Bölüm 5
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
(ب) و.
(ب) علة.
(ج) و.
(ج) علة.
(د) ثم يعود ويكون.
(د) علة.
(ا) فهذا محال لأنه يؤدي إلى أن يكون المعلول علة إذ معلول المعلول معلول فكيف يعود علته وعلة العلة علة فكيف يعود معلولا وقد سبق إبطال ذلك فتعين الرابع وهو أن يرتقى إلى طرف هو واجب الوجود* فان قيل قد قسمتم الموجود إلى ما يتعلق بغيره وإلى ما لا علاقة له وسميتم ما لا علاقة له واجبا وادعيتم أن الواجب يجب أن يكون كيت وكيت حتى يكون منقطع العلائق ولكن لم تدلوا على أن في الوجود الحاصل موجودا بهذه الصفة فما الدليل على إثبات واجب الوجود وهو الموجود الذى وصفه ما ذكرتموه* قيل برهانه أن العالم المحسوس ظاهر الوجود وهو أجسام وأعراض وهى بجملتها إنيتها غير ما هيتها وما كان كذلك فقد أثبتنا أنه ممكن وكيف لا وقوام الأعراض بالأجسام فهى ممكنة وقوام الأجسام بأجزائها وبالصورة والهيولى وقوام للصورة بالهيولى وقوام الهيولى بالصورة إذ لا يستغنى البعض عن البعض وما هو كذلك فقد سبق أنه لا يكون واجبا فانا بينا أنه لا واجب وجود هو صورة ولا هيولى ولا جسم ولا عرض* والسالبة الكلية تنعكس مثل نفسها فشىء من هذا لا يكون واجب الوجود فيكون ممكنا وقد ذكرنا أن الممكن لا يكون موجودا بنفسه بل بغيره وهذا معنى كونه محدثا فالعالم إذا ممكن الوجود فهو إذا محدث ومعنى كونه محدثا أن وجوده من غيره وليس له من ذاته وجود فهو باعتبار ذاته لا وجود له وباعتبار غيره له وجود وما للشىء بذاته قبل ما له بغيره قبلية بالذات والعدم له بالذات والوجود بالغير فعدمه قبل وجوده فهو محدث أزلا وأبدا لأنه موجود من غيره أزلا وأبدا وقد سبق أن دوام الشىء لا ينافى كونه فعلا وما يوجد منه الشىء دائما فهو أفضل مما يتعطل مدة لا نهاية لها ثم ينبعث للفعل وإذا ثبت أن الكل ممكن وقد سبق أن كل ممكن يفتقر إلى علة وأن العلل بالضرورة ينبعى أن ترتقى إلى واجب الوجود ولا بد أن يكون واحد فخرج منه أن للعالم أولا واجبا بذاته واحدا من كل وجه وأن وجوده بذاته بل هو حقيقة الوجود المحض في ذاته وهو ينبوع الوجود في حق غيره فوجوده تام وفوق التمام حتى صارت الماهيات كلها موجودة به على ترتيبها وتكون نسبة وجود سائر الأشياء إلى وجوده مثل نسبة ضوء سائر الأجسام إلى ضوء الشمس فان الشمس مضيئة بنفسها من ذاتها لا من مضىء آخر وغيرها يستضىء بها وهى ينبوع الضوء لكل مستضىء أى يفيض الضوء من ذاتها على غيرها من غير أن ينفصل من ذاتها شىء ولكن يكون ضوء ذاتها سببا لحدوث الضوء فى غيرها وهذا المثال كان يستقيم لو كانت الشمس ضوءا بذاتها من غير موضوع ولكن ضوءها فى جسم هو موضوع ووجود الأول الذى هو ينبوع وجود الكل ليس فى موضوع ويفارق من وجه وآخر وهو أن الضوء يلزم من ذات الشمس بالطبع المحض من غير أن يكون للشمس علم وخبر بحصوله منها فليس علمها بوجود الضوء منها مبدأ وجود الضوء منها وسنبين أن علم الأول بوجه النظام العقول في الكل هو مبدأ النظام وإن النظام الموجود تبع للنظام المعقول المتمثل في ذات الأول.
(المقالة الثالثة فى صفات الأول وفيها دعاوى ومقدمة) (أما المقدمة): فهو أنه قد سبق أن واجب الوجود لا يجوز أن يكون فى ذاته كثرة بحال ولا بد من وصف واجب الوجود بأوصاف فلا بد أن يفرق بين الأوصاف المؤدية إلى كثرة فى الذات وبين ما لا يؤدى حتى لا يثبت له إلا ما لا يؤدى إلى الكثرة والأوصاف خمسة أصناف يجمعها قولنا للانسان المعين إنه جسم أبيض عالم جواد فقير فهذه خمس صفات.
(أما الأول): وهو أنه جسم فهو ذاتى يدخل فى الماهيات وهو جنس ومثل هذا لا يجوز أن يثبت فى ذات واجب الوجود لما سبق من أنه لا جنس له ولا فصل له.
(الثانى): الأبيض وهو وصف عرضى للانسان ومثله أيضا لا يجوز إثباته لواجب الوجود.
(الثالث): العالم فان العلم للانسان عرضى وله تعلق بالغير وهو المعلوم والبياض عرض غير متعلق بالغير فهذا هو الفارق ولا يجوز إثبات عرض فى ذات الواجب متعلقا كان أو لم يكن لما سبق.
(الرابع): الجواد وهذا يرجع إلى إضافة الذات إلى فعل صدر منه وهذا مما يجوز إثباته للأول ويجوزكثرة الاضافات فيه بوجوه مختلفة إلى الأفعال الصادرة منه وهذا لا يوجب كثرة فى الذات فانه لا يرجع إلى وصف فى الذات فان تغير الاضافة لا يوجب تغير الذات وهذا ككونك على يمين إنسان فانه وصف لك إضافى اليه ولكن لو تحول ذلك الانسان الى يسارك كان التغير فيه بالحركة وأما أنت فلا تتغيرذاتك به فلا بأس بكثرة هذا الجنس من الصفات. (الخامس): الفقير وهو اسم لصفة سلب فان معناه عدم المال فيتوهم من حيث اللفظ أنه وصف إثبات وهذا أيضا لا يبعد أن يكون مسوغا فى حق الأول إذ سلب منه أشياء كثيرة ويتولد من وصفى الاضافة والسلب أسامى كثيرة لا توجب كثرة فى ذاته فانه إذا قيل واحد فمعناه سلب الشريك والنظير وسلب الانقسام* وإذا قيل قديم فمعناه سلب البداية عن وجوده* وإذا قيل جواد وكريم ورحيم فمعناه إضافته الى أفعال صدرت منه واذا قيل هو مبدأ الكل فمعناه الاضافة أيضا فهذا هو المقدمة.
(أما الدعاوى): فأولها أن المبدأ الأول حى فان ما يعلم ذاته فهو حى والأول يعلم ذاته فهو إذن عالم وحى* وبرهان كونه عالما بذاته أن تعرف معنى قولنا إن الشىء عالم ما هو وإن معنى قولنا أنه علم ومعلوم ما هو وسيأتى فى كتاب النفس من الطبيعيات أن النفس منا تشعر بنفسها وبغيرها وتعلمه ومعنى كونه عالما أنه موجود برىء من المادة ومعنى كون الشىء معقولا ومعلوما أنه مجرد عن المادة فمهما فرض حلول مجرد فى برىء كان الحال علما وكان المحل عالما إذ لا معنى للعلم إلا انطباع صورة مجردة من المواد فى ذات هى بريئة عن المواد فيكون المنطبع علما والمنطبع فيه عالما ولا معنى للعلم إلا هذا فمهما وجد هذا صدق اسم العلم والعالم ومهما انتفى لا يصدق والمراد بالبرىء والمجرد واحد ولكن خصصنا المجرد بالمعلوم والبرىء بالعالم حتى لا يلتبس فى ترديدات الكلام ثم الانسان إنما علم بنفسه لأن نفسه مجرد وهو ليس غائبا عن نفسه حتى يحتاج إلى حصول مثاله وصورته فيه ليعلمه بل نفسه حاضر لنفسه وذاته غير غائب عن ذاته فكان عالما بنفسه* وقد سبق أن واجب الوجود برىء عن المواد براءة أشد من براءة النفس الانسانية لأن النفس تتعلق بالمادة تعلق الفعل فيها وذات الأول كما سنبين منقطع العلائق عن المواد فذاته حاضر فى ذاته ويكون بالضرورة عالما بذاته لأن ذاته المجردة غير غائبة عن ذاته البرئية والعلم عبارة عن مثل هذه الحالة فقط.
(الدعوى الثانية): إن علمه بذاته ليس زائدا على ذاته حتى يوجب فيه كثرة بل هو ذاته* وبيانه بأن نقدم عليه مقدمة وهى إن كل ما يعرفه الانسان إما أن يكون معلوما له بمشاهدته فى نفسه بحس ظاهر أو بحس باطن وإما أن لا يكون معلوما ولا سبيل إلى إعلامه إلا بالمقايسة إلى شىء مما ثبت فى مشاهدته فى نفسه فما لم يشاهد من نفسه له نظير بوجه ما لم يمكن تعريفه فاذا ثبت هذا فنقول لا يعرف الانسان هذا فى حق الاله إلا بمقايسة إلى نفسه فانه يعلم نفسه فعلومه غيره أو هو عينه فان كان غيره فهو إذا لا يعلم نفسه بل علم غيره وإن كان معلومه هو عينه فالعالم هو نفسه والمعلوم هو نفسه فقد اتحد العالم والمعلوم فنقيم الدليل على إن العلم هو المعلوم أيضا حتى إذا جعلنا المعلوم أصلا وبينا إن العلم هو عين المعلوم وإن العالم أيضا هو عين المعلوم كما سبق لزم منه بالضرورة إن للكل مبدأ واحدا لا كثرة فيه ودليل إن العلم هو المعلوم وكذلك الحس هو المحسوس إن الانسان يكون محسا باعتبار ما انطبع فى عينه من صورة المبصر المحسوس ومثاله فهو مدرك بذلك الأثر المنطبع فيه ومحس له فقط أما الشىء الخارج فهو مطابق لذلك الأثر وسبب حصول الأثر حصوله وهو المدرك الثانى دون الأول بل الملاقى لك ما حصل فى ذاتك والحس عبارة عن ذلك الأثرالمحسوس* والمحسوس الأول هو ذلك الأثر أيضا فالحس والمحسوس واحد وكذلك العلم هو نفس المعلوم ومثاله المطابق له وهو المدرك المعلوم أعنى المثال الذى ينطبع فى النفس* وأما الموجود الخارج فمطابق له وسبب لحصوله فى النفس فالمعلوم بالحقيقة تلك الصورة فاذا ثبت إن المعلوم مهما كان نفس العالم اتحد العلم والعالم والمعلوم فاذا الأول عالم بنفسه وعلمه ومعلومه هو وإنما تختلف العبارات باختلاف الاعتبارات فمن حيث أن ذاته برىء عن المادة وان ذاته مجردة غير غائبة عنه فهو عالم ومن حيث أن ذاته مجردة لذاته البرية فهو معلوم ومن حيث أن ذاته لذاته وفى ذاته وغير غائب عن ذاته فهو علم بذاته وهذا كله لأن العلم يستدعى معلوما فقط فاما أن يكون ذلك المعلوم هو غير العالم أو عينه فلا يوجب العلم فيه تفصيلا بل يجوز أن يقال المعلوم ينقسم إلى ما هو ذات العالم وإلى ما هو غيره فيكون اقتضاؤه لمعلوم مطلق أعم من اقتضائه لمعلوم هو غيره أو عينه.
(الدعوى الثالثة): أن الأول عالم بسائر أنواع الموجودات وأجناسها فلا يعزب عن علمه شىء وهذا الآن أدق وأغمض من الأول وبيانه أنه ثبت أنه يعلم ذاته فينبغى أن يعلمه على ما هو عليه لأن ذاته مجردة لذاته مكشوفة له على ما هو عليه بحقيقته وحقيقته أنه وجود محض هو ينبوع وجود الجواهر والأعراض والماهيات كلها على ترتيبها فان علم نفسه مبدأ لها فقد انطوى العلم بها فى علمه بذاته وإن لم يعلم نفسه مبدأ لم يعلم نفسه على ما هو عليه وهو محال لأنه إنما علم ذاته لأن ذاته ليس غائبا عن ذاته وهما مجردان أعنى ذاته باعتبارين وهو كما هو عليه مكشوف لذاته فالواحد منا إذا علم ذاته يعلمه حيا قادرا لا محالة لأنه كذلك فان لم يعلم كذلك لم يكن علمه على ما هو عليه فالأول أيضا يعلم ذاته مبدأ للكل فينطوى العلم بالكل تحت علمه بذاته على سبيل التضمن لا محالة.
(الدعوى الرابعة): أن هذا أيضا لا يؤدى إلى كثرة في ذاته وعلمه وهذا أغمض من الأول فان المعلومات على كثرتها تستدعى علوما كثيرة فعلم واحد بمعلومات مفصلة محال وجوده إذ معنى الواحد أنه ليس فيه شىء غير شىء وأنه لو قدر عدم بعضه لزم عدمه إذ لا بعض له والعلم إذا فرض بالجواهر والأعراض واحدا فلو قدر زوال تعلقه بالأعراض بقى شىء غير ما قدر زواله وهو تعلقه بالجواهر وكذا كل معلومين وهذا يناقض معنى الوحدة ولكن بيانه بالمقايسة بمشاهدة النفس فان النفس نسخة مختصرة من كل العالم يوجد لكل شىء فيها نظير وبها يتمكن من معرفة الكل فنقول للانسان فى العلم ثلاثة أحوال.
(إحداها): أن يفصل صور المعلومات فى نفسه كما يتفكر فى صورة فقهية مثلا مرتبا بعضها بعد بعض وهذا هوالعلم المفصل. (والثانية): أن يكون قد مارس الفقه وحصله واستقل به وحصل قوة الفقه بحيث يعلم كل صورة تورد عليه من غير حصر فيقال له فى حال غفله عن التفصيل أنه فقيه وليس فى ذهنه علم حاضر ولكنه اكتسب حالة وملكة تلك الملكة مبدأ فياض للصور التى لا تتناهى من الفقه نسبة تلك الحالة إلى كل صورة ممكنة واحدة وهذه حالة بسيطة ساذجة وهى واحدة لا تفصيل فيها ولها نسبة إلى صور غير متناهية.
(الثالثة): وهى حالة بين الحالتين أن يسمع الانسان فى مناظرته مثلا كلاما من غيره فى مسألة وهو مستقل بمعرفته فيعلم ان جوابه حاضر عنده وأن ما يقوله باطل وإنه يقدر على إبطاله قطعا كما لو سمعه يقول العالم قديم بشبهة كذا وكذا وهو عالم بأنه حادث وبوجه الجواب عن تلك الشبهة مع أن ذكرها وإيرادها يستدعى تفصيلا وتطويلا وهو فى الحال يعلم من نفسه يقينا أنه محيط بالجواب جملة ولم يتفصل فى ذهنه ترتيب الجواب ثم يخوض فى الجواب مستمدا من الأمر البسيط الكلى الذى كان يدركه من نفسه فلا يزال يحدث من ذلك الأمر الكلى فى ذهنه صورة صورة مفصلة ويعبرعنه بعبارة عبارة ويوردها مقدمة مقدمة إلى أن يستوفى إيضاح ما كان فى نفسه من الجواب البسيط بمقدمات وتفاصيل لم يكن حاضرا ذلك الوقت على تفصيله فى ذهنه بل كانت له حالة بسيطة كأنها مبدأ للتفصيل خلاق له وهو أشرف من التفصيل فينبغى أن يقدر علم الأول بالكل من قبيل الحالة الثالثة فأما أن يكون من قبيل الحالة الأولى فهو محال لأن العلم المفصل هو العلم الانساني الذى لا يجتمع اثنان منه فى النفس فى حالة واحدة بل يصادف واحدا واحدا فان العلم نقش فى النفس وكما لا يتصور أن يكون فى الشمعة نقشان وشكلان فى حالة واحدة لا يتصور أن يكون فى النفس علمان مفصلان حاضران فى حالة واحدة بل يتعاقبا على القرب بحيث لا يدرك تعاقبهما للطف الزمان إذ تصير المعلومات الكثيرة مجملة كالشىء الواحد فيكون للنفس منها حالة واحدة ونسبتها إلى كل الصور واحدة ويكون ذلك كالنقش الواحد وهذا التفصيل والانتقال لا يكون إلا للانسان فان فرض وجودها معا مفصلا فى حق الله تعالى كانت علوما متعددة بلا نهاية واقتضى كثرة ثم كان متناقضا لأن اشتغال النفس بواحد مفصل يمنع من آخر فاذا معنى كون الأول عالما أى انه على حالة بسيطة نسبتها إلى سائر المعلومات واحدة * فمعنى عالميته مبدأيته لفيضان التفصيل منه فى غيره فعلمه هو المبدأ الخلاق لتفاصيل العلوم فى ذوات الملائكة والأنس فهو عالم بهذا الاعتبار وهذا أشرف من التفصيل لأن المفصل لا يزيد على واحد إذ لا بد وأن يتناهى وهذه نسبته إلى ما لا يتناهى ونسبته إلى ما يتناهى واحدة ومثاله أن يفرض ملك معه مفاتيح خزائن أموال الأرض وهو مستغنى عنها ولا ينتفع بذهب ولا فضة ولا يأخذها ولكن يفيضها على الخلق فكل من له ذهب فيكون منه أخذه وبواسطة مفاتحه اليه وصل فكذلك الأول عنده مفاتيح الغيب ومنه يفيض مبدأ العلم بالغيب والشهادة على الكل وكما يستحيل أن لا يسمى الملك الذى بيده المفاتيح غنيا يستحيل أن لا يسمى الذى عنده مفاتيح العلم عالما والفقير الذى يأخذ منه دنانير معدودة يسمى غنيا باعتبار أن الدنانير بيده فالملك باعتبار أن الدنانير من يده وبافادته يفيض منه الغنى على الكل كيف لا يسمى غنيا فكذا حال العلم فكان نسبة تلك الحالة التى للأول إلى العلوم المفصلة نسبة الكيميا إلى الدنانير المعينة والكيميا أنفس إذ يحصل منه ما لا يتناهى من الدنانير بحكم التقدير وضرب المثال فينبغى أن يفهم علم الأول بسيطا وذلك بالمقايسة إلى الحالة الثالثة فنسبة علم الأول إلى كل المعلومات كنسبة حال المناظر إلى حاصل الجواب المفصل* فان قيل تلك الحالة ترجع إلى أنه خال من العلم ولكنه مستعد لقبول العلم بالقوة القريبة ولكن لقرب القوة يقال إنه عالم والا فهو منفك عن العلم فالأول إذا منفك عن العلم بالفعل فلا يتصور أن يكون بالقوة قابلا فلا يكون عالما لا بالفعل ولا بالقوة قيل ما ذكرت من السؤال هو حقيقة الحالة الثانية لا حقيقة الحالة الثالثة وقد فارقت الحالة الثالثة الثانية فى أن صاحب الحالة الثانية غافل عن العلم والمعلوم جملة وتفصيلا وصاحب الحالة الثالثة عالم بطلان دعواه قدم العالم وبوجه الجواب عن شبهته وواثق من نفسه بذلك ومتحقق بأن له حالة حاضرة بالفعل لتلك الحالة نسبة إلى علوم مفصلة ليس تفصيلها حاضرا فى ذهنه بل هو قادر على إحضارها فبهذه الحالة ينبغى أن يمثل حال الأول حتى يتعلق بالفهم منه ما هو المطلوب من هذه الدعوى.
(الدعوى الخامسة): هو أن الله تعالى كما يعلم الأجناس والأنواع يعلم الممكنات الحادثة وإن كنا نحن لا نعلمها لأن الممكن ما دام يعرف ممكنا يستحيل أن يعلم وقوعه أو لا وقوعه لأنه إنما يعلم منه وصف الامكان ومعناه أنه يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون فان علمنا أن لا بد وأن يكون غدا مثلا قدوم زيد فقد صار واجبا أن يكون وبطل قولنا أنه كان ممكنا أن لا يكون فاذا الممكن ما دام لا يعلم منه إلا الامكان فلا يتصور أن يعلم أنه واقع أو غير واقع ولكن قد ذكرنا أن كل ممكن فى نفسه فهو واجب بسبب فان علم وجود سببه كان وجوده واجبا لا ممكنا وإن علم عدم سببه كان عدمه واجبا لا ممكنا فاذا الممكنات باعتبار السبب واجبة فلو اطلعنا على جميع أسباب شىء واحد وعلمنا وجودها قطعنا بوجود ذلك الشىء كما أن وجدان زيد غدا كنزا ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون فاذا نحن عرفنا وجود أسباب العثور على الكنز زال الشك مثل أن تعرف أنه لا بد وأن يجرى فى داره سبب يزعجه ويوجب خروجه من الدار فى طريق كذا وأن يسير على خط كذا ويعلم أن على ذلك الخط كنزا غطى رأسه بشىء خفيف لا يقاوم ثقل زيد فيعلم أنه لا بد وأن يعثر عليه لأن ذلك صار واجبا باعتبار فرض وجود أسبابه والأول سبحانه وتعالى يعلم الحوادث بأسبابها لأن العلل والأسباب ترتقى إلى واجب الوجود فكل حادث وممكن فهو واجب لأنه لو لم يجب بسببه لما وجد وسببه أيضا واجب إلى أن ينتهى إلى ذات واجب الوجود فلما كان هو عالما بترتيب الأسباب كان عالما لا محالة بالمسبات والمنجم لما تفحص عن بعض أسباب الوجود ولم يطلع على جميعها لا جرم حكم بوجود الشىء ظنا لأنه يجوز أن ما اطلع عليه ربما يعارضه مانع فلا يكون ما ذكره كل السبب بل ذلك مع انتفاء المعارضات فان اطلع على أكثر الأسباب قوى ظنه وإن اطلع على الكل حصل له العلم كما يعلم فى الشتاء أن الهواء سيحمى بعد ستة أشهر لأن سبب الحمى كون الشمس فى وسط السماء بكونها فى الأسد ويعلم ذلك بحكم العادة والدليل أن الشمس لا يتغير مسيرها وأنها ستعود إلى الأسد بعد هذه المدة فهذا وجه العلم بالممكنات (الدعوى السادسة): هو أن الأول سبحانه وتعالى لا يجوز أن يعلم الجزئيات علما يدخل تحت الماضى والمستقبل والآن حتى يعلم أن الشمس لم تنكسف اليوم وإنها ستنكسف غدا ثم إذا جاء الغد فيعلم أنها الآن مكسوفة وإذا جاء بعد غد فيعلم أنها كانت بالأمس مكسوفة فان هذا يوجب تغيرا فى ذاته لاختلاف هذه العلوم عليه وقد سبق أن التغير محال عليه ووجه لزوم التغير إن المعلوم يتبعه العلم فمهما تغير المعلوم تغير العلم ومهما تغير العلم تغير العالم إذ العلم ليس من الصفات التى إذا اختلفت لم يتغير العالم ككونه يمينا وشمالا بل العلم صفة فى الذات يوجب اختلافه اختلاف الذات وليس نسبة العلم إلى المعلوم أيضا نسبة لا يوجب اختلاف المعلوم اختلافا فيها حتى يفرض علم واحد هو علم بأن الكسوف سيكون فاذا كان صار علما بأنه كائن فاذا انجلى صار علما بأنه قد كان والعلم فى ذاته واحد والمعلوم يتغيرلأن العلم هو مثال المعلوم والمختلفات أمثلتها مختلفة فاذا قدر أن الأول عالم بأن الكسوف سيكون فله بهذا حالة فاذا كان الكسوف فان بقيت تلك الحالة صار جهلا لأن الكسوف كائن وإن صار عالما بأنه كائن فان هذه الحالة تخالف ما قبلها فهو تغير بل إنما يعلم الأول الجزئيات بنوع كلى يكون متصفا به أزلا وأبدا ولا يتغير مثل أن يعلم أن الشمس إذا جاوزت عقدة الذنب فانه يعود اليها بعد مدة كذا ويكون القمر قد انتهى اليها وصار فى محاذاتها حائلا بينها وبين الأرض محاذاة غير تامة مثلا ولتكن بثلثها فيوجب أن يرى ثلث الشمس مكسوفا فى إقليم كذا فهذا يعلمه كذلك أزلا وأبدا ويكون صادقا سواء كان الكسوف موجودا أو معدوما فاما أن يقول إن الشمس ليست مكسوفة الآن ثم يقول غدا إنها مكسوفة الآن فيكون قد خالف الثانى الأول فهذا لا يليق بمن لا يجوز التغير عليه فاذا ما من جزئى ولو فى مثقال ذرة إلا وله سبب فيعرف سببه بنوع كلى فليس فيه إشارة إلى وقت وزمان ويبقى عارفا به أبدا وأزلا فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة ومع ذلك فان جميع أحواله متشابهة ولا يتغير مهما فرض الأمر كذلك.
(الدعوة السابعة): إن الأول مريد وله إرادة وعناية وإن ذلك لا يزيد على ذاته وبيانه أن الأول فاعل فانه ظهر أن كل الأشياء حاصلة منه فهى فعله والفاعل إما أن يكون فاعلا بالطبع المحض أو بالارادة والطبع المحض هو الفعل المنفك عن العلم بالمفعول وبالفعل وكل فعل لا يخلو عن العلم فلا يخلو عن الارادة والكل فائض من ذات الله تعالى مع علمه بأنه فائض منه وفيضانه منه غير مناف لذاته حتى يكون كارها فلا كراهة فيه له فهو إذا راض بفيضانه منه وهذه الحالة يجوز أن يعبر عنها بالارادة ومبدأ فيضان الكل منه علمه بوجه النظام فى الكل فيكون علمه سبب وجود المعلوم فاذا إرادته علمه وكل فعل إرادى فلا يخلو إما أن يكون عن اعتقاد جزم أو علم أو ظن أو تخيل* أما العلم فكفعل المهندس بموجب العلم الحقيقى وأما الظن فكفعل المريض فى الاحتراز عما يتوهمه مضرا* وأما التخيل فكطلب النفس الشىء الذى يشبه المحبوب مع علمه بأنه غيره وكامتناعه عن الشىء الذى له شبه بما يكرهه وفعل الأول لا يجوز ان يكون بظن أو تخيل لأن هذه عوارض لا تثبت ولا تدوم فينبغى أن يكون بعلم عقلى حقيقى والآن يبقى أنه كيف يكون العلم سببا لوجود شىء وأنه بم عرف أن الأشياء حصلت منه بعلمه أما الأول فلا يعلم إلا بمثال مشاهدة النفس فنحن إذا وقع لنا تصور لشىء محبوب انبعث من التصور قوة الشهوة فان استحكمت وتم الشوق وانضاف اليه تصورنا أنه ينبغى أن يكون انبعثت القوة المنبثة فى العضلات وحركت الأوتار وحصل منه حركة الأعضاء الآلية وحصل الفعل المطلوب كما نتخيل صورة الخط الذى نريد كتبته ونتوهم انه ينبغى أن يكون فتنبعث قوة الشوق اليه فيتحرك به اليد والقلم وتحصل صورة الخط كما تصورناه ومعنى قولنا أنه ينبغى أن يكون أن نعلم أو نظن أنه نافع لنا أو لذيذ لنا أو خير فى حقنا فاذا حركة اليد حصلت من القوة الشوقية وحركة القوة الشوقية حصلت من التصور والعلم بأن الشىء ينبغى أن يكون فقد وجدنا العلم فينا سببا لحصول شىء وأظهر من هذا أن الذى يمشى على جذع ممدود بين حائطين مرتفعين غاية الارتفاع يتوهم فى نفسه السقوط فيسقط أى يحصل السقوط بتوهمه ولو كان ممدودا على الأرض فيمشى عليه ولا يسقط لأنه لا يتوهم السقوط ولا يستشعره فيكون تصور السقوط وحضور صورته فى الخيال سببا لحصول المتصور فقد صادفنا المثال من مشاهدة النفس فنعود إلى الأول فنقول فعل الأول إما أن يصدر عنه كما تصدر الحركة من القوة الشوقية وهو محال لأن الشوق والشهوة محال عليه فانه طلب لأمر مفقود الأولى حصوله وليس فى واجب الوجود شىء بالقوة يطلب حصوله بحال كما سبقت أدلته فلا يبقى إلا أن يقال أن تصوره لنظام الكل سبب لفيضان النظام عنه وأما نحن فان تصورنا لصورة الخط والنقش لا يكون كافيا لوجود صورة الخط من حيث أن الأمور فى حقنا منقسمة إلى ما يوافقنا وإلى ما يخالفنا فافتقرنا إلى قوة شوقية تخلق لنا فى بعض الآلات نعرف الموافقة والمخالفة بالاضافة اليها فاذا انبعثت افتقرنا إلى آلات وأعضاء نحركها فى التحصيل لمقصودنا وأما الأول فنفس تصوره كاف لحصول المتصور ويفارقنا من وجه آخر وهو أنا لا بد أن نعلم أو نظن أو نتخيل أن ذلك الفعل خير لنا وذلك فى حق الأول محال لأن ذلك يوجب الغرض وقد بينا أن الغرض لا يحرك إلا ناقصا فيكون إرادتنا باعتبار تخيلنا أنه خير لنا ويكون إرادته للنظام الكلى باعتبار علمه بأنه خير فى نفسه وأن الوجود خير من العدم في ذاته وأن الوجود يمكن على أقسام وأن الأتم والأكمل من جملة تلك الأقسام واحد وما عداه ناقص بالاضافة اليه والأكمل خير من الأنقص وذات الأول ذات يفيض منه لا محالة كل وجود على الوجه الأتم والأكمل على ترقيه الممكن فيه إلى غاية النظام ويكون معنى عنايته بالخلق أنه علم مثلا أن الانسان يفتقر إلى آلة باطشة لو لم تكن له لكان ناقصا ولكان شرا في حقه وأن الآلة الباطشة ينبغى أن تكون مثل اليد والكف وانه لا بد وأن تكون رؤوسها منقسمة بالأصابع إذ لو لم يكن لامتنع البطش وأن الأصابع يمكن أن يكون لها أوضاع كثيرة وأن تكون الخمسة فى صف واحد كما أن الأربعة فى صف واحد ويمكن أن تكون الأربعة فى صف والابهام فى مقابلتها من حيث يدور على جميعها ويمكن أن يكون فى صفين وعلى وجوه مختلفة وإن ما يراد من اليد في اختلاف حركاتها ليكون باطشا مرة وضاربا أخرى ودافعا تارة لا يكمل إلا بهذه الصورة المشاهدة فيكون علمه به سببا لوجوده نعم نسبة علمه إلى سائر الأوضاع واحد ولكن يعين هذا الوضع ويميزه عن سائر الأوضاع لأن الخير والكمال فيه وذاته ذات يترجح فيه فيضان الخير منه على فيضان الشر ولست أريد الخير والشر فى حقه بل فى نفسه وبالاضافة إلى الخلق فاذا جميع الموجودات من عدد الكواكب ومقدارها وهيئة الأرض والحيوانات وكل موجود فانما وجد على الوجه الذى وجد لأنه أكمل وجوه الوجود وما عداه من الامكانات ناقص بالاضافة اليه بل لو خلق الأعضاء الآلية للحيوانات ولم يهدها إلى وجه استعمالها كان أيضا معطلا فقد خلق المنقار للفرخ الذى ينفلق منه البيض فلو لم يهده إلى استعماله واشتغل فى الحال بالالتقاط لكان معطلا فتمت العناية بتمام الخير وتم الخير بالهداية بعد الخلق كما أخبر عنه الله تعالى إذ قال (الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) وقال عز وعلا (هو الذى خلقنى فهو يهدين) وقال سبحانه (والذى قدر فهدى) فهذا معنى الارادة والعناية وهو راجع إلى العلم لا يزيد عليه والعلم لا يزيد على الذات كما سبق فاما أن يكون فعله لغرض أو من غير علم فلا فان قيل وأى بعد فى أن يكون له قصد كما لنا قصد مع العلوم فيكون قصده إفاضة الخير على الغير لا لأجل نفسه كما أنا قد نقصد إنقاذ غريق لا لغرض بل نريد إفاضة الخير قيل القصد من ضرورته أن يكون المقصود أولى بالقاصد من نقيضه وذلك يشعر بالغرض والغرض يدل على النقص وأما نحن فلا يتصور منا قصد إلا لغرض وهو طلب ثواب أو محمدة أو أن نكتسب خلق الفضيلة فى أنفسنا بفعل الخير فلو كان الفعل وعدمه بمثابة واحدة فى حقنا استحال أن يكون لنا قصد وانبعاث اليه إذ لا معنى للقصد إلا الميل إلى مايقدر موافقا فان لم يعن بالقصد هذا فهو لفظ محض لا مفهوم له.
(الدعوى الثامنة): كونه قادرا وبرهانه إن القادر عبارة عمن إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل وهو بهذه الصفة فانا قد بينا أن مشيئته علمه وإن ما علم أن الخير فيه فقد كان وما علم أن الأولى به أن لا يكون لم يكن* فان قيل كيف يصح هذا ولا يقدر على إفناء السموات والأرض عند هؤلاء فيقال لو أراد لأفناهما إلا أنه ليس يريد وقد سبقت مشيئته الأزلية بالوجود على الدوام ولأن الخير فى الوجود الدائم لا فى الفناء والهلاك والقادر قادر باعتبار أنه يفعل إن شاء لا باعتبار أنه لا بد وأن يشاء إذ يقال فلان قادر على أن يقتل نفسه وإن علم أنه لا يقتل وهو صادق والله تعالى قادر على إقامة القيامة الآن وإن كنا نعلم أنه ليس يفعله وعلى الجملة خلاف المعلوم مقدور فاذا هو قادر على كل ممكن بمعنى أنه لو أراد لفعل وقولنا لو أراد لفعل شرطى متصل وليس من شرط صدق الشرطى أن تصدق الجملتان من جزئيه بل يجوز أن يكونا كاذبين أو أحدهما ويكون هو صادقا فقول القائل الانسان لو طار لتحرك فى الهواء فهو صادق وكلا جزئيه كاذبان ولو قال لو طار الانسان لكان حيوانا فهوصادق ومقدمه كاذب وتاليه صادق* فان قيل قولكم لو أراد لفعل يشعر بأنه يتصور أن يستأنف إرادة شىء وهذا يدل على التغير قيل العبارة الصحيحة أن يقال هو قادر بمعنى أن كل ما هو مريد له فهو كائن وما ليس مريدا له فغير كائن والذى هو مريد له لو جاز أن لا يكون مريدا له لما كان والذى ليس هو مريدا له لو جاز أن يريده لكان فهذا معنى قدرته وإرادته وقد رجعا جميعا إلى علمه ورجع علمه إلى ذاته فلم يوجب شىء منه كثرة فيه.
(الدعوى التاسعة): إن الأول حكم لأن الحكمة تطلق على شيئين.
(أحدهما): العلم وهو تصور الأشياء بتحقق الماهية والحد والتصديق فيها باليقين المحض المحقق.
(والثانى): الفعل بأن يكون مرتبا محكا جامعا لكل ما يحتاج اليه من كمال وزينة والأول عالم بالأشياء على ما هى عليه علما هو أشرف أنواع العلوم فان علمنا ينقسم إلى ما لا يحصل به وجود المعلوم كعلمنا بصورة السماء والكواكب والحيوان والنبات وإلى ما يحصل به وجود المعلوم كعلم النقاش بصورة النقش الذى يخترعه من تلقاء نفسه من غير مثال سابق يحتذيه فيوجد النقش منه فيكون علمه سبب وجود المعلوم فاذا نظر اليه غيره وعرفه كان المعلوم فى حقه سبب وجود العلم والعلم الذى يفيد الوجود أشرف من العلم المستفاد من الوجود وعلم الأول بنظام الوجود هو مبدأ نظام الكل كما سبق فهو أشرف العلوم وأما نظام أفعاله ففى غاية الاحكام إذ أعطى كل شىء خلقه ثم هدى وأنعم عليه بما هو ضرورى له وبكل ما هو محتاج اليه وإن لم يكن فى غاية الضرورة وبكل ما هو زينة وتكملة وإن لم يكن فى محل الحاجة كتقويس الحاجبين وتقعير أخمص القدمين وإنبات اللحية الساترة لتشنج البشرة فى الكبر الى غير ذلك من لطائف تخرج عن الحصر فى الحيوان والنبات وجميع أجزاء العالم.
(الدعوة العاشرة): إنه جواد لأن إفادة الخير والانعام به منقسم إلى ما يكون لفائدة وغرض يرجع إلى المفيد وإلى ما ليس كذلك والفائدة تنقسم إلى ما هو مثل المبذول كمقابلة المال بالمال وإلى ما ليس مثلا كمن يبذل المال رجاء الثواب أو المحمدة أو اكتساب صفة الفضيلة وطلب الكمال به وهذه أيضا معاوضة ومعاملة وليس بجود كما أن الأول معاملة وإن كان العوام يسمون هذا جودا بل الجود هو إفادة ما ينبغى من غير عوض فان واهب السيف ممن لا يحتاج اليه ليس بمنعم والأول قد أفاض الوجود على الموجودات كلها كما ينبعى وعلى ما ينبغى من غير ادخار ممكن من ضرورة أو حاجة أو زينة وكل ذلك بلا عوض ولا فائدة بل ذاته ذات يفيض منه على الخلق كلهم كل ما هو لائق بهم وهو الجواد الحق واسم الجواد على غيره مجاز.
(الدعوى الحادية عشر): أن الأول مبتهج بذاته وإن عنده من المعنى الذى يعبر عن نظيره فى حقنا باللذة والطرب والفرح والسرور بجمال ذاته وكماله ما لا يدخل تحت وصف واصف وإن الملائكة المقربين الذين سيقام البرهان على وجودهم من الابتهاج واللذة بمطالعة جمال الحضرة الربوبية ما يزيد على ابتهاجهم بجمال أنفسهم ويعرف هذا بتقدمة أصول.
(الأصل الأول): أن نعرف معنى اللذة والألم فان كان يرجع إلى أمر زائد على إدراك مخصوص لم يتصور فى حقه وإن رجع إلى إدراك موصوف بصفة وثبت أن إدراكه على تلك الصفة تثبت الدعوى لا محالة واللذة والألم بالضرورة يرتبطان بالادراك فحيث لا إدراك فلا لذة ولا ألم والادراك فى حقنا نوعان حسى وهو الظاهر المتعلق بلذة الحواس الخس وباطنى وهو العقلى والوهمى وكل واحد من هذه الادراكات ينقسم باعتبار نسبة متعلقها إلى القوة المدركة بثلاثة أقسام.
(أحدها): إدراك ماهو ملائم للقوة المدركة وموافق لطبعها.
(والثانى): إدراك المنافى.
(والثالث): إدراك ما ليس بمناف ولا بملائم فاللذة عبارة عن إدراك الملائم فقط والألم عبارة عن إدراك المنافى* وأما إدراك ما ليس بملائم ولا بمناف فليس يسمى لا ألما ولا لذة ولا ينبغى أن تظن أن الألم عبارة عن صفة تتبع إدراك المنافى بل هو عينه فلا يتصور ملاقاة المنافى للقوة المدركة مع الادراك إلا ويصدق اسم الألم ويتحقق معناه وإن قدر عدم كل ما سواه وكذا اللذة فالادراك اسم عام وينقسم إلى لذة وإلى ألم وإلى ما ليس بألم ولا لذة فهما غير زائدين عليه.
(الأصل الثانى): أن يعرف أن ملائم كل قوة فعلها الذى هو مقتضى طبعها من غير آفة فان كل قوة خلقت ليصدر منها فعل من الأفعال وذلك الفعل مقتضى طبعها فمقتضى طبع القوة الغضبية الغلبة وطلب الانتقام ولذتها هى إدراك الغلبة ومقتضى طبع الشهوة الذوق ومقتضى الخيال والوهم الرجا وبه يلتذ وهكذا لكل قوة من القوى.
(الأصل الثالث): أن العاقل الكامل تقوى فيه القوى الباطنة على القوى الظاهرة ويستحقر لذات القوى الحسية عند لذات القوى العقلية والوهمية والناقص تقوى فيه القوى الحسية على القوى العقلية والوهمية ولذلك إذا خير المرء بين الحلو الدسم وبين الاستيلاء على الأعداء ونيل أسباب الرياسة والعلا فان كان الخير ساقط الهمة ميت القلب خامد القوى الباطنة اختار الهريسة والحلاوة عليه وإن كان المخير على الهمة رزين العقل استحقر لذة المطعوم بالاضافة إلى ما ينال من لذة الرياسة والغلبة على الأعداء ونعنى بالساقط الهمة الناقص فى نفسه الذى ماتت قواه الباطنة أو لم يتم بعد حياتها كالصبى فان قواه الباطنة بعد لم تخرج من القوة الى الفعل.
(الأصل الرابع): إن كل قوة فانما لها لذة إدراك ما هى قوة عليه إذا كان موافقا لها ولكن تتفاوت اللذات بحسب تفاوت الادراكات والقوى المدركة والمعانى المدركة فهذه ثلاثة مثارات لتفاوت اللذات المثارة.
(الأول): تفاوت القوى المدركة فكلما كانت القوى أقوى فى نفسها وأشرف في جنسها كانت لذتها أتم فان لذة الطعام بحسب قوة شهوة الطعام ولذة الجماع كذلك ولذة العقليات أشرف في جنسها من لذة الحسيات فلذلك غلبتها حتى اختار العاقل اللذات العقلية على المأكولات والمحسوسات.
(والثانى): تفاوت الادراكات فكلما كان الادراك أشد كانت اللذة أتم ولذلك لذة النظر للوجه الجميل على قرب وفى موضع مضى أتم من لذته في إدراكه من بعد لأن إدراكه من القرب أشد.
(والثالث): تفاوت المدرك فانه أيضا يتفاوت فى باب الملائمة والمخالفة فكل ما كان أتم في جهته كانت اللذة أو الألم أتم كما تتفاوت اللذة بتفاوت الوجوه فى الحسن والقبح فاللذة من الأحسن أكثر لا محالة والألم من الأقبح أكثر.
(الأصل الخامس): وهو نتيجة الأصول السابقة أن اللذة العقلية التى لنا لا بد وأن تكون أقوى من اللذات الحسية فانا إن نظرنا إلى القوة وجدنا القوة العقلية أقوى وأشرف من الحسية إذ سنبين فى كتاب النفس أن القوى الحسية لا تكون إلا فى آلات جسمانية وأنها تفسد بادراك مدركاتها إذا قويت إذ لذة العين فى الضوء وألمه فى الظلمة والضوء القوى يفسدها وكذا الصوت القوى يفسد السمع ويمنعه من إدراك الخفى بعده والمدركات العقلية الجلية تقوى العقل وتزيده نورا وكيف لا والقوة العقلية قائمة بنفسها لا تقبل التغير والاستحالة والحسية فى جسم مستحيل وأقرب الموجودات الأرضية إلى الأول وأشدها مناسبة هى القوة العقلية م كما سيأتى* وأما إدراك العقل فيفارق إدراك الحس من وجوه إذ يدرك العقل الشىء على ما هو عليه من غير أن يقرن به ما هو غريب عنه والحس لا يدرك اللون ما لم يدرك معه العرض والطول والقرب والبعد وأمورا أخر غريبة عن ذات اللون والعقل يدرك الأشياء مجردة كما هى ويجردها عن قرائنها الغريبة وأيضا فادراك الحس يتفاوت فيرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا وإدراك العقل يطابق المدرك ولا يتفاوت بل إما أن يدركه كما هو عليه أو لا يدركه وأما المدرك فمدركات الحس الأجسام والأعراض الخسيسة المتغيرة ومدركات العقل الماهية الكلية الأزلية التى يستحيل تغيرها ومن مدركاتها ذات الأول الحق الذى يصدر منه كل جمال وبهاء فى العالم فاذا لا قياس للذة الحسية إلى العقلية.
(الأصل السادس): إنه لا يبعد أن يحضر المدرك الموجب للذة ولا يشعر الانسان بلذته لكونه غافلا أو مشغولا بآفة غيرت مزاجه عن طبعه كالمتفكر الغافل عن الألحان الطيبة أو لكونه ممنوا بآفة غيرت مزاجه عن طبعه كالذى يستلذ أكل الطين أو شيئا حامضا لطول إلفه فان طول الممارسة ربما يحدث ملائمة بين طبعه وبينه فيستلذ ما هو مكروه بالاضافة إلى الطبع الأصلى وكالذى به مرض (يوليموس) فان جميع أجزائه محتاج إلى الغذاء وفى معدته آفة تمنعه من الاحساس بشهوة الطعام وتوجب كراهية له وذلك لا يدل على أن الطعام ليس لذيذا فى نفسه بالاضافة إلى الطبع الأصلى وقد يكون عدم إدرك اللذة لضعف القوة المدركة فالبصر الضعيف قد يتأذى بازاء ضوء وإن كان ذلك موافقا ولذيذا بالاضافة إلى الطبع السليم فاذن بهذا يندفع سؤال من يقول لو كانت العقليات ألذ لكانت لذتنا بالعلوم وألمنا بفقدها يزيد على لذاتنا بالحسيات وألمنا بفقدها فيقال سبب ذلك خروج النفس عن مقتضى الطبع بالعادات الرديئة والآفات العارضة ووقوع الالف مع المحسوسات واشتغال النفس بمقتضى الشهوات فان ذلك نازل في القلب والنفس بمنرلة المرض والخدر في العضو وقد يصيب العضو الخدر نار تحرقه وهو لا يحس بها فاذا زال الخدر أحس والنائم قد يعانقه معشوقه وكذا المريض المغشى عليه فاذا أفاق أحس وعوارض البدن أوجبت مثل هذا الخدر فاذا فارق النفس البدن بالموت أدرك ما هو حاصل لنفس من ألم الجهل إن كان جاهلا ردىء الخلق ولذة العلم إن كان عالما ذكى الطبع* فنرجع إلى المقصود ونقول إن الأول مدرك لذاته على ما هو عليه من الجمال والبهاء الذى هو مبدأ كل جمال وبهاء ومنبع كل خير ونظام فان نظرنا إلى المدرك فهو أجل الأشياء وأعلاها وإن نظرنا إلى الادراك فهو أشرفها وأتمها وإن نظرنا إلى المدرك فهو كذلك فهو إذا أقوى مدرك الأجل مدرك بأتم إدراك لما هو عليه من العظمة والجلال فلينظر الانسان إلى سروره بنفسه إذا استشعر كماله في الاستعلاء بالعلم على الكل والاستيلاء بالغلبة والملك على جميع الأرض إذا انضاف اليه صحة البدن وجمال الصورة وانقياد كافة الخلق فان ذلك لو تصور اجتماعه لشخص لكان في غاية للذة مع إن كل ذلك مستعار من الغير ومعرض للزوال ولا يرجع إلا الى معرفة بعض المعلومات والاستيلاء على جزء من الكائنات وهو الأرض التى لا نسبة لوجودها الى أجسام العالم فضلا عن الجواهر العقلية والنفسية* فقياس لذة الأول الى لذاتنا كقياس كماله الى كمالنا اذا فرضت لنا مثل هذه الحالة* وقد قال (ارسطاطاليس) لو لم يكن له من اللذة بادراك جمال ذاته إلا ما لنا من اللذة بادراكه مهما التفتنا الى جماله وقطعنا نظرنا عما دونه واستشعرنا عظمته وجماله وجلاله وحصول الكل على أحسن النظام منه وانقيادها له على سبيل التسخير ودوام ذلك أزلا وأبدا من غير إمكان تغير لكانت تلك اللذة لا يقاس بها لذة كيف وإدراكه لذاته لا يناسب إدراكنا له فانا لا ندرك من ذاته وصفاته إلا أمورا مجملة يسيرة وأما الملائكة فانها تعرف أيضا أنفسها بالأول وهم على الدوام فى مطالعة ذلك الجمال على ما سيأتى بيانه فلذتهم أيضا دائمة ولكنها دون لذة الأول بل لذتهم بادراك الأول فوق لذتهم بادراك أنفسهم بل كانت لذتهم بأنفسهم من حيث رأوا أنفسهم عبيدا له مسخرين ومثاله الذى يعشق ملكا من الملوك فأقبل عليه وقبله لخدمته كان تبجحه وابتهاجه وتفاخره بمشاهدة جمال الملك وكونه عبدا مقبولا عنده أكثر من تبجحه بجسمه وقوته وأبيه ونسبه وكما أن سرورنا أكمل من سرور البهائم لما بيننا وبينها من التفاوت فى الكمال بالقدرة والعقل واعتدال الخلقة فسرور الملائكة أيضا أكثر من سرورنا وإن لم يكن لهم شهوة البطن والفرج وذلك لقربهم من رب العالمين وأمنهم من زوال ما هم فيه أبد الدهر والانسان له سبيل الى أن يكتسب سعادة أبدية بأن يخرج القوة العقلية من القوة الى الفعل بأن ينتقش فيها الوجود كله على ترتيبه فيدرك الأول والملائكة وما بعدها من الموجودات وربما يحس بأدنى لذة من الاطلاع عليها فى هذه الحياة مع اشتغاله بالبدن فاذا فارق البدن بالموت وارتفع المانع تكاملت اللذة وانكشف الغطاء ودامت السعادة أبد الآبدين ويلتحق بالملأ الأعلى ويكون رفيق الملائكة فى القرب من الأول الحق قربا بالصفة لا بالمكان فهذا معنى السعادة فقط.
(خاتمة القول في الصفات) قد ظهر لك من هذه الجملة أنك لا تعرف الغائب إلا بالشاهد ومعناه أن كل ما سألت عن كيفيته فلا سبيل إلى تفهيمك إلا أن يضرب لك مثال من مشاهداتك الظاهرة بالحس أو الباطنة فى نفسك بالعقل فاذا قلت كيف يكون الأول عالما بنفسه فجوابك الشافى أن يقال كما تعلم أنت نفسك فتفهم الجواب وإذا قلت كيف يعلم الأول غيره فيقال كما تعلم أنت غيرك فتفهم فاذا قلت فكيف يعلم بعلم واحد بسيط سائر المعلومات فيقال كما تعرف جواب مسألة دفعة واحدة من غير تفصيل ثم تشتغل بالتفصيل فاذا قلت فكيف يكون علمه بالشىء مبدأ وجود ذلك الشىء فيقال كما يكون توهمك السقوط على الجذع عند المشى عليه مبدأ السقوط فاذا قلت فكيف يعلم الممكنات كلها فيقال يعلمها بالعلم بأسبابها كما تعلم حرارة الهواء فى الصيف القابل لمعرفتك تحقيقا بأسباب الحرارة فاذا قلت كيف يكون ابتهاجه بكماله وبهائه فيقال كما يكون ابتهاجك به إذا كان لك كمال تتميز به عن الخلق واستشعرت ذلك الكمال والمقصود أنك لا تقدر على أن تفهم شيئا من الله إلا بالمقايسة إلى شىء فى نفسك نعم تدرك من نفسك أشياء تتفاوت فى الكمال والنقصان فتعلم مع هذا أن ما فهمته فى حق الأول أشرف وأعلى مما فهمته فى حق نفسك فيكون ذلك إيمانا بالغيب محملا وإلا فتلك الزيادة التى توهمتها لا تعرف حقيقتها لأن مثل تلك الزيادة لا يوجد فى حقك فاذا إن كان فى الأول أمر ليس له نظير فيك فلا سبيل لك إلى فهمه البتة وذلك هو ذاته فانه وجود بلا ماهية زائدة على الوجود وهو منبع كل وجود فاذا قلت كيف يكون وجود بلا ماهية فلا يمكننا أن نضرب لك مثلا من نفسك ولا يمكنك إذا فهم حقيقة الوجود بلا ماهية وحقيقة ذات الأول وخاصيته هو أنه وجود بلا ماهية زائدة على الوجود وإن إنيته وماهيته واحد وهذا لا نظير له فيما سواه فان ما سواه جوهر أو عرض وهو ليس بجوهر ولا عرض وهذا أيضا لا تحققه الملائكة فانهم أيضا جواهر وجودها غير ماهيتها وإنما الوجود بلا ماهية ليس إلا الله تعالى فاذا لا يعرف الله إلا الله * فان قلت فعلمنا أنه وجود بلا ماهية زائدة وإن حقيقته الوجود المحض هو علم بماذا إن لم يكن علما به* قلنا هو علم بأنه موجود وهذا أمر عام وقولك أنه ليس غير الماهية بيان أنه ليس مثلك فهو علم بنفى المماثلة لا بالحقيقة المنزهة عن المماثلة كعلمك بأن زيدا ليس بصائغ ولا نجار فانه ليس علما بصنعته بل هو علم بنفى شىء عنه وعلمك بارادته وقدرته وحكمته يرجع كله إلى علمه بنفسه وبغيره وعلمك بأنه عالم بنفسه كانه علم بلازم يحمل من لوازم ذاته لا بحقيقة ذاته فان حقيقة ذاته هو الوجود المحض بلا ماهية زائدة * فان قلت فكيف السبيل إلى معرفة الله تعالى فيقال أن تعرف بالبرهان أن معرفته محال وأنه لا يعرفه غيره وأن الذى يتصور أن يعلم منه افعاله وصفاته ووجوده المرسل ونفى المثل عنه وأن تفهم وجود بلا ماهية لمن ليس فى نفسه وجودا بلا ماهية حتى يقيسه به محال ووجود بلا ماهية زائدة ليس الا له فلا يعرفه سواه ولهذا قال سيد الانس والجن (أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصى ثناء عليك) ولذلك قال الصديق الأكبر (العجز عن درك الادراك إدراك) نعم الناس كلهم عاجزون عن إدراكه ولكن الذى يعلم بالبرهان المحقق استحالة إدراكه فهوعارف مدرك أى مدرك لغاية ما يتصور للبشر أن يدركه ومن عجز ولم يدر أن العجز ضرورى بالبرهان الذى ذكرنا فهو جاهل به وهو كافة الخلق إلا الأولياء والأنبياء والعلماء الراسخون فى العلم.
(المقالة الرابعة): إذ فرغنا من ذكر صفات الأول فلا بد من ذكر أفعاله أعنى أقسام جميع الموجودات فان كل ما سواه هو فعله حتى إذا عرفنا أقسام الموجودات ذكرنا فى المقالة الخامسة كيفية صدورها منه وكيفية ترتب سلسلة الأسباب والمسببات منه مع كثرتها ثم رجوعها بالآخرة إلى سبب واحد هو سبب الأسباب والكلام فى هذه المقالة نحصره فى مقدمة وثلاثة أركان.
(الأول): القول فى الأجسام التى هى فى مقعر فلك القمر وكيفية دلالتها على وجود السموات وحركاتها.
(والثانى): فى السموات وسبب حركاتها.
(والثالث): القول فى النفوس والعقول التى يعبر عنها بالملائكة الروحانية السماوية والكروبيين.
أما المقدمة ففيها تقسيمات ثلاث.
(الأول): إن الجواهر الموجودة باعتبار التأثر والتأثير تنقسم فى العقل بحسب الامكان الى ثلاثة أقسام مؤثر لا يتأثر ويعبر عنه اصطلاحا بالعقول المجردة وهى جواهر ليست منقسمة ولا مركبة ومتأثر لا يؤثر وهى الأجسام المتحيزة المنقسمة ومؤثر متأثر يتأثر من العقول ويؤثر فى الأجسام وتسمى النفوس وهى أيضا لا تتحيز وليست بجسم وأشرف الأقسام العقول التى لا تتغير ولا تحتاج الى استعارة أثر وكمال من غيرها فكمالها حاضر معها وليس فيها شىء بالقوة وأخسها الأجسام المستحيلة المتغيرة وأوسطها النفوس التى هى واسطة بين العقول والأجسام والنفوس تتلقى من العقول أثرا وتفيض على الأجسام أثرا وهذه أقسام يقضى العقل بامكانها أما وجودها فيحتاج الى برهان* نعم الأجسام معلومة الوجود بالحس وأما النفوس فيدل عليها حركات الأجسام وأما العقول فيدل عليها النفوس كما سياتي.
(تقسيم ثانى): الموجودات باعتبار النقصان والكمال تنقسم الى ما هو بحيث لا يحتاج الى أن يمده غيره ليكتسب منه وصفا بل كل ممكن له فهو موجود له حاضر ويسمى تاما والى ما لا يحضر معه كل ممكن له بل لا بد من أن يحصل له ما ليس حاصلا وهذا يسمى ناقصا قبل حصول التمام له ثم الناقص ينقسم الى ما لا يحتاج الى أم خارج من ذاته حتى يحصل له ما ينبغى أن يحصل وهذا يسمى مكتفيا والى ما يحتاج اليه ويسمى الناقص المطلق* وأما التام فان كان قد حصل له ما ينبغى وكان بحيث يحصل لغيره منه أيضا يسمى فوق التمام لأنه فى نفسه تام وكأنه فضل منه لغيره.
(تقسيم ثالث للأجسام خاصة): قد سبق أن الأجسام أخس أقسام الموجودات وهومنقسم إلى بسيط وإلى مركب أعنى انقساما فى العقل بالامكان وإن كان فى الوجود أيضا هوكذلك ونعنى بالبسيط الذى له طبيعة واحدة كالهواء والماء وبالمركب الذى يجمع طبيعتين كالطين المركب من الماء والتراب وقد يحصل بالتركيب فائدة ليس فى البسائط كفائدة الحبر فانها لا توجد فى العفص والزاج ولكن البسيط هو أصل المركب وهو متقدم عليه فى الوجود لا محالة بالرتبة وبالزمان والبسيط بالقسمة العقلية أيضا ينقسم إلى ما يتأتى منه التركيب وإلى ما لا يتأتى ونعنى بما يقبل التركيب هو الذى يحصل من تركيبه فائدة ليست فى بسائطه والذى لا يتركب هو الذى وجد كما له فى بساطته فلا يتصور زيادة عليه فى تركيبه فاذا تمهدت هذه المقدمات فلنرجع إلى الركن الأول وهو القول فيما يدل عليه الأجسام السفلية فنقول وجود الأجسام تحت مقعر فلك القمر معلوم بالمشاهدة وهى قابلة للتركيب فان الطين مثلا مركب من الماء والتراب فنقول هذا التركيب المشاهد يدل على وجود الحركة المستقيمة وتدل الحركة من حيث مسافتها على ثبوت جهتين محدودتين مختلفتين بالطبع ويدل اختلاف الجهتين على وجود جسم محيط بها وهو السماء وتدل الحركة من حيث حدوثها على أن لها سببها ولسببها سببا إلى غير النهاية فلا يمكن ذلك إلا بحركة السماء حركة دورية وتدل الحركة أيضا فى الجسم على ميل فيه طبيعى وعلى طبع محرك وعلى زمان فيه الحركة* فلنذكر وجه هذه الدلالات واللوازم.
(فاللازم الأول): من التركيب الحركة المستقيمة ووجهه (فاللازم الأول): من التركيب الحركة المستقيمة ووجهه أن الماء له حيز والتراب له حيز وكل واحد طبيعى إذ لا بد لكل جسم من مكان طبيعى كما سيأتى في الطبيعيات فلا يحصل التركيب إلا بحركة أحدهما إلى حيز الآخر إذ لو لازم كل واحد حيزه لبقيا متجاوزين غير مركبين فهذا ظاهر فاذا العقل يقضى قبل النظر فى الوجود إلى أنه إن كان فى الوجود تركيب من بسيطين فلا يمكن إلا بحركة مستقيمة وإن كانت حركة فلا يمكن إلا عن جهة وإلى جهة فيحتاج إلى جهتين وهذا ظاهر فلا بد أن يكون محدودتين ومختلفتين بالطبع أما اختلافهما بالطبع والنوع فانما يلزم من حيث إن الحركة إما أن تكون طبيعية أو قسرية كما سيأتى فالطبيعة كحركة الحجر إلى أسفل وهى توجب أن يكون الحيز الذى يتركه مخالفا للذى يطلبه إذ لو تشابها لاستحال أن يهرب من أحدهما ويطلب الآخر ولهذا لا يتحرك الحجر طبعا على وجه الأرض إذ بسيط الأرض متشابه فى حقه فبالضرورة ينبغى أن تكون الجهة المهروب عنها مخالفة للجهة المطلوبة المقصودة وإن كانت قسرية كحركة الحجر الى فوق فمعنى القسرية أن يكون على خلاف الطبع فينبغى أن يكون فيه ميل طبيعى الى جهة دون جهة حتى يتصور القسر وكل قسر فهو مرتب على الطبع وقد بان أن الميل الطبيعى الى جهة دون جهة يوجب بالضرورة اختلاف الجهتين* وأما كونهما محدودتين فمعناه أن جهة السفل مثلا ينبغى أن يكون لها مردا اذا انتهى اليه انقطع فيكون منقطعه حده ونهايته وكذا جهة العلو وذلك لأدلة ثلاثة.
(أحدها): أن الجهة إنما تكون فى بعد لا محالة يشار اليه باليد إشارة حسية إذ الأمرالعقلى الذى لا إشارة اليه لا يتصور أن يكون فيه حركة الجسم وقد ذ كرنا أن بعدا بلا نهاية محال فرض فى الخلاء أو فى الملاء.
(الثانى): أن المفهوم من الجهة يقتضى أن يكون إلى حد معين فاذا قلت ينبغى أن يشير إلى جهة الشجر أو الجبل أو الشرق أو الغرب فينبغى أن يكون الشجر الذى الجهة جهته مشارا اليه وكل ما لا ينتهى اليه سلوك فلا إشارة اليه وما لا إشارة اليه فلا جهة له* نعم يكون الشجر مردا واحدا لجهة الشجر فان فرض البعد بينك وبين الشجر غير متناه لم يتصور الاشارة اليه وكذلك إذا قلت جهة السفل اقتضى أن يكون للسفل مردا واحدا معينا ينتهى اليه أسفل السافلين وأن يكون للعلو كذلك وإلا فلو تمادت إلى غير نهاية لم يمكن اليها إشارة البتة.
(الثالث): هو أنك تعقل أن تكون الأشياء الواقعة فى جهة السفل بعضها أسفل من بعض فان لم يكن للسفل مرد معين وحد مشار اليه حتى يكون الأقرب اليه أسفل والأبعد منه أعلى فلا معنى لكون البعض أسفل بل ينبغى أن يكون تلك الجهة متشابهة فلا يكون فيها أسفل وأعلى فما لم يكن سفل لا يكون أسفل فاذا لا بد من جهتين مختلفتين محدودتين لكل حركة مستقيمة والجهة بعد ولا بعد إلا فى جسم كما سيأتى فى استحالة الخلاء فلا بد من جسم محدود يحدد الجهات حتى يتصور الحركة.
(الدعوى الثانية اللازمة من الأول): أن الجسم المحدد للجهات لا بد وأن يكون محيطا بالجسم المستقيم الحركة إحاطة السماء بما فيها فانه لا يتصور اختلاف الجهتين بالنوع والطبع إلا بحسم محيط ليكون المركز غاية البعد والمحيط غاية القرب ويكون بين القرب والبعد غاية الاختلاف بالنوع والطبع* وبرهانه أن اختلاف الجهة لا يخلو إما أن يكون فى خلاء أو فى ملاء وباطل أن يكون فى الخلاء لاستحالة الخلاء ولأن الخلاء إن فرض فهو متشابه فلا يكون بعضه مخالفا للبعض حتى يتعين لجسم منه جهة دون جهة وإذا كان فى ملاء أعنى فى جسم فلا يخلو إما أن يكون اختلاف الجهة داخل الجسم أو خارجه فاذا كان داخل الجسم فليس فى داخل الجسم اختلاف إلا بالمركز والمحيط فان الجسم إذا كان مجوفا كان المحيط غاية القرب منه والمركز غاية البعد فان فرض من المحيط إلى المحيط اختلاف جهة بحيث لا يمر على المركز وهو الخط الذى يقطع الدائرة بقسمين متفاوتين حتى يقال إحدى النقطتين مخالفة للأخرى فهو محال إذ ليس بينهما إلا اختلاف العدد وإلا فهما بالطبع متشابهان إذ لكل واحد منهما قرب من المحيط المتشابه وإذا فرض قطر مار على المركز استحال تقدير اختلاف الجهتين عند نقطتى القطر فان كل واحد قريب من المحيط المتشابه فلا يكون فيه اختلاف إلا بالمركز والمحيط إذ لو جاوز المركز وقع من البعد فى القرب فيكون المركز حد البعد والمحيط حد القرب وإن فرض اختلاف الجهة خارج الجسم فهو محال لأنه لا يخلو إما أن يفرض جسم واحد كالمركز ويفرض الجهات حواليه أو جسمان فان كان واحدا تعين القرب منه ولم يتحدد جهة البعد فان الأحياز حواليه متشابهة لا يخالف بعضها بعضا إلا بالعدد والبعد منه ليس له حد محدود وقد بينا أن الجهة لا بد لها من الحد وإنما لم يتعين البعد لأن المركز يتصور أن يقع عليه دوائر متفاوتة فى البعد إلى غير نهاية فالمركز لا يعين المحيط والمحيط يعين مركزا واحدا بالضرورة وإن فرض جسمان وقيل قرب أحدهما مخالف للآخر فهو محال لأن السؤال في اختصاص كل واحد من الجسمين بالموضع الذى اختص به قائم لأنه ما لم يوجد الجهة أولا لا يوجد مثل هذا الجسم على أنه لا يختلق بالطبع القرب من أحدهما مع القرب من الآخر إن تشابه الجسمان وإن اختلفا فاختلافهما لا يوجب تعين الجهتين وتحددهما بهما بل السؤال يبقى فى اختصاص كل جسم فى الحيز الذى اختص به إنه لم اختص به ولم يتميز حيز عن آخر بالقرب من شىء آخر والبعد منه والخلاء متشابه و لأنه إن فرض ذلك ثم قدر تبديل الحيزين على الجسمين حتى نقل كل واحد إلى مكان صاحبه لم يقتض ذلك زوال اختلاف الجسمين وقد تبدل الجهتان ولو قدر عدم أحدهما بقى ما توهم من اختلاف الجهتين مهما قدر بقاء البعد مع أحد الجهتين وبطل الجسم ولو قدر تركيب الجسمين لبطل اختلاف الجسمين وبقى اختلاف الجهتين فظهر أن اختلاف الجسمين لا يكون علة اختلاف الجهتين وإن ذلك لا يتصور إلا بجسم محيط يحدد الجهتين بالمحيط والمركز وذلك المحيط يستحيل أن يقبل حركة مستقيمة لأنه لا يحتاج إلى اختلاف جهتين وإلى جسم آخر يحيط به فيحدد له الجهات والذى يحدد الجهة يستغنى عن الجهة فلا يكون فيه حركة مستقيمة ويلزم عليه أنه لا يقبل الانخراق إذ معنى الانخراق ذهاب الأجزاء طولا وعرضا على الاستقامة فمن ضرورته حركة مستقيمة ومن ضرورة الحركة المستقيمة اختلاف الجهتين ومن ضرورته محيط آخر يحدد الجهتين كما سبق.
