النوع الثالث والخمسون: في تشبيهه واستعاراته (1/2)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
التشبيه نوع من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها
قال المبرد في الكامل لو قال قائل هو أكثر كلام العرب لم يبعد
وقد أفرد تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغدادي في كتاب سماه "الجمان"
وعرفه جماعة منهم السكاكي: بأنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى وقال ابن أبي الإصبع هو إخراج الأغمض إلى الأظهر
وقال غيره هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه
وقال بعضهم: هو أن تثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به والغرض منه تأنيس النفس بإخراجها من خفي إلى جلي وإدنائه البعيد من القريب ليفيد بيانا
وقيل الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار
وأدواته حروف وأسماء وأفعال فالحروف الكاف نحو: {كرماد} وكأن نحو: {كأنه رؤوس الشياطين} والأسماء مثل وشبه ونحوهما مما يشتق من المماثلة والمشابهة قال الطيبي: ولا تستعمل "مثل" إلا في حال أو صفة لها شأن وفيها غرابة نحو: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا
كمثل ريح فيها صر} والأفعال نحو: {يحسبه الظمآن ماء} {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} قال في التخليص اتباعا للسكاكي: وربما يذكر فعل ينبئ عن التشبيه فيؤتى في التشبيه القريب بنحو: "علمت زيدا أسدا" الدال على التحقيق
وفي البعيد بنحو: "حسبت زيدا أسدا" الدال على الظن وعدم التحقيق وخالفه جماعة منهم الطيبي فقالوا: في كون هذه الأفعال تنبئ عن التشبيه نوع خفاء والأظهر أن الفعل ينبئ عن حال التشبيه في القرب والبعد وأن الأداة محذوفة مقدرة لعدم استقامة المعنى بدونه.
ذكر أقسامه
ينقسم التشبيه باعتبارات:
الأول: باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام لأنهما إما حسيان أو عقليان أو المشبه به حسي والمشبه عقلي أو عكسه
مثال الأول: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} {كأنهم أعجاز نخل منقعر}
ومثال الثاني: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} كذا مثل به في البرهان وكأنه ظن أن التشبيه واقع في القسوة وهو غير ظاهر بل هو واقع بين القلوب والحجارة فهو من الأول.
ومثال الثالث: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح}
ومثال الرابع: لم يقع في القرآن بل منعه الإمام أصلا لأن العقل مستفاد من الحس فالمحسوس أصل للمعقول وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وهو غير جائز. وقد اختلف في قوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}
الثاني: ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض كقوله: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} فالتشبيه مركب من أحوال الحمار وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه
وقوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} إلى قوله: {كأن لم تغن بالأمس} فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها واغترار الناس بها بحال ماء نزل من السماء وأنبت أنواع العشب وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس وقال بعضهم: وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران:
أحدهما: أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضررت وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به فكذلك الدنيا.
والثاني: أن الماء إذا طبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء فكذلك الدنيا. وقوله: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} الآية فشبه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة إما بوضعه في مشكاة وهي الطاقة التي لا تنفذ وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا لأنه من زيت شجرة في وسط السراج لا شرقية ولا غربية فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها الشمس أعدل إصابة وهذا مثل ضربه الله للمؤمن ثم ضرب للكافر مثلين أحدهما كسراب بقيعة والآخر كظلمات في بحر لجي إلى آخره وهو أيضا تشبيه تركيب.
الثالث: ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام:
أحدها: تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع اعتمادا على معرفة النقيض والضد فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة كقوله: {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} شبه بما لا يشك أنه قبيح لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صورة الشياطين وإن لم ترها عيانا.
الثاني: عكسه وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه كقوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} الآية أخرج ما لا يحس وهو
الإيمان إلى ما يحس وهو السراب والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة.
الثالث: إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت كقوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} والجامع بينهما الارتفاع في الصورة.
الرابع: إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها كقوله: {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} والجامع العظم وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة.
الخامس: إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها كقوله تعالى: {وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} والجامع فيهما العظم والفائدة إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان فتضمن الكلام نبأ عظيما من الفخر وتعداد النعم وعلى هذه الأوجه الخمسة تجري تشبيهات القرآن
السادس: ينقسم باعتبار آخر إلى:
مؤكد: وهو ما حذفت فيه الأداة نحو: {وهي تمر مر السحاب} أي مثل مر السحاب {وأزواجه أمهاتهم} {وجنة عرضها السماوات والأرض}
ومرسل: وهو ما لم تحذف كالآيات السابقة
والمحذوف الأداة أبلغ لأنه نزل فيه الثاني منزلة الأول تجوزا.
قاعدة
الأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به وقد تدخل على المشبه إما لقصد المبالغة فيقلب التشبيه ويجعل المشبه هو الأصل نحو: {قالوا إنما البيع مثل الربا} كأن الأصل أن يقولوا إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع فعدلوا عن ذلك وجعلوا الربا أصلا ملحقا به البيع في الجواز لأنه الخليق بالحل ومنه قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} فإن الظاهر العكس لأن الخطاب لعبدة الأوثان الذين سموها آلهة تشبيها بالله سبحانه وتعالى فجعلوا غير الخالق مثل الخالق فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتهم وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة فجاء الرد على وفق ذلك
وإما لوضوح الحال نحو: {وليس الذكر كالأنثى} فإن الأصل "وليس الأنثى كالذكر" وإنما عدل عن الأصل لأن المعنى "وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت" وقيل: لمراعاة الفواصل لأن قبله: {إني وضعتها أنثى}
وقد تدخل على غيرهما اعتمادا على فهم المخاطب نحو: {كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم} الآية المراد "كونوا أنصار الله خالصين في الانقياد كشأن مخاطبي عيسى إذ قالوا."
قاعدة
القاعدة في المدح تشبيه الأدنى بالأعلى وفي الذم تشبيه الأعلى بالأدنى لأن الذم مقام الأدنى والأعلى طارئ عليه فيقال في المدح حصى كالياقوت وفي الذم ياقوت كالزجاج
وكذا في السلب ومنه: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} أي في النزول لا في العلو {أم نجعل المتقين كالفجار} أي في سوء الحال أي لا نجعلهم كذلك
نعم أورد على ذلك: {مثل نوره كمشكاة} فإنه شبه فيه الأعلى بالأدنى لا في مقام السلب وأجيب بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين إذ لا أعلى من نوره فيشبه به.
فائدة
قال ابن أبي الإصبع: لم يقع في القرآن نشبيه شيئين بشيئين ولا أكثر من ذلك إنما وقع فيه تشبيه واحد بواحد.
فصل
زوج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما الاستعارة فهي مجاز علاقته المشابهة أو يقال في تعريفها: اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي
والأصح أنها مجاز لغوي لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا لأعم منهما فأسد في قولك رأيت أسدا يرمي موضوع للسبع لا للشجاع ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلا ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما
وقيل: مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به فكان استعمالها فيما وضعت له فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه بدليل الأعلام المنقولة فلم يبق إلا أن يكون مجازا عقليا.
وقال بعضهم: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي أو حصول المبالغة أو المجموع مثال إظهار الخفي: {وإنه في أم الكتاب} فإن حقيقته: "وأنه في أصل الكتاب" فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصيرمرئيا فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان وذلك أبلغ في البيان ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا: {واخفض لهما جناح الذل} فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة فاستعير للذل أولا "جانب" ثم للجانب جناح وتقدير الاستعارة القريبة: "واخفض لهما جانب الذل" أي اخفض جانبك ذلا وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا لأجل حسن البيان ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة ممكنا احتيج في الاستعارة إلى
ما هو أبلغ من الأولى فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب لأن من يميل جانبه إلى جهة السفلة أدنى ميل صدق عليه أنه خفض جانبه والمراد خفض يلصق الجانب بالأرض ولا يحصل ذلك إلا بذكر الجناح كالطائر
ومثال المبالغة: {وفجرنا الأرض عيونا} وحقيقته: " وفجرنا عيون الأرض " ولو عبر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيونا.
فرع
أركان الاستعارة ثلاثة: مستعار وهو لفظ المشبه به ومستعار منه وهو معنى اللفظ المشبه ومستعار له وهو المعنى الجامع
وأقسامها كثيرة باعتبارات فتنقسم باعتبار الأركان الثلاثة إلى خمسة أقسام:
أحدها: استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو: {واشتعل الرأس شيبا} فالمستعارة منه هو النار والمستعار له الشيب والوجه هو الانبساط ومشابهة ضوء النار لبياض الشيب وكل ذلك محسوس وهو أبلغ مما لو قيل: "اشتعل شيب الرأس" لإفادة عموم الشيب لجميع الرأس ومثله: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} أصل الموج حركة الماء فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة {والصبح إذا تنفس} استعير خروج النفس
شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلا قليلا بجامع التتابع على طريق التدريج وكل ذلك محسوس.
الثاني: استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي قال ابن أبي الإصبع وهي ألطف من الأولى نحو: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} فالمستعار منه السلخ الذي هو كشط الجلد عن الشاة والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسيان والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل والترتب أمر عقلي ومثله: {فجعلناها حصيدا} أصل الحصيد النبات والجامع الهلاك وهو أمر عقلي.
الثالث: استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي قال ابن أبي الإصبع وهي ألطف الاستعارات نحو {من بعثنا من مرقدنا} المستعار منه الرقاد أي النوم والمستعار له الموت والجامع عدم ظهور الفعل والكل عقلي ومثله: {ولما سكت عن موسى الغضب} المستعار السكوت والمستعار منه الساكت والمستعار له الغضب.
الرابع: استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي أيضا نحو: {مستهم البأساء والضراء} استعير المس وهو حقيقة في الأجسام وهو محسوس لمقاساة الشدة والجامع اللحوق وهما عقليان: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} فالقذف والدمغ مستعاران وهما محسوسان والحق والباطل مستعار لهما وهما معقولان: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل
من الله وحبل من الناس} استعير الحبل المحسوس للعهد وهو معقول {فاصدع بما تؤمر} استعير الصدع وهو كسر الزجاجة وهو محسوس للتبليغ وهو معقول والجامع التأثير وهو أبلغ من "بلغ" وإن كان بمعناه لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ فقد لا يؤثر التبليغ والصدع يؤثر جزما {واخفض لهما جناح الذل} قال الراغب لما كان الذل على ضربين: ضرب يضع الإنسان وضرب يرفعه وقصد في هذا المكان إلى ما يرفع استعير لفظ الجناح فكأنه قيل استعمل الذل الذي يرفعك عند الله وكذا قوله: {يخوضون في آياتنا} {فنبذوه وراء ظهورهم} {أفمن أسس بنيانه على تقوى} {ويبغونها عوجا} {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} {فجعلناه هباء منثورا} {في كل واد يهيمون} {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} كلها من استعارة المحسوس للمعقول والجامع عقلي.
الخامس: استعارة معقول لمحسوس والجماع عقلي أيضا نحو: {إنا لما طغا الماء} المستعار منه التكبر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسي والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضا مثله: {تكاد تميز من الغيظ} {وجعلنا آية النهار مبصرة}
وتنقسم باعتبار اللفظ إلى: