلتم بضرورة العقل لم يخف عليكم خزيكم وعرفتم فى الباطن من أنفسكم خلاف ما أظهرتم، فإن عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معجزته لم تعرف بضرورة العقل، حتى أنكر رسالته طوائف، بل أنكر بعثة الرسل جميع البراهمة «1»، وأنكر الأكثرون من المسلمين عصمة الأنبياء، واستدلوا بقوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121]. إلى غير ذلك مما اشتمل القرآن على حكايته من أحوال الأنبياء.

فإذا لم تعرف عصمة صاحب المعجزة ضرورة فكيف تعرف عصمة صاحبكم ضرورة؟

فإن قيل: نحن نعرفه بالنظر، ولكن النظر تعلم منه، والنظر ينقسم إلى صحيح وفاسد؛ وتمييز صحيحه عن فاسده ممتنع على كافة الخلق إلا على الإمام الحق، فهذا الميزان الموضح للفرقان بين الشبهة والبرهان، فقد عرفنا صحة النظر الذي استفدنا منه فاطمأنت نفوسنا إليه بتزكيته وتعليمه.

قلنا: والنظر الذي علمكموه هل افتقرتم فى فهمه إلى تأمل، أم هو مدرك على البديهة؟ فإن ادعيتم البديهة فما أشد جهلكم إذ يرجع حاصله إلى أن معرفة عصمته عرفت بالبديهة، وهو كذب صريح. وإن افتقرتم إلى التأمل فذلك التأمل يعرف بالعقل، أم لا؟ ولا بد أن يقال: إنه بالعقل. فنقول: والعقل إذا قضى عند التأمل بقضية فهو صادق أم لا؟ فإن قالوا: لا، فلم صدقوه؟ وإن قالوا: نعم هو صادق، فقد أبطلوا أصل مذهبهم وهو قولهم: إن العقول لا سبيل إلى تصديقها.

فإن قيل: الإمام يعرف من بواطن أسرار الله أمورا إذا ذكرها حصل للمتعلم عند سماعها علم بديهى ضرورى بصدقه، ويستغنى به عن تدقيق النظر والتأمل.

فنقول: ورسول الله صلى الله عليه وسلم هل عرف ذلك، أم لا؟ فإن قلتم: لا- فقد فضلتم الخليفة على الأصل؛ وإن قلتم: نعم؟ فلم أخفاها، وهلا أظهرها وأفشاها، حتى كانت العقول تضطر على البديهة إلى ذكرها وكانت تتسارع إلى التصديق له فى دعاويه؟ ولم ترك طوائف الخلق مضطربين فى مغاصات الشبه متعثرين فى أذيال الضلالات، مجاهدين بأموالهم وأنفسهم فى نصرة الخيالات الباطلة؟ كيف وأنتم إذا تعلمتم من إمامكم ذلك، وقدرتم على ذكره حتى يعرف بالبديهة صدقه فتلك الدقيقة لما ذا أخفيت، ولأى يوم أجلت؟ وكتمان الدين من أكبر الكبائر؟! ثم كيف انقسم المستمعون فنون ضلالكم: إلى قائل مستمع، وراد، ومنخدع، ومنتبه؛ وهلا أسلك الكل فى ربقة التصديق والانقياد؟! وعلى الجملة فدعوى مثل هذا الكلام لا تدل إلا على الوقاحة وقلة الحياء؛ وإلا فنحن بالضرورة نعلم أنكم على البديهة لم تدركوا صدق إمامكم وعصمته، ولكنكم ربما تضطرون، فى تمشية التلبيس، إلى خلع جلباب الحياء؛ وكذلك يفعل الله بذوى الضلال والأهواء فنعوذ بالله من سقطة الأغبياء، فما هذه الكذبة الصادرة منكم قولة تقال أو عثرة تقال، أو خدعة يسبق إليها الجهال فضلا عن أفاضل الرجال.

