النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب (6/8)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
ومنها أنه لما تحداهم قال: {فأتوا بسورة من مثله} فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها لقال العربي ائتونا أنتم بسورة من مثله فأنزلها سبحانه وتعالى في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه.
ومنها أن القصة لما كررت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النظم وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حب التنقل في الأشياء المتجددة واستلذاذها بها وإظهار خاصة القرآن حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللفظ ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين.
وقد سئل: ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص وأجيب بوجوه:
أحدها: أن فيها تشبيب النسوة به وحال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والستر وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف.
ثانيها: أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم فلما اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص.
ثالثها: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص.
قلت وظهر لي جواب رابع وهو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم كما رواه الحاكم في مستدركه فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة وترويح النفس بها والإحاطة بطرفيها.
وجواب خامس: وهو أقوى ما يجاب به إن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول الله فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب كما حل على المكذبين ولهذا قال تعالى في آيات: {فقد مضت سنت الأولين} {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك
وبهذا أيضا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة موسى مع الخضر وقصة الذبيح فإن قلت قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين وليست من قبيل ما ذكرت قلت: الأولى في سورة "كهيعص" وهي مكية أنزلت خطابا لأهل مكة والثانية في سورة آل عمران وهي مدنية أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ولهذا اتصل بها ذكر المحاجة والمباهلة
النوع الخامس: الصفة
وترد لأسباب:
أحدها: التخصيص في النكرة، نحو: {فتحرير رقبة مؤمنة}
الثاني: التوضيح في المعرفة أي زيادة البيان نحو: {ورسوله النبي الأمي}
الثالث: المدح والثناء ومنه صفات الله تعالى، نحو: {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} {هو الله الخالق البارئ المصور}
ومنه: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} فهذا الوصف للمدح وإظهار شرف الإسلام والتعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام الذي هو دين الأنبياء كلهم وأنهم بمعزل عنها قاله الزمخشري.
الرابع: الذم نحو: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}
الخامس: التأكيد لرفع الإيهام، نحو: {لا تتخذوا إلهين اثنين} فإن "إلهين" للتثنية فاثنين بعده صفة مؤكدة للنهي عن الإشراك ولإفادة أن النهي عن "إلهين" إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط لا لمعنى آخر من كونهما عاجزين أو غير ذلك ولأن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية كقوله: صلى الله عليه وسلم "إنما نحن وبنو المطلب شيء واحد" وتطلق ويراد بها نفي العدة فالتثنية باعتبارها فلو قيل "لا تتخذوا إلهين" فقط
لتوهم أنه نهي عن اتخاذ جنسين آلهة وإن جاز أن يتخذ من نوع واحد عدد آلهة ولهذا أكد بالوحدة قوله: {إنما هو إله واحد}
ومثله: {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} على قراءة تنوين "كل" وقوله: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} فهو تأكيد لرفع توهم تعدد النفخة لأن هذه الصيغة قد تدل على الكثرة بدليل: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}
ومن ذلك قوله: {فإن كانتا اثنتين} فإن لفظ "كانتا" تفيد التثنية فتفسيره باثنتين لم يفد زيادة عليه
وقد أجاب عن ذلك الأخفش والفارسي: بأنه أفاد العدد المحض مجردا عن الصفة لأنه قد كان يجوز أن يقال: "فإن كانتا صغيرتين أو كبيرتين أو صالحتين أو غير ذلك من الصفات" فلما قال "اثنتين" أفهم أن فرض الثنتين تعلق بمجرد كونهما ثنتين فقط وهي فائدة لا تحصل من ضمير المثنى وقيل أراد: "فإن كانتا اثنتين فصاعدا" فعبر بالأدنى عنه وعما فوقه اكتفاء ونظيره: {فإن لم يكونا رجلين} والأحسن أن الضمير عائد على الشهيدين المطلقين
ومن الصفات المؤكدة قوله: {ولا طائر يطير بجناحيه} فقوله: "يطير" لتأكيد أن المراد بالطائر حقيقته فقد يطلق مجازا على غيره وقوله:
"بجناحيه" لتأكيد حقيقة الطيران لأنه يطلق مجازا على شدة العدو والإسراع في المشي
ونظيره {يقولون بألسنتهم} لأن القول يطلق مجازا على غير اللسان بدليل: {ويقولون في أنفسهم} وكذا {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} لأن القلب قد يطلق مجازا على العين كما أطلقت العين مجازا على القلب في قوله: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري.}
قاعدة
الصفة العامة لا تأتي بعد الخاصة لا يقال رجل فصيح متكلم بل متكلم فصيح وأشكل على هذه قوله تعالى في إسماعيل: {وكان رسولا نبيا} وأجيب أنه حال لا صفة أي مرسلا في حال نبوته، وقد تقدم في نوع التقديم والتأخير أمثلة من هذه.
قاعدة
إذا وقعت الصفة بعد متضايفين أولهما عدد جاز إجراؤها على المضاف وعلى المضاف إليه فمن الأول: {سبع سماوات طباقا}
ومن الثاني: {سبع بقرات سمان}
فائدة
إذا تكررت النعوت لواحد فالأحسن إن تباعد معنى الصفات العطف نحو: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} وإلا تركه نحو: {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم}
فائدة
قطع النعوت في مقام المدح والذم أبلغ من إجرائها قال الفارسي إذا ذكرت صفات في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف في إعرابها لأن المقام يقتضي الإطناب فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن وعند الاتحاد تكون نوعا واحدا
مثاله في المدح {والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة} {ولكن البر من آمن بالله} إلى قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين} وقرئ شاذا {الحمد لله رب العالمين} برفع "رب" ونصبه
ومثاله في الذم {وامرأته حمالة الحطب.}
النوع السادس: البدل
والقصد به الإيضاح بعد الإبهام وفائدته البيان والتأكيد. أما الأول: فواضح أنك إذا قلت: "رأيت زيدا أخاك" بينت أنك تريد بزيد الأخ لا غير أما التأكيد فلأنه على نية تكرار العامل فكأنه من جملتين ولأنه دل على ما دل عليه لأول إما بالمطابقة في بدل الكل أو بالتضمن في بدل البعض أو بالالتزام في بدل الاشتمال
مثال الأول: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} {لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة}
ومثال الثاني: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض}
ومثال الثالث: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} {قتل أصحاب الأخدود النار} {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم}
وزاد بعضهم بدل الكل من البعض وقد وجدت له مثالا في القرآن وهو قوله: {يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن} ف "جنات
عدن "بدل من الجنة التي هي بعض وفائدته تقرير أنها جنات كثيرة لا جنة واحدة. قال ابن السيد وليس كل بدل يقصد به رفع الإشكال الذي يعرض في المبدل منه بل من البدل ما يراد به التأكيد وإن كان ما قبله غنيا عنه كقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} ألا ترى أنه لو لم يذكر الصراط الثاني لم يشك أحد في أن الصراط المستقيم هو صراط الله وقد نص سيبويه على أن من البدل ما الغرض منه التأكيد انتهى.
وجعل منه ابن عبد السلام {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال: ولا بيان فيه لأن الأب لا يلتبس بغيره ورد بأنه يطلق على الجد فأبدل لبيان إرادة الأب حقيقة.
النوع السابع: عطف البيان
وهو كالصفة في الإيضاح لكن يفارقها في أنه وضع ليدل على الإيضاح باسم مختص به بخلافها فإنها وضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعها
وفرق ابن كيسان بينه وبين البدل بأن البدل هو المقصود وكأنك قررته في موضع المبدل منه وعطف البيان وما عطف عليه كل منهما مقصود.
وقال ابن مالك في شرح الكافية عطف البيان يجري مجرى النعت في تكميل متبوعه ويفارقه في أن تكميله متبوعه بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى في المتبوع أو سببية ومجرى التأكيد في تقوية دلالته ويفارقه في أنه لا يرفع توهم مجاز ومجرى البدل في صلاحيته للاستقلال ويفارقه في
أنه غير منوي الاطراح ومن أمثلته: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} {من شجرة مباركة زيتونة}
وقد يأتي لمجرد المدح بلا إيضاح ومنه: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} فالبيت الحرام عطف بيان للمدح لا للإيضاح.
النوع الثامن: عطف أحد المترادفين على الآخر
والقصد منه التأكيد أيضا وجعل منه: {إنما أشكو بثي وحزني} {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا} {فلا يخاف ظلما ولا هضما} {لا تخاف دركا ولا تخشى} {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} قال الخليل: العوج والأمت بمعنى واحد {سرهم ونجواهم} {شرعة ومنهاجا} {لا تبقي ولا تذر} {إلا دعاء ونداء} {أطعنا سادتنا وكبراءنا} {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} فإن "نصب" كلغب وزنا ومعنى، {صلوات من ربهم ورحمة} عذرا أو نذرا قال ثعلب: هما بمعنى
وأنكر المبرد وجود هذا النوع في القرآن وأول ما سبق على اختلاف المعنيين وقال بعضهم المخلص في هذا أن تعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفرادهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ
النوع التاسع: عطف الخاص على العام
وفائدته التنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات.
وحكى أبو حيان عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول هذا العطف يسمى بالتجريد كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفضيلا
ومن أمثلته: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} . {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} فإن إقامتها من جملة التمسك بالكتاب وخصت بالذكر إظهارا لمرتبتها لكونها عماد الدين وخص جبريل ميكائيل بالذكر ردا على اليهود في دعوى عداوته وضم إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد كما أن جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح
وقيل: إن جبريل ميكائيل لما كانا أميري الملائكة لم يدخلا في لفظ الملائكة
أولا كما أن الأمير لا يدخل في مسمى الجند حكاه الكرماني في العجائب
ومن ذلك {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه} {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} بناء على أنه لا يختص بالواو كما هو رأي ابن مالك فيه وفيما قبله وخص المعطوف في الثانية بالذكر تنبيها على زيادة قبحه.