ذكر ماهية الزهد
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
أي شيء هو ليس يمكن عبد أن يعرف الزهد حتى يعرف الدنيا أي شيء هي، فقد قال الناس في الزهد أشياء كثيرة ونحن غير محتاجين إلى ذكر أقوالهم بما بين الله تعالى وأغنى بكتابه الذي جعل فيه الشفاء والغنى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الحبل المتين والصراط المستقيم من طلب الهدى في غيره أضله الله وقال سبحانه تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) الشورى: 10 وقال عز وعلا: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) البقرة: 213 فقد ذكر الله جل اسمه في كتابه: إن الدنيا سبعة أشياء وهو قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث) آل عمران: 14
ثم قال تعالى في آخرها: (ذلك متاع الحياة الدنيا) آل عمران: 14 ووصف حب الشهوات بالتزين ثم نسق الأوصاف السبعة على الحب لها ثم أشار لها، بقوله تعالى ذلك فذا إشارة إلى الكاف والكاف كناية عن المذكورالمتقدم المنسوق واللام بين ذا والكاف للتمكين والتوكيد فحصل من تدبر الخطاب أن هذه السبعة جملة الدنيا وأن هذه الدنيا هذه الأوصاف السبعة، وما تفرع من الشهوات رد إلى أصل من هذه الجمل، فمن أحب جميعها فقد أحب جملة الدنيا نهاية الحب ومن أحب أصلا منها أو فرعا من أصل فقد أحب بعض الدنيا فعلمنا بنص الكلام أن الشهوة دنيا وفهمنا من دليله أن الحاجات ليست بدنيا لأنه تقع ضرورات فإذا لم تكن الحاجة دنيا دل أنه لا تسمى شهوة، وإن كانت قد تشتهى لأن الشهوة دنيا، ولتفرقة الأسماء لإيقاع الأحكام عليها، واستند ذلك إلى خبر رويناه عن الله سبحانه وتعالى في الإسرائيليات: إن إبراهيم صلوات الله عليه أصابته حاجة فذهب إلى صديق يستقرض منه شيئا فلم يقرضه فرجع مغموما فأوحى الله تعالى إلىه: لو سألت خليلك لأعطاك فقال: يا رب عرفت مقتك للدنيا فخشيت أن أسألك منها فتمقتني فأوحى الله تعالى إلىه: ليس الحاجة من الدنيا ثم سمعناه تعالى وجل قد رد هذه السبعة الأوصاف في مكان آخر إلى خمسة معان فقال جل من قائل: (اعملوا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر) فهذه الخمسة هي وصف من أحب تلك السبعة، ثم اختصر الخمسة في معنيين منها
هما جامعان للسبعة فقال: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، ثم رد الإثنين إلى وصف واحد وعبر عنه بمعنيين فصارت الدنيا ترجع إلى شيئين جامعين مختصرين يصلح أن يكون كل واحد منهما هو الدنيا، فالوصف الواحد الذي رد الاثنين إليه اللذان هما اللعب واللهو هو الهوى اندرجت السبعة فيه.
فقال عز وجل: (ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) النازعات: 40 - 14 فصارت الدنيا طاعة النفس للهوى بدليل قوله تعالى: (فأما من طغى) (وآثر الحياة الدنيا) (فإن الجحيم هي المأوى) النازعات: 37 - 38 - 39، فلما كانت الجنة ضد الجحيم كان الهوى هو الدنيا لأن النهي عنه صد الإيثار له، فمن نهى نفسه عن الهوى فإنه لم يؤثر الدنيا وإذا لم يؤثر الدنيا فهذا هو الزهد، كانت له الجنة التي هي ضد الجحيم التي هي لم ينه نفسه عن الهوى بإيثاره الدنيا فصارت الدنيا هي طاعة الهوى وإيثاره في كل شيء فينبغي أن يكون الزهد مخالفة الهوى من كل شيء، وأما المعنى الآخر الذي عبر به عن هذا الوصف الذي هو الهوى فجعله دنيا أيضا فهو حب البقاء لمتعة النفس، استنبطنا ذلك من قوله تعالى: (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) النساء: 77، فالقتال هو فراق الحياة الدنيا لأنه المشي بالسيف إلى السيف والفناء بين السيفين فقالوا: هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا بالقتل وهذا هو حب البقاء ففسر حب البقاء بأنه هو الدنيا، فقال تعالى: (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى) النساء: 77 فانكشف الناس وافتضح المنافقون وابتلى المؤمنون عند فرض القتال وظهر المحبون الذي يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعندها ربح الذين هم لأنفسهم وأموالهم بائعون وخسر الذين هم للحياة الدنيا بالآخرة مشترون لما قال الله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة: 111 فلما اشتراها باعوها وقال في المشترين الخاسرين: (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) البقرة: 86 يعني رغبوا في البقاء الأدنى لما اشتروه ببيع البقاء الآخرة إذ باعوه، فمن اشترى ثلاثين سنة وأربعين سنة بألف ألف وبأبد الأبد فما ربحت تجارته ولا هدى سبيله؛ فهذه تجارة من رغب في حياة دنياه فاشتراها ببقاء الأبد فقد صار بائعا للحياة العالية بما استبدل به من اشتراء ضدها فهذا تدبر قوله تعالى: (اشتروا الحياة الدنيا) البقرة: 86 أي باعوا الحياة العليا وذلك الأول تجارة من باع حياة نفسه وفرق مجموع ماله فاشتراه الله تعالى منه وعوضه داره وأسكنه عنده جواره فقد ربحت تجارته واهتدى سبيله؛ لما باع حياة عشرين سنة وثلاثين سنة بحياة أبدالأبد؛ فهذا ربح تجار الآخرة الزاهدين في الدنيا وذلك خسر تجارالدنيا الراغبين في الهوى، فشتان بين التجارتين،
فما أعظم حسرة الفوت على من خسر ما ربحه الزاهدون بعد الموت، وقد كان الناس مستورين بإظهار الزهد في البقاء ومظنونا بهم حب الباقي الأعلى حتى نزلت: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) النساء: 77 الآية، وحتى نزل: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون) الصف: 2، كانوا قالوا: إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه، فلذلك قال تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) الصف: 3 - 4 ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما كنت أحسب أن فينا أحدا يريد الدنيا حتى نزلت (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) آل عمران: 251، وكذلك قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: حين نزلت (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) النساء: 66
قال ابن مسعود قال لي رسول الله عليه السلام: قيل لي: أنت منهم؛ أي من القليل الذي كان يفعل ذلك، فإذا كان حب البقاء هو الدنيا فينبغي أن يكون حب بقاء الباقي هو الزهد فصار الزهد في الدنيا هو الزهد في البقاء، فمن زهد في الحياة الفانية وفي ماله المجموع بالجهاد للنفس والإنفاق في سبيل الله فقد زهد في الدنيا، ومن زهد في الدنيا أحبه الله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولذلك صار الجهاد أفضل الأعمال لأنه حقيقة الزهد في الدنيا ولأن الله تعالى يحب من زهد في الدنيا ثم كان مخالفة الهوى أفضل الجهاد لأنه هو حقيقة الرغبة في الدنيا، وقد عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزهد في الدنيا إذ قال في الحديث الأول: ازهد في الدنيا يحبك الله تعالى، ثم قال في الخبر الثاني بمعناه: اجتنب المحارم يحبك الله تعالى، واجتنابهم زهد في الدنيا، فالزاهد في الدنيا حبيب ربه تعالى، والراغب في حب البقاء لنفسه منافق في دين ربه تعالى، ومنه الخبر الذي جاء: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق، وبه كشف الله تعالى الكاذبين ووصفهم بمرض القلوب.
فقال سبحانه وتعالى: (فرذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القيال رأيت الذين في قلوبهم مرض) يعني نفاقا (ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت، فأولى لهم) محمد: 20 تهدد ووعيد أي ولهم العذاب وقرب منهم ثم قال: (طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر) محمد: 21 وحقت الحقائق كذبوا ونكثوا، فلو صدقوا الله أي في الوفاء لكان خيرا لهم، وهذا من الكلام المضمر، فلذلك أشكل والبقاء والحياة اسمان لمعنى، ولذلك جعل الله تعالى الدنيا وصفا للحياة فتكون الدنيا هي الحياة ونعتها بالدنيا نعت مؤنث لدخول الهاء في الإسم الي هي إحدى علامات التأنيث، فصارت الحياة هي الدنيا وصار قوله الدنيا نعتها بالدناءة، ولو كان الإسم مذكرا مثل البقاء نعته بمذكر فقال: الأدنى، وقد
قال في مثله: (يأخذون عرض هذا الأدنى) الأعراف: 169 فالأدنى تذكير الدنيا، والدنيا تأنيث أدنى كالأعين والأقنى والأشعث؛ تذكير عيناء وقنواء وشعثاء، والعرض اسم لما يعرض ويقل بقاؤه فمن أحب ذلك فقد أحب الدنيا بحبه الأدنى، وهذا يرجع إلى حب حياة الأصل لأنه إنما يريد العرض الأدنى لأجل الحياة فصار حب البقاء الذي لأجله يريد عرض الأدنى هو الدنيا وصار حب العرض لأجل البقاء من الدنيا فجاء من هذا الذي ذكرناه أن حقيقة الدنيا حب البقاء لطاعة الهوى وموافقة الهوى في حب العرض لأجل البقاء، فدخل أحد هذين في الآخر لأن حب البقاء لأجل المتعة، هو من الهوى الذي هو صفة النفس الأمارة بالسوء وطاعة الهوى الذي هو عيش النفس إنما يكون لحب البقاء، لأن العبد لو أيقن بالموت ساعته لآثر الحق على الهوى ولو أيس من البقاء لما رغب في العرض الأدنى، فصار حب البقاء من الهوى وصار إيثار الهوى إنما هو لحب البقاء، فكان ذلك حقيقة الدنيا، وكان أقصر الناس أملا للبقاء أزهدهم في الدنيا حتى لا يدخر شيئا لغد لأنه عنده غير باق إلى غد وصار أرغب الناس في الدنيا أطولهم أملا لأن رغبته اشتدت فيها وحرصه كثر عليها الإمتداد أمله للحياة فيها إذ ولو قصر أمله لغد لاختار الفقر حينئذ واختيار الفقر هو الزهد.