(الاعتراض الثالث) وهو أن نقول للمسترشد مثلا، إذا شك فى صحة النظر واستدل بالاختلاف المجمل: ينبغى أن تعين المسألة التى تشك فيها فإن المسائل منقسمة إلى ما لا يمكن أن يعلم بنظر العقل، وإلى ما يمكن أن يعلم علما ظنيا، وإلى ما يعلم يقينيا، ولا معنى لقبول السؤال المجمل، بل لا بد من تعيين المسألة التى فيها الإشكال حتى يكشف الغطاء عنها وينبه السائل على أن المخالف فيها جهل وجه ترتيب المقدمات المنتجة له، ونحن لا ندعى الآن المعرفة إلا فى مسألتين: إحداهما وجود الصانع الواجب الوجود المستغنى عن الصانع والمدبر؛ والثانية: صدق الرسول. ويكفينا فى باقى المسائل أن نتلقاها تقليدا من الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا القدر الذي لا بد منه فى الدين. وباقى العلوم لا يتعين تحصيلها، بل الخلق مستغنون عنها وإن كان ذلك ممكنا كالعلوم الحسابية والطبية والنجومية والفلسفية، وهاتان المسألتان نعرفهما يقينا.

أما ثبوت واجب الوجود فبالمقدمات التى عرفناها؛ وأما صدق الرسول فبمقدمات تماثلها، ومن أحاط بها لم يشك فيها، وعلم غلط المخالف فيها، كما يعلم غلط المحاسب فى الحساب، وخصومنا أيضا مضطرون إلى معرفة هاتين المسألتين بالنظر، وإلا فقول النبي لا يغنى فيهما، فكيف يغنى فيهما قول المعصوم؟

فإن قيل: معرفة صفات الله ومعرفة الشرائع ومعرفة الحشر والنشر- كل ذلك لا بد منه، فمن أين يعرف؟ - قلنا: يتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم المؤيد بالمعجزة ونصدقه فيما يخبر عنه كما تقلدون أنتم صاحبكم الذي لا عصمة له ولا معجزة.

فإن قيل: وبم تفهمون كلامه؟ قلنا: بما نفهم به كلامكم هذا فى أسئلتكم، وتفهمون كلامنا فى أجوبتنا، وهو معرفة اللغة وموضوع الألفاظ، كما تفهمون أنتم من المعصوم عندكم، فإن قيل: ففى كلام الرسول وفى القرآن المشكلات والمجملات كحروف أوائل السور، والمتشابه كأمر القيامة- فمن يطلعكم على تأويله والعقل لا يدل عليه؟

قلنا: للألفاظ الشرعية ثلاثة أقسام: ألفاظ صريحة لا يتطرق إليها الاحتمال فلا حاجة فيها إلى معلم، بل نفهمها كما تفهمون أنتم كلام المعلم المعصوم، إذ لو اقتصر صريح كلام الشارع إلى معلم ومؤول لاقتصر صريح كلام المعلم المعصوم إلى مؤول ومعلم آخر، ولتسلسل إلى غير نهاية.

الثانى: ألفاظ مجملة ومتشابهة كحروف أوائل السور فمعانيها لا يمكن أن تدرك بالعقل، إذ اللغات تعرف بالاصطلاح، ولم يسبق اصطلاح من الخلق على حروف التهجى، وإن «الر» و«حم عسق» عبارة عما ذا؟ فالمعصوم أيضا لا يفهمه، وإنما يفهم ذلك من الله تعالى إذا بين المراد به على لسان رسوله فيفهم ذلك سماعا، وذلك لا يخلو إما: أن لم يذكره الرسول لأنه لا حاجة إلى معرفته، ولم يكلف الخلق به؛ فالمعصوم شريك فى أنه لا يعرفه إذ لم يسمعه من الرسول وإن عرفه وذكره فقد ذكر ما بالخلق مندوحة عن معرفته، فإنهم لم يكلفوه.

وإن ذكره الرسول فقد اشترك فى معرفته من بلغه الخبر- متواترا كان أو آحادا، وفيه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين نقل، فإن كان متواترا أفاد علما، وإلا أفاد ظنا، والظن فيه كاف، بل لا حاجة إلى معرفته فإنه لا تكليف فيه، وأما وقت القيامة فلم يذكره الله تعالى، ولا ذكره رسوله عليه السلام، وإنما يجب التصديق بأصل القيامة ولا يجب معرفة وقتها، بل مصلحة الخلق فى إخفائها عنهم ولذلك طوى منهم.

