النوع الثالث والأربعون: في المحكم والمتشابه (1/4)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
...
بسم الله الرحمن الرحيم
النوع الثالث والأربعون: في المحكم والمتشابه
قال: تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}
وقد حكى ابن حبيب النيسابوري في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها أن القرآن كله محكم لقوله تعالى: {كتاب أحكمت آياته}
الثاني كله متشابه لقوله تعالى: {كتابا متشابها مثاني}
الثالث وهو الصحيح انقسامه إلى محكم ومتشابه للآية المصدر بها
والجواب عن الآيتين أن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه وبتشابهه كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز وقال: بعضهم الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه وقد قال: تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} والمحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى بيانه.
وقد اختلف في تعيين المحكم والمتشابه على أقوال:
فقيل: المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور
وقيل: المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه.
وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها.
قيل: المحكم ما كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان قاله الماوردي.
وقيل: المحكم ما استقل بنفسه والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
وقيل: المحكم ما تأويله تنزيله والمتشابه ما لا يدري إلا بالتأويل.
وقيل: المحكم ما لم تتكرر ألفاظه ومقابله المتشابه.
وقيل: المحكم الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه القصص والأمثال.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
وأخرج الفريابي عن مجاهد قال: المحكمات ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: المحكمات هي أوامره الزاجرة.
وأخرج عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية فقال: أبو فاختة فواتح السور وقال: يحيى الفرائض والأمر والنهي والحلال.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام" محكمات ": {قل تعالوا} والآيتان بعدها.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: {منه آيات محكمات} قال: من ها هنا: {قل تعالوا} إلى ثلاث آيات ومن ها هنا: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى ثلاث آيات بعدها.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: المحكمات ما لم ينسخ منه والمتشابهات ما قد نسخ
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: المتشابهات فيما بلغنا آلم والمص والمر والر
قال: ابن أبي حاتم وقد روي عن عكرمة وقتادة وغيرهما أن المحكم الذي يعمل به والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل به.
فصل
اختلف هل المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه أو لا يعلمه إلا الله على قولين منشؤهما الاختلاف في قوله: {والراسخون في العلم} هل
هو معطوف و: {يقولون} حال أو مبتدأ خبره: {يقولون} والواو للاستئناف وعلى الأول طائفة يسيرة منهم مجاهد وهو رواية عن ابن عباس فأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} قال: أنا ممن يعلم تأويله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {والراسخون في العلم} قال: يعلمون تأويله: {يقولون آمنا به}
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: الراسخون في العلم يعلمون تأويله ولو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه ولا حلاله من حرامه ولا محكمه من متشابهه.
واختار هذا القول النووي فقال: في شرح مسلم إنه الأصح لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
وقال: ابن الحاجب: إنه الظاهر وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم خصوصا أهل السنة فذهبوا إلى الثاني وهو أصح الروايات عن ابن عباس
قال: ابن السمعاني: لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة واختاره العتبي قال: وقد كان يعتقد مذهب أهل السنة لكنه سها في هذه المسألة قال: ولا غرو فإن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
قلت ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} فهذا يدل على أن الواو للاستئناف،
لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن يكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه كما مدح الله المؤمنين بالغيب وحكى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب أيضا: {يقول الراسخون}
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود: {وإن تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} .
وأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قال: ت تلا رسول الله هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} إلى قوله: {أولوا الألباب} قال: ت: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله" الحديث.
وأخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به".
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه
وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا محكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا"
وأخرج البيهقي في الشعب نحوه من حديث أبي هريرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب
ثم أخرجه من وجه آخر عن ابن عباس موقوفا بنحوه
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: نؤمن بالمحكم وندين به ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به وهو من عند الله كله.
وأخرج أيضا عن عائشة قال: ت كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه.
وأخرج أيضا عن أبي الشعثاء وأبي نهيك قال: إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة
وأخرج الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال: له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال: من أنت قال: أنا عبد الله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه وفي رواية عنده: فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم عاد له ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال: إن كنت
تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين.
وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا الله وأن الخوض فيه مذموم وسيأتي قريبا زيادة على ذلك.
قال: الطيبي المراد بالمحكم ما اتضح معناه والمتشابه بخلافه لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا والثاني النص والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا والأول هو الظاهر والثاني إما أن يكون مساويه أو لا والأول هو المجمل والثاني المؤول فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه قال: وا فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء فقال: أولا: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} إلى أن قال: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} وكان يمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم لكنه وضع موضع ذلك: {والراسخون في العلم} لإتيان لفظ الرسوخ لأنه لا يحصل إلا بعد التتبع العام والاجتهاد البليغ فإذا استقام القلب على طرق الإرشاد ورسخ القدم
في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وكفى بدعاء الراسخين في العلم: {ربنا لا تزغ قلوبنا} إلى آخره شاهدا على أن: {والراسخون في العلم} مقابل لقوله: {والذين في قلوبهم زيغ} وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله: {إلا الله} تام وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى وأن من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: {فاحذروهم} .
وقال بعضهم: العقل مبتلى باعتقاد حقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يجتاز بها من يطلعه على سره وقيل لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها وفي ختم الآية بقوله تعالى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} تعريض بالزائغين ومدح للراسخين يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولي العقول ومن ثم قال: الراسخون: {ربنا لا تزغ قلوبنا} إلى آخر الآية فخضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني.
وقال الخطابي: المتشابه على ضربين أحدهما ما إذا رد إلى المحكم
واعتبر به عرف معناه والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه فيرتابون فيه فيفتتنون.
وقال ابن الحصار: قسم الله آيات القرآن إلى محكم ومتشابه وأخبر عن المحكمات أنها أم الكتاب لأن إليها ترد المتشابهات وهي التي تعتمد في فهم
مراد الله من خلقه في كل ما تعبدهم به من معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وبهذا الاعتبار كانت أمهات ثم أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم هم الذين يتبعون ما تشابه منه ومعنى ذلك أن من لم يكن على يقين من المحكمات وفي قلبه شك واسترابة كانت راحته في تتبع المشكلات المتشابهات ومراد الشارع منها التقدم إلى فهم المحكمات وتقديم الأمهات حتى إذا حصل اليقين ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك ومراد هذا الذي في قلبه زيغ التقدم إلى المشكلات وفهم المتشابه قبل فهم الأمهات وهو عكس المعقول والمعتاد والمشروع ومثل هؤلاء مثل المشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير الآيات التي جاءوا بها ويظنون أنهم لو جاءتهم آيات أخر لآمنوا عندها جهلا منهم وما علموا أن الإيمان بإذن الله تعالى انتهى
وقال: الراغب في مفردات القرآن: الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق ومتشابه على الإطلاق ومحكم من وجه متشابه من وجه.
فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب: