☪ Anlam Arayışı

← Makâsıdü'l-Felâsife

Bölüm 3

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

(الهيولى والصورة والجسم والعقل المفارق): وهوالقائم بنفسه وكل جسم فالجواهر الثلاثة الأول موجودة فيه فالماء مثلا جسم مركب من صورة المائية ومن الهيولى الحاملة للصورة فمجرد الهيولى جوهر ومجرد الصورة جوهر ومجموعهما وهو الجسم جوهر فهذا شرح هذه الانقسامات فى العقل مع تفسير هذه الاصطلاحات فأما إثبات الجواهر الثلاثة فبالبرهان على ما سيأتى إلا الجسم فانه يثبت بالمشاهدة* أما العقل والصورة والهيولى فمطلوب بالدليل لا محالة وحصل من هذا أنهم أطلقوا اسم الجوهر على ما هو محل وعلى ما هو حال أيضا وخالفوا فى هذا المتكلمين فان الصورة عند المتكلمين عرض تابع لوجود المحل وهم يستبدلون ويقولون كيف لا تكون الصورة جوهرا وبها تقوم ذات الجوهر ويتقوم حقيقته وماهيته وكيف يكون عرضا والعرض تابع للمحل بعد تقوم المحل بنفسه والهيولى تابع للصورة فى التقوم وأصل الجوهر كيف لا يكون جوهرا.

(القول فى حقيقة الجسم): لما قسم العقل الجوهر إلى جسم وغير جسم وكان وجود الجسم من جملة الجواهر مدركا بالحس مستغنيا عن البرهان وجبت البداية بيان حده وحقيقته فالجسم هو كل جوهر يمكن أن يفرض فيه ثلاثة امتدادات متقاطعة على زوايا قائمة فانك إذا لاحظت ذات العقل أو ذات البارى تعالى لم يمكنك أن تفرض فيه بعدا أو امتدادا البتة فاذا نظرت إلى السماء والأرض وسائر الأجسام أمكنك أن تفرض امتدادا على الاتصال وتقبل الانقسام والانفصال والامتداد فى جهة واحدة يسمى طولا وهذا يوجد للخط وحده والامتداد فى جهتين يسمى طولا وعرضا وهذا يوجد للسطح وحده فانه ينقسم من جهتين والخط لا ينقسم إلا من جهة واحدة ولا يوجد شىء ينقسم من ثلاثة جهات إلا الجسم فكل ما يمكن أن يفرض بالوهم فيه ثلاث امتدادات متقاطعة على زوايا قائمة فهو الجسم وإنما خصصنا الزوايا بالقائمة لأن ذلك إن لم يشترط فكل جسم يمكن أن يفرض فيه امتدادات كثيرة متقاطعة لا على زوايا قائمة مثل هذا فاذا فرضت الزوايا قائمة لم تزد على الثلاث وهو الطول والعرض والعمق * والزاوية القائمة هى التى تحصل بقيام خط منتصبا على وسط آخر بحيث لا يميل الى أحد الجانبين وبحيث يتساوى الزاويتان.

الحاصلتين من الجانبين فاذا تساويتا سميت كل واحدة قائمة مثل هذا فاذا ميل به الى جانب اليمين مثلا مثل هذا صارت الزاوية من الجانب الذى اليه الميل أضيق من مقابلتها فتسمى حاده وتسمى الواسعة المقابلة منفرجة * وقد قيل فى حد الجسم أنه الطويل العريض العميق وهذا فيه نوع تساهل فان الجسم ليس جسما باعتبار ما فيه من الطول والعرض والعمق بالفعل بل باعتبار قبوله للطول والعرض والعمق والابعاد الثلاثة بدليل أنك لو أخذت شمعة فشكلتها بطول شبر وعرض أصبعين وسمك أصبع واحد فهى جسم لا لما فيه من الطول والعرض إذ لو جعلته مستديرا أو على شكل آخر زال ذلك الامتداد المعين وذلك الطول المعين وحدث امتدادان آخران بدلا عنهما والصورة الجسمية لم تتبدل أصلا فاذا المقادر الموجودة فى الجسم أعراض خارجة عن ذات الجسمية وقد تكون لازمة لا تفارق كشكل السماء ولكن العرضى قد يكون لازما وكذا العرض كالسواد للحبشى فاذا الذاتى للجسم الذى هوالصورة الجسمية كونه بحيث يقبل فرض الامتدادات لا وجود الامتدادات بالفعل بل المقدار الحاصل بالفعل عرض ولذلك يجوز أن يقبل جسم واحد مقدارا أصغر وأكبر فيكبر مرة ويصتغرأخرى من غير زيادة من خارج بل فى نفسه من حيث أن المقدار عرض فيه وليس.

بعض المقادير متعينا له لذاته ويدل على كون المقدار غير حقيقة الجسمية أن الأجسام متساوية فى الصورالجسمية لا يتصور بينها فرق وهى مختلفة فى المقادير لا محالة (القول فى الاختلاف الذى فى تركيب الجسم): قد اختلف الناس فى تركيب الجسم ولا يحصل الوقوف على حقيقة الجسم إلاببيان صحيح المذاهب فيه* وقد اختلفوا على ثلاثة مذاهب فقائل يقول إنه متركب من أجزاء لا تجزأ لا بالوهم ولا بالفعل ويسمى كل من تلك الآحاد جوهرا فردا والجسم هو المتألف من تلك الجواهر* وقائل يقول إنه غير مركب أصلا بل هو موجود واحد بالحقيقة والحد* وليس فى ذاته تعدد* وقائل يقول إنه مركب من الصورة والمادة أما دليل بطلان المذهب الأول فابطال الجوهر الفرد وبيان استحالته بستة أمور.

(الأول): أنه لو فرض جوهر بين جوهرين فكل واحد من الطرفين يلقى من الأوسط ما يلقاه الآخر أو غيره فان كان غيره فقد حصل الانقسام إذ ما شغله هذا الطرف بالمماسة غير ما شغله الآخر وإن كان عينه فلا شك فى أنه محال ثم يلزم عليه أن يكون كل واحد من الطرفين مداخلا للوسط بكليته إذ لقى جميعه وليس له جميع بل هو واحد وقد لقى منه شيئا فقد لقى كله ولقى الآخر كله فيلزم أن يكون مكان الكل ومكان الوسط واحدا وإلاصار الوسط حائلا بين الطرفين وصار ملاقيا لكل واحد من الطرفين بغير ما يلاق الآخر ولا يمكنه أن يلافيه بعين مايلاقى الآخر إلا بالتداخل ثم إن جاء ثالث ورابع فهكذا يلزم فيجب أن لا يزيد حجم ألف جزء على جزء واحد ولا شك فى استحالة هذا.

(دليل ثانى): وهو أنا نفرض خمسة أجزاء رتبت صفا واحدا كأنه خط ووضعنا جزئين على طرفى الخط فالعقل يقبل تقدير حركة الجزئين حتى يلتقيا لا محالة ويقبل تقديرالتقائهما بحركة متساوية من الجزئين وإذا فرض ذلك كان كل واحد من الجزئين قد قطع جزءا من الوسط فيكون الوسط قد انقسم والا فيلزم أن يقال ليس فى مقدور الله إيصال أحدهما إلى الآخر بحركة متساوية بل اذا ابتدأ بتحريكهما وانتهى أحدهما إلى الثانى وقفت القدرة عن تحريكه حتى يتحرك الآخر إلى الثالث* وليت شعرى هل يكون وقوف القدرة فى الجوهر المتيامن أو المتياسر ولم يتعذر على القدرة ذلك فى أحدهما بعينه دون الآخر وذلك الآخر مثله فى قبول الحركة.

(دليل ثالث): هو أنا نفرض خطين كل واحد منهما من ستة أجزاء أحدهما خط.

(اب) : والآخر خط (ج د): على هذا المثال وفرصنا جزئين أحدهما.

يريد أن يتحرك من (ا) آلى (ب) والآخر من (د) الى (ج) ليكونا متقابلين فلا شك فى أنهما يتقابلان أولا ويتحاذيان ثم يجاوز أحدهما الآخر ويمكن أن نفرض ذلك بحركة متساوية من الجزئين وإن ثبت الجوهر الفرد صار ذلك محالا لأن تحاذيهما لا يمكن إلا على ثلاثة أوجه.

(أحدها): أن يكون على نقطتى (ه ح) فيكون أحدهما قطع أربعة أجزاء والآخر جزئين* والثانى أن يكون على نقطتى (رط) فيكون أحدهما أيضا قد قطع جزئين والآخر أربعة فلاتكون الحركة متساوية* والثالث أن يكون أحدهما على نقطة (ح) والآخر على نقطة (ط) وقد قطع كل واحد جزئين ولكن تقطتا (ح) و(ط) ليستا بمتحاذيتين فاستحال التحاذى مع تساوى الحركة فاستحال التجاوز ولا شك فى أن ذلك غير محال وإنما صار محالا بفرض الجوهر الفرد بل يتحاذيان على الوسط فان كل طول فيقبل التنصيف بنصفين متساويين فيكون المنتصف هو الوسط وهما متحاذيان.

(دليل رابع): وهو أنا نفرض ستة عشرجوهرا فردا وصنعت متلاصقة متجاورة على شكل مربع وهى ذات أربعة أضلاع هكذا وقد وضعناها متفرقة فلنفرضها متلاصقة لا فرجة فيها فلا شك فى أن أضلاعها متساوية لأن كل ضلع مركب من أربعة أجزاء وقطره أيضا مركب من أربعة أجزاء.

فيجب أن يكون قطره مثل ضلعه وذلك محال فان القطر الذى.

يقطع المربع بمثلين متساويين أبدا يكون أكبر من الضلع وذلك معلوم بالمشاهدة من جميع المربعات ودل عليه البرهان الهندسى وذلك محال مع الجوهر الفرد.

(دليل خامس): اذا فرضنا خشبا منتصبا فى الشمس وقع له ظل لا محالة وامتد من الشعاع خط مستقيم من حد الظل كرأس الخشبة الى الشمس وواجب أن يتحرك مهما تحرك الشمس فان الشعاع لا يقع إلا مستقيما فان تحركت الشمس ولم يتحرك الظل كان لخط مستقيم طرفان طرف إلى الجزء الذى كان الشمس فيه أولا وطرف إلى الجزء الذى انتقل اليه ثانيا وذلك محال فان فرضنا تحرك الشمس جزءا واجدا فان تحرك الظل أقل من جزء فقد انقسم الجزء وإن تحرك مثل ما تحرك الشمس فهذا محال إذ يقطع الشمس فراسخ والظل لا يتحرك مقدار شعرة.

(دليل سادس): أن الرحا من الحديد أو الحجر إذا دارت فلا شك فى أنه إذا تحرك طرفه تحرك أجزاء وسطه أقل من ذلك لأن دوائر الوسط أصغر من دوائر الظرف وإذا تحرك الطرف جزءا فاما أن يتحرك الوسط أقل منه فينقسم الجزء أولا يتحرك فيلزم أن ينفصل جميع أجزاء الرحا حتى يتحرك البعض ويسكن وهو محال من الحس فان أجزاء الحديد ليست تنفصل البتة.

(فأما دليل بطلان المذهب الثانى): وهو قول من قال إن الجسم ليس مركبا أصلا بل هو موجود واجد بالحقيقة والحد فهو أن الشىء الواحد من كل وجه لا يتصور أن يعبر عنه بعبارتين يصدق على إحداهما مالا يصدق على الأخرى* ونحن نبين أن العقل يثبت فى كل جسم أمرين يصدق على أحدهما ما لا يصدق على الآخر فان الصورة الجسمية عبارة عن الاتصال لا محالة وهذا الجسم المتصل قابل للانفصال الا محالة والقايل لا يخلو إما أن يكون عين الاتصال أو غيره فان كان عين الالصال فهو محال لأن القابل هو الذى يبقى مع المقبول إذ لا يقال المعدوم قبل الوجود فالاتصال لا يقبل الانفصال فلا بد من أمر آخر هو القابل للاتصال والانفصال جميعا وذلك القابل يسمى هيولى بالاصطلاح* والاتصال المقبول يسمى صورة ولا يتصور جسم لا اتصال فيه ولا يتصور اتصال إلا فى متصل ولا امتداد إلا فى ممتد والمتصل عين الاتصال بالحد والحقيقة وليسا يتباينان بالمكان ولا يمكن أن يتميز أحدهما عن الآخر باشارة الحس ولكن باشارة العقل يتميزان إذ يحكم العقل على أحدهما بما لا يحكم به على الآخر وهو قبول الانفصال الذى حكم باستحالته على الاتصال وقد حكم العقل بثبوته على شىء فذلك الشىء هو غير الاتصال فقد أدرك العقل لا محالة تغايرا والشىء لا يغايرنفسه بحال فهذا برهان إثبات الهيولى والصورة فى كل جسم. وأما ذات الاله وذات العقل وذات النفس فلا يمكن أن يفرض فيها اتصال وانفصال فلم يلزم أن يكون فيها تركيب وإنما الأجسام هى المركبة بالضرورة من الصورة والهيولى لا محالة فاذا تحصل من مجموع ماسبق أن الحق هو الرأى الثالث وهو أن الجسم غير مركب من أجزاء لا تتجزء إلا متناهية ولا غير متناهية إذ لو كان أجزاء غير متناهية لاستحال قطع الجسم مسافة من طرف إلى طرف إذ لا ينتهى إلى النصف ما لم ينته إلى نصف النصف وكذلك نصف.

نصف النصف ويكون ثم أنصاف لانهاية لها فلا يمكن قطعها ولكن الجسم ليس له جزء بالفعل ولكن بالقوة وإنما يحصل له جزء إذا جزىء ويحصل فيه قطع إذا قطع ويحصل فيه قسمة إذا قسم. وقول القائل الجسم منقسم إن لم يعن به أنه مستعد لأن يحدث فيه الانقسام فهو خطأ كقوله إنه منقطع ومنفصل فان الجسم الواحد المتصل كيف يكون منقطعا ومنفصلا. نعم.

يكون مستعدا له والانقسام والانقطاع والتجزؤ عبارات مترادفة وكلها ثابتة فى الجسم الواحد بالقوة لابالفعل وإنما يصير بالفعل بأحد أمور ثلاثة إما قطع بتفريق الأجزاء. وإما بأن يختلف فيه العرض كالخشب الملون إذ يكون الأبيض غير الأسود. وإما بالوهم وهو أن تصرف وهمك إلى طرف دون غيره فيكون ما صرفت إليه توهمك غير ما قطعت الوهم عنه ويكون وضع الوهم عليه كوضع الأصبع ومهما وضعت الأصبع على طرف كان المماس لأصبعك غير المباين فيحدث به انقسام فكذا يتعلق وهمك بتميز عما لم يتعلق به فمن هذا يعسر على الوهم أن يتصور الجسم واحد الأجزاء له لأنه سباق إلى تعيين الأطراف وتخصيص بعض الأجزاء بالتقديرات فيكون الجسم عند ذلك منقسما انقساما حاصلا من الوهم ولم يكن له فى حد نفسه انقسام بل حدث بفعل الوهم. نعم كان مستعدا لفعل الوهم ولظهور هذا الاستعداد وسهولة حصول المستعد له وعجز انفكاك الخيال عنه لا يكاد الوهم يطمئن إلى التصديق بأن الجسم الواحد المتشابه الأجزاء كالماء الواحد واحد بل نقول اعلم أن الماء الذى فى أسفل الكوز غير الماء على سطح الكوز وهذا صدق لأن الانقسام قد حصل باختلاف عرض المماسة.

ثم نقول: الوهم يفرض جزئين غير مماسين للكوز فماعلى جانب اليمين بالضرورة غير ما على جانب اليسار وهذا أيضا صدق وقد حصل الانقسام باختلاف عرض الموازاة لليمين واليسار والقرب من سطح الكوز أو وسطه وكل ذلك يوجب انقساما ولكن إذا نفى هذه الاختلافات كلها واعتبر جسم واحد متشابه من كل وجه حكم العقل بأنه واحد وليس له جزء بالفعل ولكنه قابل للتجزئة فهذا كشف الغطاء فيه.

(القول فى ملازمة الهيولى والصورة) الهيولى ليس لها وجود بالفعل بنفسها دون الصورة البتة بل يكون أبدا وجودها مع الصورة وكذلك الصورة لا تقوم بنفسها دون الهيولى* والدليل على أن الهيولى لا توجد خالية عن الصورة أمران.

(الأول): أنه لو وجدت لكان لا يخلو إما أن تكون مشارا إليها فى جهة باليد إشارة حسية أولم تكن فان كانت مشارا إليها فلها إذا جهتان فما يلقى منها ما يأتيها من جهة غير الذى يلقى منها ما يأتيها من الجهة الأخرى فتكون منقسمة وتكون صورة جسمية إذ لا معنى للصورة الجسمية وحقيقتها إلا قبول القسمة وإن لم تكن مشارا إليها فهو باطل من حيث أنه إذا حلت بها الصورة فاما أن تكون فى كل مكان أولا تكون أصلا فى مكان أو تكون فى مكان دون مكان والأقسام الثلاثة باطلة فالمفضى إليها باطل* أما بطلان كونها فى كل مكان أولا فى مكان فظاهر* وأما بطلان اختصاصها بمكان دون مكان فمن حيث أن الصورة الجسمية من حيث أنها جسمية لا تستدعى مكانا معينا بل سائر الأما كن بالنسبة إليها واحدة فيكون الاختصاص بأمر زائد على الجسمية وذلك بأن يقال الهيولى كانت فى مكان مشار إليه فصادفتها الصورة فيه واختصت به فاذا لم تكن الهيولى مشارا إليها استحال فيها اختصاص بمكان دون مكان* فان قيل فهذا يلزم فى أصل الجسم فانه لم يختص بمكان دون مكان وهو من حيث أنه جسم يناسب سائر الأماكن على وجه واحد قيل لا جرم نقول أنه كما لا يتصور وجود هيولى قائمة بالفعل من غير صورة حالة فيها لا يتصور وجود جسم مطلق ليس له إلا صورة الجسمية مالم ينضم إليه أمر زائد على صورة الجسمية يتمم نوعه كما لا يتصور حيوان مطلق لا يكون فرسا ولا إنسانا ولا غيرهما بل لابد وأن ينضاف الفصل إلى الجنس حتى يتم النوع ويحصل الوجود فاذا ليس فى الوجود جسم مطلق أصلا بل جسم خاص كسماء وكوكب ونار وهواء وأرض وماء وما هو مركب من هذه فيكون استحقاقها بعض الأماكن دون بعض بصورتها كالأرض بصورة الأرضية استحقت المركز والنار بصورة النارية استحقت مجاورة المحيط وكذا سائر الأنواع* فان قيل فيبقى الالزام فى أحد أجزاء مكان نوع واحد وهو أن يشار إلى جزء من الماء فى البحر ويقال هذا من حيث إنه ماء ليس يستحق هذا الجزء من المكان بل لوكان إلى وسط البحر أقرب أو أبعد اكن ممكنا فما الذى خصصه به فيقال إن صورة المائية التى فى ذلك الماء صادفت الهيولى التى حلت فيها فى ذلك المكان لأن الهواء مثلا هو الذى ينقلب ماء وقد كان ذلك الهواء موجودا ثم ملاقاة السبب كالبرد هو الذى أحاله ماء فبقى ماء ثم ولم تكن الهيولى ثم من غير صورة بل مع صورة الهوائية فخلعتها ولبست صورة المائية فهذا أحد الأسباب ومن الأسباب أن ينتقل اليه بسبب محرك أوغيره فأما محض المائية فلا يقتضى جزءا معينا من أجزاء حيز الماء بل أمر زائد عليه من جنس ما ذكرناه فاذا بان أن الهيولى لا تقوم بنفسها دون الصورة.

(الدليل الثانى): أن الهيولى إذا فرضت مجردة عن الصورة فلا تخلو أما أن تنقسم أو لا تنقسم فان كانت تنقسم فاذا فيها الصورة الجسمية وإن كانت لا تنقسم فلا تخلو إما أن تكون نبوتها عن قبول القسمة طبعا لها ذاتيا أو عرضاغريبا فان كان ذاتيا استحال أن تقبل الانقسام كما يستحيل أن ينقلب العرض جسما والعقل جسما وإن كان ذلك عارضا غريبا فيها فاذا فيها صورة وليست خالية عن الصورة ولكن تلك الصورة مضادة للصورة الجسمية هذا مع أن الصورة الجسمية لاضد لها كما سيأتى عند ذكر التضاد فان قيل فبم تنكرون على من يسلم أن الصورة الجسمية تلازم الهيولى ولكن يقول هى عرض فيها لازم لها يقال له هذا محال لأن الموضوع متقوم بنفسه دون العرض فى العقل وإن كان قدلا يفارق فى الوجود فللعقل طريق إلى أن يعتبر ذات ذلك الموضوع ويقول هل هو مشار إليه أم لا وهل هو منقسم أم لا ويرجع الدليلان المذكوران بعينهما مع زيادة أشكال وهو أن الهيولى فى نفسها إذا لم تكن مشارا اليها وصارت الاشارة إلى الصورة التى هى عرض والعرض قائم فى ذات الموضوع فان لم يكن الموضوع مشارا إليه فينبغى أن يكون مباينا للعرض المشار اليه ولا يكون محلا له ولا يكون العرض قائما به بل قائما فى ذاته إذ يصير مشارا اليه وذلك كله محال فلاح أن الهيولى لا توجد دون الصورة وأن الصورة الجسمية والهيولى أيضا لا توجدان دون أن ينضاف اليهما الفصل المتمم لنوع ذلك الجسم لأن كل جسم إذا خلى وطبعه طلب موضعا يستقرفيه وليس ذلك له لكونه جسما بل لزائد وكل جسم فاما أن يكون سريع الانفصال أو عسره أو ممتنعه وكل ذلك ليس بمحض الجسمية بل بزائد عليه فاذا لا بد من الزائد أيضا حتى يتم الوجود وقد تحصل من ذلك أن الجسم جوهر مركب من جزئين صورة وهيولى ليس تركيبهما بطريق الجمع بين مفترقين هما موجودان دون التلفيق بل هو تركيب عقلى كما وقعت الاشارة اليه.

(القول فى الأعراض) لا بد من قسمة الأعراض بعد قسمة الجوهر وهى منقسمة أولا إلى قسمين.

(أحدهما): مالا يحتاج فى تصور ذاته إلى تصور أمر خارج منه.

(والثانى): ما يحتاج* فأما الأول فنوعان الكمية والكيفية.

(أما الكمية): فهى العرض الذى يلحق الجوهربسبب التقدير والزيادة والنقصان والمساواة مثل الطول والعرض والعمق والزمان فان هذا لا يحتاج فى تصوره إلى الالتفات إلى أمر خارج منه ويقع بسببه قسمة الجواهر* والنوع الثانى الكيفية وهى التى لا يحوج تصورها إلى تصور أمر خارج ولا يقع بسببها قسمة للجوهر ومثالها من المحسوسات المدركات بالحواس الألوان والطعوم والروائح والخشونة والملاسة واللين والصلابة والرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة* ومن غير المحسوسات ما هواستعداد لكمال أو نقيضه كقوة المصارعة والمصحاحية والضعف والممراضية ومنها ما هو كمال كالعلم والعفة وأما القسم الآخر المحوج إلى الالتفات إلى أمر خارج فهو سبعة.

(الاضافة وأين ومتى والوضع والجدة وأن يفعل وأن ينفعل).

(أما الاضافة): فهى حالة للجوهرتعرض بسبب كون غيره فى مقابلته كالأبوة والبنوة والأخوة والصداقة والمجاورة والموازاة وكونه على اليمين والشمال إذ الأبوة ليست للأب إلا من حيث وجد الابن فى مقابلته.

(وأما الاين): فهو كون الشىء فى مكان مثل كونه فوق وتحت.

(وأما متى): فهو كون الشىء في الزمان ككونه بالأمس وعام أول واليوم.

(وأما الوضع): فهونسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ككونه جالسا ومضطجعا وقاعدا إذ باختلاف وضع الساقين من الفخذين يختلف القيام والقعود.

(وأما الجدة): وتسمى الملك أيضا فهو كون الشىء بحيث يحيط به ما ينتقل بانتقاله ككونه متطلسا ومتغمما ومتقمصا ومتنعلا وكون الفرس مسرجا وملجما فان لم يكن محيطا وكان منتقلا بانتقاله لم يكن منه فان من وضع القميص على رأسه لم يكن متقمصا وإن كان محيطا ولم يكن متنقلا بانتقاله لم يلزم الملك فان البيت محيط بالشخص والاناء بالماء ولكنهما لا ينتقلان بانتقال المحاط.

(وأما أن يفعل): فهو كون الشىء فاعلا فى حالة كونه مؤثرا فى الغير بالفعل ككون النار محرقة فى وقت حصول الاحراق بالفعل وكونها مسخنة.

(وأما الانفعال): فما يقابله وهو استمرار تاثر الشىء بغيره كتسخن الماء وتبرده وتسوده وتبيضه والتسخن غير السخونة والتسود غير السواد فان السخونة والسواد من الكيفية التى لا تحتاج فى تصورها إلى الالتفات إلى الغير وإنما نعنى بالانفعال التأثر والتغير والانتقال من حال إلى حال حيث تتزايد السخونة أو تنتقص فان كان مستقرا كان متكيفا بالسخونة فلم يكن منفعلا فليفهم هذا الفرق (القول فى أقسام آحاد هذه الأعراض) (وإقامة الدليل على أنها أعراض) (أما الكمية): فهى نوعان متصلة ومنفصلة والمتصلة أربعة أقسام الخط، والسطح، والجسم، والزمان.

(أما الخط): فهو الطول وهو الذى لا يوجد فيه الامتداد والمقدار إلا فى جهة واحدة ويكون فى الجسم بالقوة فاذا صار بالفعل يسمى خطا.

(والثانى): ماهو امتداد من جهتين وهو الطول والعرض وهو فى الجسم بالقوة وإنما يحصل بالفعل بقطع فيسمى سطحا ونعنى بالسطح الوجه الظاهر من الجسم وهو منقطعه.

(والثالث): أن يكون له ثلاثة امتدادات وهو الجسم فالوجه الذى يلاقيه المماس إذا لم يعتبر شىء من باطن الجسم سواه هو السطح وهو عرض لأنه لم يكن وكان الجسم موجودا فلما قطع الجسم ظهر فى الجسم وهذا معنى العرض وكما أن السطح عبارة عن منقطع الجسم فالخط عبارة عن طرف السطح ومنقطعه والنقطة عبارة عن طرف الخط ومنقطعه ومهما كان السطح عرضا فلا يخفى أن النقطة والخط أولى بالعرضية نعم النقطة لا مقدار لها إذ لو كان لها قدر وامتداد واحد صارت خطا فاذا كان لها قدران صارت سطحا وإن كان لها قدر فى ثلاث جهات صارت جسما ويمكن أن يتصور الخط والسطح والجسم بتوهم الحركة فالنقطة إذا تحركت حصل الخط * والخط إذا تحرك لافى جهة امتداده حصل السطح* وإذاتحرك السطح لا فى جهة امتداده حصل الجسم وهذا ربما يظن أنه تحقيق وأن الخط يحصل من حركة النقطة وهو محال بل هو أمر توهمى إذ النقطة لا تحرك مالم يكن مكان ولا يكون مكان ما لم يكن جسم فيكون الجسم سابقا فى الحصول على السطح والسطح على الخط والخط على النقطة والنقطة على فرض الحركة فى النقطة.

(وأما الزمان): فهو عبارة عن مقدار الحركة وسيأتى فى الطبيعيات.

(وأما الكمية): المنفصلة فنعنى بها العدد وهوأيضا عرض لأن العدد يحصل من تكررالآحاد فان كان الواحد والوحدة عرضا كان العدد الحاصل منه أولى بالعرضية وإنما يفارق الكمية المنفصلة الكمية المتصلة بشىء وهو أنه لا يوجد بين أجزاء المنفصلة جزء مشترك يصل أحد الطرفين بالآخر إذ ليس بين الثانى والثالث اتصال ولا بيهما جزء مشترك بين الطرفين يصل أحدهما بالآخر كما تصل النقطة المشتركة الموهومة فى وسط الخط بين طرفى الخط وكما يصل الخط بين طرفى السطح وكما يصل السطح الموهوم بين طرفى الجسم وكما يصل الآن بين طرفي الزمان الماضى والمستقبل وآية أن الوحدة عرض أنها تكون إما فى ماء أو إنسان أو فرس ومعنى المائية شىء ومعنى الوحدة شىء ولذلك يصير الماء الواحد بالقسمة اثنين وبالجمع واحدا فيطرأ عليه الوحدة والاثنينية فهو موضوع وهذا عارض نعم الانسان الواحد لا يصير اثنين فان هذا عرض لازم له وذلك لا ينافى كونه عرضا فاذا الوحدة معنى موجود فى موضوع ذلك الموضوع متقوم فى ذاته بحقيقته دون فرض الوحدة وهو المراد بالعرض.

(وأما الكيفية): فنورد منها مثالين الألوان والأشكال فنقول السواد عرض لأنه لو فرض لا فى موضوع فلا يخلو إما أن يكون مشارا اليه ومنقسما أو غير مشار اليه ولا منقسم فان لم يقبل الاشارة والقسمة لم يقبل المقابلة ولم يدرك بالبصر وليس عبارة عن هيئة تقع من الرائى فى جهة مخصوصة ويدركه البصر ويقبل الانقسام وإن كان منقسما فكونه سوادا غير كونه منقسما إذ كونه منقسما يشترك فيه البياض والسواد ويختلفان فى السوادية والبياضية ونحن لانعنى بالجسم إلا المنقسم فهو إما أن يقال فى منقسم وهو العرض* وإما أن يقال هو عين المنقسم وهو محال إذ حقيقة الانقسام هو الجسمية إذ لانعنى بالجسمية سواه وحقيقة السواد غير حقيقة الانقسام لا عينه* نعم لا يتميز السواد عن محله بالاشارة الحسية ولكن يتميز باشارة العقل كما ذ كرناه فاذا هو عرض.

(وأما الأشكال): فهى أيضا أعراض لأن الشمعة تختلف عليها الأشكال وهى مستمرة الوجود فاذا التدوير والتربيع والتثليث كل ذلك من الكيفية وهى أعراض* وقد ينازع فى وجود الدائرة ويقال لا يتصور شكل معين فى وسطه نقطة جميع الخطوط منها إلى المحيط متساوية ويدل على إثباتها أن الجسم مدرك وجوده بالحس وهو إما مركب وإما مفرد والمركب لا يكون إلا من مفرد ولا بد من إثبات المفرد* والمفرد هو الذى ليس فيه طبايع مختلفة بل طبع واحد متشابه كطبع الماء والهواء فهذا إذا خلى منه مقدار ونفسه فأما أن يكون له من ذاته شكل أو لا يكون وباطل أن لا يكون له شكل إذ يكون ذلك غير متناه وقد فرضنا قدرا متناهيا منه وإذا حدث له شكل فهو إما كرة أو مربع أوغيرهما ومحال أن يكون غير كرة لأن الطبع المتشابه فى محل متشابه لا يوجب شكلا مختلفا حتى يقتضى فى بعضه خطا وفى بعضه زاوية ولا متشابه فى الأشكال إلا الكرة فواجب أن يكون شكله كرويا ومهما قطعت الكرة قطعا مستقيما كان المقطع دائرة بالضرورة فقد ثبت إمكان الدائرة وهى أصل الأشكال فقد ثبت أن الكمية والكيفية عرضان* وأما السبعة الباقية فلا تخفى عرضيتها لأنها لا تخلو عن إضافة شىء إلى شىء ولا بد من شىء حتى يمكن إضافته فالفعل نسبة شىء إلى شىء بالتأثير فلا بد من شىء موجود أولا حتى يؤثر والانفعال نسبة شىء إلى غيره بالتأثير فلا بد من شىء أولا حتى ينفعل* وأما الأربعة البواقى فهى محتاجة إلى الموضوع أيضا لأنها نسب إما إلى زمان أو مكان أو إلى محيط أوجزء ولا بد من شىء حتى يكون إما فى زمان أو فى مكان أو على وضع أو هيئة فاذا هذه التسعة أعراض فاذا الوجود ينطلق على عشرة أشياء الأجناس العالية واحد جوهر وتسعة أعراض ولا يمكن تعريفها بالحد إذ لا جنس أعم منها* والحد مايجتمع فيه الجنس والفصل فهى مساوية للوجود فى أنها لا تقبل الحد ولكنها تقبل الرسم دون الوجود إذ لا شىء أشهر من الوجود حتى يعرف به* فأما هذه الأمور فغامضة فيمكن أن ترسم بما هو أشهر منها وتسمى هذه العشرة المقولات العشرة فان قيل فاسم الوجود لهذه العشرة بالاشتراك أو بالتواطؤ* قلنا لا بالاشتراك ولا بالتواطؤ وقد ظن ظانون أنه بالاشتراك وأن العرض لا يشارك الجوهر فى الوجود بل لا معنى لوجود الجوهر إلا نفس الجوهر ولا لوجود الكمية إلا نفس الكمية وإنما الوجود اسم واحد يتناول مختلفات لا تتشارك البتة في المعنى كلفظ العين لمسمياتها وهذا فاسد من وجهين.

(أحدهما): أن قولنا الجوهر موجود كلام مفيد مفهوم ولو كان وجود الجوهر عين الجوهر لكان كقولنا الجوهر جوهر* وإذا قلنا الفعل والافعال ليسا بموجودين ربما يصدق فى بعض الأحوال وقولنا الفعل والانفعال ليسا بفعل وانفعال لا يصدق قط فلو كان قولنا موجود هو كقولنا فعل كان قولنا الفعل ليس بموجود كقولنا الفعل ليس بفعل.

(والثانى): أن العقل قاض بأن القسمة لاتزيد فى كل شىء على اثنين إذ يقال الشىء إما أن يكون موجودا أو معدوما فان لم يكن للوجود معنى سوى هذه العشرة فلا تكون القسمة محصورة فى اثنين بل لا يكون هذا الكلام مفهوما بل ينبغى أن يقال الشىء إما جوهر وإما كيفية وإما كمية إلى بقية العشرة فتكون القسمة عشرة لا اثنين وهذا يظهر بما ذكرناه من قبل من أن الأنية التى هى عبارة عن الوجود غير الماهية ولذلك يجوز أن يقال ما الذى جعل الحرارة موجودة وما الذى جعل السواد فى الحيز موجودا ولا يجوز أن يقال ما الذى جعل السواد لونا وما الذى جعله سوادا ويعرف تغاير الأنية والماهية باشارة العقل لا باشارة الحس كما يعرف تغاير الصورة والهيولى فان قيل إن صح هذا فليكن متواطأ أعنى اسم الوجود على العشرة قيل إنما أطلق اسم المتواطىء على ما يتناول مسمياته تناولا واحدا من غير تفاوت ومن غير تقدم ولا تأخر كالحيوانية للانسان والفرس والانسانية لزيد وعمرو إذ ليس أحدهما اولى من الآخر فيه ولاهو فى أحدهما أقدم من الآخر والوجود يثبت للجوهر أولا وللكمية والكيفية بواسطته ولبقية الأعراض بواسطتهما فقد تطرق اليه التقدم والتأخر* وأما التفاوت فهو ان وجود السواد وهو هيئة قارة ليس كوجود الحركة والتغير والزمان إذ لاثبات ولا قرار لها بل وجود الحركة والزمان والهيولى أضعف من وجود غيرها فاذا هذه العشرة اتفقت فى الوجود من وجه واختلفت من وجه فكان بين المتواطىء والمشترك فلذلك سمى هذا الجنس من الاسم إسما مشككا أو يسمى متفقا اذا قد ثبت أن الوجود عرضى للأشياء كلها فالماهيات يعرض لها لوجود بعلة إذ ليس الوجود لها من ذاتها وكل ماليس من ذات الشىء فهو له بعلة وكذلك كانت العلة الأولى وجودا بلا ماهية زائدة كما سيأتى فليس الوجود إذا جنسا لشىء من الماهيات* والعرض أيضا بالاضافة إلى التسعة هو كذلك لأن لكل واحدة منها ماهية فى ذاتها وعرضيتها هى لها بالنسبة إلى محلها فاسم العرضية لها بازاء إضافتها إلى محلها لا بازاء ماهيتها ولذلك يمكن أن نتصور بعضها ونتشكك فى أنها أعراض أم لا ولا يمكن أن نتصور النوع ونشك فى وجود الجنس له إذ لا يتصور الانسان السواد ويشك فى كونه لونا أو الفرس ويشك فى كونه جسما أو حيوانا وكذا لفظ الواحد وإن كان له عموم كلفظ الوجود فليس ذاتيا لشىء من الماهيات فالوجود والعرض والوحدة ليست جنسا ولا فصلا لشىء من الماهيات العشرة البتة فاذا قد قسمنا الموجود إلى جوهر وعرض والجوهر إلى أربعة أقسام والعرض إلى تسعة أقسام وقسمنا بعض أحاد التسعة ودللنا على أنها أعراض فلنرجع إلى تقسيمات أخر للموجود.

(قسمة ثانية): الموجود ينقسم إلى كلى وجزئى أما حقيقتهما فقد ذكرناها فى أول المنطق* ونذكر الآن أحكامهما ولواحقهما وهى أربعة.

(الأول): أن المعنى المسمى كليا وجوده فى الأذهان لا فى الأعيان ولما سمع قوم قولنا أن كل إنسان فهو واحد في الانسانية وأن كل سواد فهو واحد فى السوادية ظنوا أن السواد الكلى معنى واحد موجود والانسان الكلى معنى واحد موجود* والنفس الكلى معنى واحد بالعدد موجود فى أشخاص متعددة كالأب الواحد لعدة من البنين والشمس الواحدة لعدد من البقاع وهو خطأ محض إذ لو كانت نفس واحدة بالعدد هى بعينها لزيد وهى بعينها لعمرو وكان زيد عالما وعمرو جاهلا لزم أن تكون النفس الواحدة عالمة وجاهلة بأمر واحد فى حالة واحدة وهو محال ولو كان الحيوان الكلى موجودا واحدا فى أشخاص لكان ذلك الواحد بعينه ماشيا وطائرا وماشيا برجلين وبأربع وهو محال ولكن الكلى وجوده فى الأذهان ومعناه أن الذهن يقبل لا محالة صورة الانسان وحقيقته بمشاهدة شخص واحد يسبق اليه فلو رأى بعد ذلك إنسانا غيره لم يتجدد فيه أثر بل يبقى على ما كان وكذا إذا رأى ثالثا ورابعا ويكون النقش الحاصل فى الذهن أولا من زيد نسبته إلى كل إنسان فى عالم الله تعالى واحدة فان أشخاص الانسان لا تختلف فى حد الانسانية البتة فلو رأى بعد ذلك سبعا حصل فيه ماهية أخرى ونقش يخالف الأول فالحاصل من شخص زيد هو صورة شخصية فى الذهن ومعنى كونه كليا أن نسبته إلى كل شخص كائن من الناس وما سيكون وما كان واحدة وإن أى واحد سبق إلى الذهن حصل منه هذا النقش وأن الآخر بعده لا يزيد عليه ومثاله إذا فرضت خواتم على النقش الواحد فوضع واحد على شمعة فحصلت منه صورة فلو وضعت الثانية والثالثة على ذلك الموضع بعينه لم يتغير النقش الأول ولم يتأثر المحل فيقال النقش الذى فى الشمعة هو نقش كلى أى هو نقش كل الخواتم بمعنى أنه يطابق الكل مطابقة واحدة فلا يتميز بعضها بالنسبة اليه عن بعض فهذا معقول وإما أن يفرض نقش واحد بعينه هو فى خاتم الذهب وفى خاتم الحديد وفى خاتم الفضة فهذا محال إلا أن يقال هو واحد بالنوع وأما بالعدد فنقش كل خاتم غير نقش الآخر* نعم تأثيراتها فى الشمعة تأثير واحد والنقش الحاصل من جميعها فى الشمع واحد فهكذا ينبغى أن يفهم انطباع حدود الأشياء فى الذهن ومعنى كليتها فاذا الكلى من حيث أنه كلى موجود فى الأذهان لا فى الأعيان فليس فى الوجود الخارج إنسان كلى وأما حقيقة الانسانية فموجودة فى الأعيان والأذهان جميعا.

(الحكم الثانى): أن الكلى لا يحوز أن يكون له جزئيات كثيرة مالم يتميز كل جزئى عن الآخر بفصل أو عرض فان لم يفرض إلا مجرد الكلى من غير أمر زائد ينضاف إليه لم يتصور فيه التعدد والتخصص فالسوادان فى محل واحد فى حالة واحدة محال بل السواد المطلق يصير اثنين بأن يكون بين الاثنين تغاير لا محالة اما فى المحل كسوادين فى محلين أو فى الزمان كسوادين فى محل واحد فى زمانين وأما إذا اتحد المحل والزمان لم يتصور التعدد وكذا لا يتصور إنسانان إلا أن يفارق أحدهما الآخر بمعنى يزيد على مجرد الانسانية الكلية من مكان أوصفة أو غيرهما لأنه لو لم يكن بينهما مغايرة بوجه وكانا اثنين لجاز أن يقال لكل إنسان أنه إنسانان بل خمسة بل عشرة ولم يتميز عدد عن عدد وكذا فى كل سواد وهو ظاهر الاحالة ولكن برهانه أنه إذا فرض فى محل واحد سوادان حتى قبل ذلك السواد وهذا السواد تميز كل واحد منهما عن الآخر فقولنا لذلك السواد بعينه إنه سواد وإنه هو ذلك السواد بعينه هل هما واحد أم لا فان كانا واحدا كان معنى قولنا هو ذلك السواد بعينه هو سواد بعينه فاذا كل ما قلنا له أنه سواد فقد قلنا أنه ذلك السواد بعينه فاذا السواد الذى فرض للآخر هو أيضا ذلك السواد بعينه فليس ثم تعدد وان كان تحت قولنا هو ذلك السواد بعينه معنى يزيد على ما تحت قولنا سواد فقد انضاف إلى السوادية أمر زائد لا محالة فصار غير الآخر بالمغايرة فى ذلك المعنى الذى انضاف اليه وظهر أنه يستحيل أن تتعدد جزئيات كل واحد إلا بأن ينضاف إلى الكلى أم زائد إما فصل وإما عرض فان كانت العلة الأولى واحدة مجردة لا تركيب فيها بفصل وعرض فلا يتصور فيها اثنينية البتة.

(الحكم الثالث): إن الفصل لا يدخل فى حقيقة الجنس وماهية المعنى الكلى العام البتة وإنما يدخل فى وجوده والوجود غير الماهية بيانه إن الانسانية لا مدخل لها فى حقيقة الحيوانية بل حقيقة الحيوانية بكمالها تثبت فى العقل دون الانسانية والفرسية وسائر الفصول لا كالجسمية فانها لو غابت عن الذهن بطلت ماهية الحيوانية عن الذهن ولوكانت الانسانية شرطا لتكون الحيوانية حيوانية كما كانت الجسمية شرطا لها لما كانت الحيوانية ثابتة للفرس فانه لبس بانسان كما ليست الحيوانية ثابتة لما ليس بجسم والحيوانية للفرس كاملة كما للانسان فلا مدخل إذا للفصل فى ماهيات المعانى الكلية نعم لها مدخل فى صيرورة المعنى الكلى موجودا حاصلا إذ لا يكون الحيوان موجودا إلا أن يكون فرسا أو إنسانا أو غيره ويكون الحيوان حيوانا دون الفرسية والانسانية والوجود غير والماهية غير كما سبق وإذا ثبت هذا فى الفصل فهو فى العرض أظهر لا محالة فان الانسانية إذا لم تدخل فى حقيقة الحيوانية فبأن لا يدخل الطول والعرض أولى.

(الحكم الرابع): إن كل عرضى للشىء فهو معلل وعلته إما ذات الموضوع كالحركة إلى أسفل للحجر والتبريد للماء* وإما خارج من ذاته كالسخونة للماء والحركة إلى فوق للحجر وإنما قلنا ذلك لأن هذا العرض للذات إما أن يكون معللا أو لم يكن معللا فان لم يكن معللا فهو إذا موجود بذاته وكل موجود بذاته فلا ينعدم بعدم غيره ولا يشترط وجود غيره لوجوده والعرض يحتاج فى الوجود إلى ما هو عرض له لا محالة فلا يكون موجودا بذاته فيكون معللا * ثم علته لا تخلو إما أن تكون فى ذات الموضوع أوخارجة عنه. وهذا تقسيم حاصر لا محالة فكان برهانا وكيفما كان السبب إما داخلا فى الموضوع أو خارجا منه فلا بد أن يكون وجوده حاصلا أولا حتى يكون سببا لغيره ولذلك يستحيل أن يكون الماهية سببا لوجود نفسها فكل ماهية لها وجود زائد عليها فعلته غير الماهية إذ العلة لا بد وأن تكون موجودة حتى توجب لغيرها وجودا والماهية قبل الوجود لا تكون موجودة فكيف تكون علة للوجود* فيلزم من هذا أنه إن كان فى الوجود ما ليس بمعلل فلا تكون إنيته غير ماهيته بل تكون الانية هى الماهية إذ لو كان غيرها لكان عرضيا لها ولكان معللا بأم سوى الماهية فيكون معلولا وقد وضعنا أنه غير معلل وهذا محال* فان قيل المعنى الكلى للجزئيات قد يكون نوعيا كالانسان لزيد وعمرو وقد يكون جنسيا كالحيوان للانسان والفرس فبم يدرك الفرق وبم يعلم أن هذا الكلى هو النوعى الذى الذى لا يقبل الانقسام إلا بالاعراض أو إنه هو الجنس الذى يقبل الانقسام بالفصول الذاتية فيقال كل ما عرض عليك من الكليات فأردت أن تقدره موجودا حاصلا معينا وافتقرت فى تقديره الى أن تضيف اليه معنى غير عرضى فهو جنسى وإن لم تفتقر إلا إلى العرضى فهو نوعى فكان إدراك التفرقة بين النوعى والجنسى موقوفا على إدراك التفرقة بين الذاتى والعرضى كما سبق* مثاله أنه إذا قيل لك أربعة أوخمسة لم تفتقر فى تقدير وجود الأربعة إلا أن تضيف اليها كونها جوازا أو فرسا أو إنسانا وهذه الأمور عرضية للأربعة بل للأعداد وليست ذاتية فيها فانا ذكرنا أن معنى الذاتى ما لا يتم المعنى الذى له في الفهم إلا بفهم الذاتى أولا وأنت فى فهم الأربعة لا تفتقر إلى أن يخطر ببالك الجوز والفرس وغيره من المعدودات وإذا قيل لك عدد لم يمكنك أن تفرض العدد موجودا حاصلا بل يتقاضى الطبع أن يعلم أنه أى عدد هو الموجود خمسة أو عشرة أوغيرهما فاذا صارخمسة لم يفتقر بعده إلى شىء سوى تنويع المعدودية وهو عرضى بالاضانة الى العدد لا ككونه خمسة فانه ليس زائدا على العددية عارضا طارئا عليها بل هو حاصل عددية هذا العدد وهذه المعانى هى جلية في النفس وربما يعسر طلبها من العبارات المستعملة فى شرحها حتى توجب فيها تعقيدا فليكن الالتفات إلى المعنى لا إلى اللفظ فهذا حكم الكلى* (قسمة ثالثة للموجود): الموجود ينقسم إلى واحد وكثير فلنذكر أقسام الواحد والكثير ولواحقهما* فأما الواحد فانه يطلق حقيقة ومجازا والواحد بالحقيقة هو الجزئى المعين ولكنه على ثلاث مراتب.

(المرتبة الأولى): هى الجزئي الواحد الذى لا كثرة فيه لا بالقوة ولا بالفعل وذلك كالنقطة وذات البارى جلت قدرته فانه ليس منقسما بالفعل ولا هو قابل له فهو خال عن الكثرة بالوجود والامكان والقوة والفعل فهو الواحد الحق. (الثانية): الواحد بالاتصال وهو الذى لا كثرة فيه بالفعل ولكن فيه كثرة بالقوة أى هو قابل للكثرة كما إذا قيل لنا هذا الخط واحدا أو اثنان وهذا الجسم واحد أو جسمان فان كان فيه انقطاع حكمنا بالاثنينية وإن كان واحدا بالاتصال على سبيل التشابه قلنا هو خط واحد وجسم واحد وماء واحد إذ ليس فيه كثرة وانفصال بالفعل إلا أنه قابل للكثرة فمن هذا الوجه ربما يظن أنه ليس بواحد حقيق لأن القوة القريبة من الفعل يظن أنه بالفعل وإلا فهو بالحقيقة واحد وإنما الكثرة فيه بالقوة.

(الثالثة): أن يكون واحدا بنوع من الارتباط وفيه كثرة بالفعل كالسرير الواحد والشخص الواحد المركب من أجزاء مختلفة كتركب أجزاء الانسان من العظم واللحم والعروق فهذا واحد إذ يقال سرير واحد وإنسان واحد وفيه كثرة حاصلة بالفعل باعتبار الأجزاء لا كالماء الواحد والجسم الواحد المتشابه فبين الرتبتين فرق هذا فى الجزئى الذى اسم الواحد عليه حقيقة.

(أما المجاز): فهو اطلاق اسم الواحد على أشياء كثيرة لاندراجها تحت كلى واحد وذلك خمسة.

(الأول): الاتحاد بالجنس كقولك الانسان والفرس واحد بالحيوانية.

(الثانى): اتحاد النوع كقولك زيد وعمرو واحدا بالانسانية.

(الثالث): الاتحاد بالعرض كما يقال الثلج والكافور واحد بالبياضية. (الرابع): الاتحاد فى النسبة كقولك نسبة الملك الى المدنية ونسبة النفس الى البدن واحدة.

(الخامس): فى الموضوع كقولك فى السكر انه أبيض وحلو فتقول الأfيض والحلو واحد أى موضوعهما واحد فصار الواحد مطلقا على ثمانية معان ثم الاتحاد فى العرض ينقسم بانقسام الأعراض فان كان اتحادا فى عرض الكمية فيقال له المساواة وإن كان فى الكيفية فيقال له المشابهة وإن كان بالوضع فيقال له الموازاة وإن كان بالخاصية فيقال له المماثلة ومهما عرفت أن الواحد يطلق على ثمانية أوجه فالكثير أيضا فى مقابلته يتعدد بتعدده لا محالة ومن لواحق الواحد.

(ألهو هو): فان الشىء إذا كان واحدا فى نفهسه واختلف لفظه أو نسبته فيقال هو هو كما يقال الليث هو الأسد ويقال زيد هو ابن عمرو وأما لواحق الكثرة فالغيرية والخلاف والتقابل وكذا التشابه والتوازى والتساوى والتماثل فان ذلك لا يعقل إلا فى اثنين أوأكثر منه فهى من لواحق الكثرة ولا بد من بيان أقسام التقابل وهى أربعة.

(أحدها): تقابل النفى والاثبات كقولك إنسان لا إنسان.

(والثانى): تقابل الاضافة كالأب والابن والصديق والصديق إذ أحدهما يقابل الآخر.

(والثالث): تقابل العدم والملكة كما بين الحركة والسكون (والرابع): تقابل الضدين كالحرارة والبرودة والفرق بين الضد والعدم أن يقال العدم هو عبارة عن عدم الشىء عن الموضوع فقط لاعن وجود شىء آخر فالسكون عبارة عن عدم الحركة ولو قدر زوال السواد دون حصول لون آخرلكان هذا عدما فأما إذا حصل حمرة أو بياض فهذا وجود زائد على عدم السواد فالعدم هو انتفاء ذلك الشىء فقط والضد هو موجود حصل مع انتفاء الشىء ولذلك يقال إن السبب الواحد لا يصلح للضدين بل لابد للضدين من سببين* وأما الملكة والعدم فسببهما واحد وذلك الواحد إن حضر أوجب الملكة وإن غاب أو عدم أوجب العدم فعلة العدم هو عدم علة الوجود فعلة السكون هو عدم علة الحركة وأما تقابل المضاف فخاصيته أن كل واحد يعلم بالقياس الى الآخر لا كالحرارة فانها معلومة دون القياس الى البرودة ولا كالحركة فانها معلومة دون القياس الى السكون* وأما تقابل النفى والاثبات فيفارق الضد والعدم فى أنه إنما يكون فى القول ويعم كل شىء وأما اسم الضد فلا يقع إلا على ما موضوعه وموضوع ضده واحد ولا يكفى هذا حتى يكون بحيث لا يجتمعان ويتعاقبان ويكون بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض لا كالسواد والحمرة فان الحمرة كانها لون سالك من البياض إلى السواد فهو بينهما وليس على أقصى البعد منه وربما يكون بين الضدين وسائط كثيرة بعضها أقرب الى أحد الطرفين من البعض وربما لا يكون بينهما واسطة فاذا الضد يشارك الضد فى الموضوع وكذا الملكة والعدم وهذا غير واجب فى السلب والايجاب وربما يكون بينهما مشاركة فى الجنس كالذكورة والأنوثة فانهما لا يتواردان على شخص واحد وربما يغلط فيوضع الجنس ويؤخد نفى المعنى الذى تحته ويقرن به فصل أو خاصة فيوضع له اسم إثباتى فيظن أنه ضد كما يقال العدد ينقسم الى زوج وفرد ويظن أنهما متضادان وهو غلط إذ ليس الموضوع واحدا إذ الزوج قط لا يكون فردا والعدد الموضوع لهذا لا يكون موضوعا لذاك بل بينهما تقابل النفى والاثبات فان معنى الزوج أنه ينقسم بمتساويين ومعنى الفرد أنه لا ينقسم بمتساويين* وقولنا لا ينقسم نفى محض ولكن وضع له اسم الفرد بازاء الزوج فيظن أنه مقابل كالضد فان قيل وهل يجوز أن يكون للشىء الواحد أكثر من ضد واحد* قيل مهما كان الضد عبارة عن المتعاقبين على موضوع واحد بشرط أن يكون بينهما غاية الخلاف فيلزم على هذا الاصطلاح أن لا يكون الضد إلا واحدا لأن الذى فى أقصى رتب البعد يكون واحدا لا محالة (قسمة رابعة): الموجود ينقسم إلى ماهو متقدم وإلى ماهو متأخر* والتقدم والتأخر أيضا من الأعراض الذاتية للوجود ويقال للمتقدم أنه قبل وللمتأخر إنه بعد* ويقال إن الله تعالى قبل العالم والقبلية تطلق على خمسة أوجه إذ المتقدم ينقسم إلى خمسة أقسام. (الأول): وهو الأظهر المتقدم بالزمان وكان اسم قبل له حقيقى فى اللغة.

(والثانى): المتقدم بالمرتبة إما بالوضع كقولك بغداد قبل الكوفة إذا قصدت مكة من خراسان وهذا الصف قبل هذا الصف بمعنى أنه أقرب إلى الغاية المنسوبة اليه من القبلة أو غيرها* وإما بالطبع كقولنا الحيوانية قبل الانسانية والجسمية قبل الحيوانية إذا ابتدأنا من جهة الأعم* وخاصية هذا أنه ينقلب إذا أخذت من جانب الآخر فان أخذت الاعتبار من جانب الأخص أولا صارت الحيوانية قبل الجسمية وإن أخذت الاعتبار من مكة صارت الكوفة قبل بغداد.

← Önceki 3 / 8 Sonraki →

Anlam Arayışı