فالمعصوم من أين عرف ذلك الكلام ولم يذكره الله ولا رسوله، ولا مجال لضرورة العقل ولا لنظره فى تعيين الوقت؟! ثم لنقدر أنه عرف ذلك وزعم أنه صلى الله عليه وسلم ذكره سرا مع على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وذكره كل إمام مع سوسه فأى فائدة للخلق فيه وهو سر لا يجوز أن يذكر إلا مع الأئمة؟ فإن ذكره معصومكم وأفشى هذا السر الذي أمر الله تعالى بكتمانه إذ قال تعالى: أكاد أخفيها [طه: 15]، كان معاندا لله ورسوله؛ وإن كان لا يفشيه فكيف يتعلم منه ما لا يجوز تعليمه؟ فدل على أن الأمور العقلية محتاجة إلى التعليم. ولكن المعلم إن كان ينبه على طريق النظر فيه فلا يشترط عصمته؛ وإن كان يقلد من غير دليل فلا بد أن تعرف بالمعجزة عصمته وهو النبي، وناهيك به معلما، فلا حاجة إلى غيره.

القسم الثالث: الألفاظ التى ليست مجملة ولا صريحة، ولكنها ظاهرة فإنها تثير ظنا، ويكتفى بالظن فى ذلك القبيل والفن، وسواء كان ذلك فى الفقهيات وأمور الآخرة أو صفات الله فليس يجب على الخلق إلا أن يعتقدوا التوحيد، والألفاظ فيه صريحة، وأن يعتقدوا أنه قادر عليم سميع بصير ليس كمثله شي ء. وكل ذلك اشتمل القرآن عليه، وهو مصرح به.

أما النظر فى كيفية هذه الصفات وحقيقتها وأنها تساوى قدرتنا وعلمنا وبصرنا أم لا- فقوله ليس كمثله شي ء [الشورى: 11] دال على نفى المماثلة لسائر الموجودات، وهذا قد اكتفى من الخلق به، فلا حاجة بهم إلى معصوم. نعم! الناظر فيه والمستدل عليه بالأدلة العقلية قد يتوصل إلى اليقين فى بعض ما ينظر فيه وإلى الظن فى بعضه؛ ويختلف ذلك باختلاف الذكاء والفطنة واختلاف العوائق والبواعث ومساعدة التوفيق فى النظر، والعارف يذوق اليقين. وإذا تيقن لم يتمار فيه، ولم يشككه قصور غيره عن الدرك، وربما تضعف نفسه، ويشككه خلاف غيره. وكل ذلك لا مضرة له، لأنه ليس مأمورا به، والمعصوم لا يغنى عنه شيئا لو تابعه، فإن محض التقليد لا يكفيه، وإن ذكر وجه الدليل فذلك لا يختلف صدوره عن معصوم أو غيره كما سبق.

وأما (الدلالة الثانية) وهى قولهم: إذا جاءكم مسترشد متحير وسألكم عن العلوم الدينية أفتحيلونه على عقله ليستقل بالنظر وهو عاجز، أو تأمرونه باتباعكم فى مذهبكم وينازعكم المعتزلى والفلسفى وكذا سائر الفرق- فبما ذا يتميز مذهب عن مذهب وفرقة عن فرقة؟

فالجواب من وجهين (الأول) هو أنا نقول لهم: لو جاءكم متحير فى أصل وجود الصانع وصدق الأنبياء؛ انقلب عليكم هذا الإشكال، فما ذا تقولون؟ إن ذكرتم دليلا عقليا لم نثق بنظره، وإن رددتموه إلى عقله فكمثل، فعساكم تشفون غليله بالحوالة على المعصوم، فما أبرد هذا الشفاء! فإنه يقول: قدرونى قد جئت مسترشدا فى زمان محمد بن عبد الله ومعه معجزته، فمعصومكم لا يقدر على معجزة؛ أو قدروا أنى شاهدت معصومكم قلب العصا ثعبانا، أو أحيا الموتى، أو أبرأ الأكمه والأبرص وأنا أشاهده، فلا يبين لى صدقه بضرورة العقل ولا أثق بالنظر. وكم من أصناف الخلائق شاهدوا ذلك وأنكروه، فحمله بعضهم على السحر والمخرقة، وبعضهم على غيره، فلعلكم تشبعون غصته بأن تقولوا له: قلد الإمام المعصوم ولا تسأل عن السبب؛ فيقول: ولم لا أقلد المخالفين لكم فى إنكار النبوة والعصمة، وهل بينهما فرق من طول لحية أو بياض وجه- إلى غير ذلك مما هذوا به؟! وهذا قلب لو اجتمع أولهم مع آخرهم على الخلاص منه دون الأمر بالتفكر والنظر فى الدليل لم يجدوا إليه سبيلا.

(الجواب الثانى) وهو التحقيق: هو أنا نقول للمسترشد: ما ذا تطلب؟ فإن كنت تطلب العلوم كلها، فما أشد فضولك وأعظم خطبك وأطول أملك! فاشتغل من العلوم بما يهمك: وإن قال: أريد ما يهمنى. قلنا: ولا مهم إلا معرفة الله ورسوله؛ وهذا معنى قوله: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، فهاتان مسألتان يسهل علينا تعليمك إياهما، عند ذلك تذكر له المقدمات الضرورية التى ذكرناها فى إثبات واجب الوجود، ثم مثلها فى دلالة المعجزة على صدق الرسول، فإن زعم أن خلاف المخالفين هو الذي يشككنى فى هذه المعرفة، أفأتبعكم أو أتبع مخالفيكم؟

فنقول له: لا تتبعنا ولا تتبع مخالفينا، فإن تعلم طريق التقليد مباح، والتقليد فى النتيجة غير موثوق به. فشكك فى أى مقدمة من مقدماتنا: أفي قولنا إن أصل الوجود معترف به؟ فإن كان كذلك فعلاجك فى دار المرضى فإن هذا من سوء المزاج، فإن من شك فى أصل الوجود فقد شك أولا فى وجود نفسه، وإن قلت: لا أشك فى هذا بخلاف السوفسطائية، قلنا: فقد تيقنت مقدمة واحدة، فهل تشك فى الثانية وهى قولنا: إن كان هذا الوجود واجبا فقد ثبت واجب الوجود، فنقول: هذا أيضا ضرورى، قلنا: فهل تشك فى قولنا إن كان جائزا فلا يتخصص أحد طرفى الجواز من الطرف المماثل له إلا بمخصص، فهذه أيضا مقدمة ضرورية عند من يدرك معنى اللفظ؛ وإن كان فيه توقف فالتوقف فى درك مراد المتكلم من لفظه، فإن قال: نعم! لا شك فيه، قلنا: فذلك المخصص المفتقر إليه إن كان جائزا فالقول فى ذلك لا كالقول فيه فيفتقر إلى مخصص غير جائز، وهو المراد بواجب الوجود، ففى ما ذا تتشكك؟ فإن قال: قد بقى لى شك- عرف به بلادته وسوء فهمه وقطع الطمع عن رشده. وليس هذا بأول بليد لا يدرك الحقائق فنخليه.

وهو كمن يطلب علم الحساب فذكرنا له الغوامض من مقدمات الحساب من الشكل (القطاع) الذي هو فى آخر كتاب «أقليدس» فلم يفهمه لبلادته، بل فى الشكل الأول الذي مضمونه إقامة البراهين على مثلث متساوى الأضلاع فلم يدركه؛ عرفنا أن مزاجه ليس يحتمل هذا العلم الدقيق؛ فليس كل خلقه يحتمل العلوم، بل الصناعات والحرف- فهذا لا يدل على فساد هذا الأصل.

فإن قال المسترشد: لست أشك فى هذه المقدمات ولا فى النتيجة، ولكن لم يخالفكم من يخالفكم؟ قلنا: لجهله ترتيب هذه المقدمات، أو لعناده، أو لبلادته، وينكشف الغطاء بأن نشافه واحدا منهم يميل إلى الإنصاف ونراجعه فى هذه المقدمات حتى يتبين لك أنه بين أن يفهم ويصف ويعترف، أو لا يفهم لبلادته، أو يمنعه التعصب والتقليد عن حسن الإصغاء إليه فلا يدركه، وعند ذلك يطلع على خطئه.

وكذلك يصنع به فى كل مسألة وينظر فيه إلى ما تحتمله حاله ويقبله ذكاؤه وفطنته، ولا يحمله ما لا يطيقه بل ربما يقنعه بما يورث له اعتقادا فى الحق مصمما، فإن أكثر عوام الخلق قنع منهم الشرع بذلك؛ ولا يكشف له عن وجه البراهين فربما لا يفهمها.

← Önceki 27 / 46 Sonraki →

Anlam Arayışı