(الدعوة الثالثة): أنه يلزم من الحركة الزمان لا محالة فان كل حركة ففى زمان والزمان هو مقدار الحركة فان لم يكن حركة لم يكن زمان فى الوجود وإن لم تحس النفس بالحركة لم تحس بالزمان كما كان فى حق أصحاب الكهف وكل نائم فى ضحوة وتنبه فى ضحوة اليوم الثانى فلا يحس بانقضاء زمان إلا أن يحس فى نفسه بتغير علم بالعادة إن ذلك لا يكون إلا فى زمان والمتنبه إذا أحس بظلمة أو ضوء أو زوال خلل فيه يعرف زمان النوم مهما علم بالعادة من هذه الأمور مقادير الزمان ولا بد من إشارة إلى تحقيق الزمان وإن كان ذلك بالطبيعيات أليق ولكن نقول لا شك أن بين ابتداء كل حركة وانفطاعها إمكان تقدير حركة أخرى تقطع مسافة معينة بسرعة معينة أو بطؤ معين حتى أنه يقطع بمثل تلك الحركة مثل تلك المسافة ولا يمكن أكثر منه ولا أقل ويمكن أن يقطع بحركة أسرع تبتدىء معها مسافة أكثر وإن كانت أبطأ فمسافة أقل وإن ابتدأت معها وساوتها فى السرعة لم تتخلف عنها فى أثناء المسافة وكان بين ابتداء هذه الحركة إلى النصف وبين انقطاعها إمكان هو نصف الامكان الذى بين نهايتى الحركة التامة وكذلك يمكن أن يفرص لهذا الامكان ربع وسدس وهذه التحديدات لا ترد إلا على مقدار فقد حصل ههنا مقدار وحد المقدار هو غير حد الحركة فليس المقدار هو الحركة أعنى ذاتها بل هو فى الحركة وصفة لها فلكل حركة مقدار من وجهين.
(أحدهما): من حيث المسافة كما يقال مشى فرسخا.
(والثانى): من حيث الامكان الذى ذكرناه ويسمى زمانا كما يقال مشى ساعة فهذا الامكان المقدر هو الزمان وهو مقدار الحركة من حيث انقسامه فى امتداده إلى متقدم وإلى متأخر إذ يستحيل أن يكون مقدار الجسم المتحرك وقد يتساوى في الزمان حركة الفيل والبقة ويستحيل أن يكون مقدار المسافة واحدا إذ قد يتساوى فى الزمان ما يقطع فرسخا وما يقطع فرسخين ويستحيل أن يرد ذلك إلى السرعة والبطؤ إذ الحركتان المتفقتان فى السرعة قد يختلفتان فى هذا الامكان فان الحركة من الطلوع إلى الغروب يساوى الحركة من الشروق إلى الزوال أعنى أنها تساوى نصف نفسها فى السرعة ولا تساويها فى الزمان فاذا ليس ذلك إلا مقدار الحركة فى امتدادها إذ تكون حركة أكثر امتدادا من حركة فكثرة الامتداد كثرة الزمان وقلته قلته وأصل الامتداد أصل المدة والزمان إذ الزمان عبارة عن مدة الحركة أى عن امتداد الحركة ولا يمكن أن يكون الزمان إلا مدة الحركة المكانية لأنه عبارة عن أمر ينقسم الى متقدم ومتأخر لا يبقى المتقدم مع المتأخر بحال فارتبط بالضرورة ما هو على الانقضاء والتصرم حتى لا يجتمع منه جزآن ولا يتصرم بذاته إلا الحركة فما يقارن المتقدم منها يقال إنه متقدم وما يقارن المتأخر أنه متأخر واذا ظهر أنه مقدار الحركة ومست الحاجة الى أن يكون للحركات معيار بقدرها والمعيار ينبغى أن يكون معروفا معلوما حتى يقدر به غيره كالذراع الذى يذرع به الثياب كذلك حركة الفلك الدورية هى أسرع الحركات وأظهرها للخلق فان الشمس أظهر المحسوسات بل بها يحس سائر المحسوسات فاتخذ ذلك معيارا يقدر به الحركات وحركة الفلك لها مقدار فى نفسها وهى تقدر غيرها كالذراع له مقدار فى ذاته ويقدر غيره فالزمان عبارة عن مقدار حركة الفلك من حيث انقسامه الى متأخر ومتقدم لا يبقى المتقدم منه مع المتأخر.
(الدعوى الرابعة): أنه يلزم من حركة هذه الأجسام القابلة للتركيب أن يكون فيها ميل إلى جهة لا محالة وأن يكون فيها طبع موجب للميل فالحركة والميل والطبع ثلاثة أمور متباينة فاذا ملأت زقا من الهواء وتركته تحت الماء صعد إلى حيز الهواء وفى حالة الصعود فيه الحركة والميل والطبع فان أمسكته قهرا تحت الماء فلا حركة وأنت تحس بميله وتحامله على يدك واعتماده عليك فى طلب جهته فهو المراد بالميل فان كان فوق الماء فلا حركة ولا ميل ولكن فيه الطبع الذى يوجب فيه الميل إلى حيزه مهما فارق حيزه والمقصود أن نبين أن كل جسم مركب فهو قابل للحركة وكل قابل للحركة فلا بد وأن يكون فيه ميل لا محالة وبرهانه فى هذه المركبات ظاهر لأنها لا تتركب إلا بحركة فان كانت الجهة التى اليها الحركة للتحرك فيه ميل اليها بالطبع فلو خلى وطبعه لتحرك فان كان لا يتحرك اليها لو خلى وطبعه فاذا لا ميل فيه وإن لم يكن فيه ميل اليها فهو مائل إلى الحيز الذى هو فيه فان فرض على البعد جسم فى حيز لا ميل له إلى ذلك الحيز ولا إلى غيره فهو محال إذ يلزم عليه أن تكون حركته فى غير زمان وهو محال فالمفضى اليه محال* فان قيل لا نسلم أن الحركة فى غير زمان يلزم منه فنقول لا شك فى أن الجسم إذا كان له ميل إلى أسفل مثلا وحركناه إلى فوق كان ذلك الميل مقاوما لميل التحريك القهرى ويوجب ذلك بطأ في الحركة حتى أنه كلما كان الميل أكثر كانت المقاومة أشد والحركة أبطأ وكلما كان الميل أقل كانت الحركة أسرع ففاوت الحركة فى السرعة والبطء على نسبة تفاوت الميل فقول إن فرضنا جسما لا ميل فيه وحركناه عشرة أذرع مثلا فلا شك أنه فى زمان فلنسمه ساعة فلو فرضنا جسما فيه ميل وحركناه كانت حركته أبطأ لا محالة فلنقدر أنه فى عشر ساعات مثلا فنقول يمكن أن يقدر جسم فيه عشر ذلك الميل فيلزم أن يتحرك في ساعة لأن نسبة زمان الحركة إلى زمان الحركة هو نسبة الميل إلى الميل فتكون حركة الجسم الذى فيه عشر ذلك الميل مساويا لحركة الجسم الذى لا ميل فيه وهذا محال بل كما يستحيل أن يتفاوتا في مقدار الميل ويتساويا فى زمان الحركة كذلك يستحيل أن يتفاوتا فى أصل وجود الميل وعدمه ويتساويا فى مقدار الحركة فهذا برهان قاطع على أنه لا بد في كل جسم من ميل طبيعى إما إلى الجهة التى يتحرك اليها أو إلى خلافها كيف ما كان* فان قيل فبم ينكرعلى من ينازع فى المقدمة الثانية وهو استحالة حركة من غير زمان* فيقال الحركة لو فرضت غير زمان لكان لا يخلو إما أن تكون في بعد أو لم تكن فى بعد فان لم تكن فى بعد لم تكن حركة فان كان بعد ومسافة فقد ذكرنا أن الأبعاد كلها منقسمة وأنه لا يتصور جوهر فرد ولا يتصور بعد فرد ولا مسافة لا تنقسم فلا يتصور زمان لا ينقسم لأن الزمان مقدار الحركة وضرورة كل حركة أن تنقسم بانقسام مسافة الحركة فيكون الجزء الذى فى أول المسافة قبل الجزء الذى فيما بعده فهذا معنى كون الحركة فى زمان وبالجملة كيف تكون حركة الشىء فى عشرة أذرع من غير أن يتقدم حركته فى الشطر الأول على حركته في الشطر الثانى وإذا حصل التقدم والتأخر فقد حصل الزمان وأما فرض حركة فى بعد لا ينقسم فهو محال لأنه ثبت أن كل بعد منقسم فالبعد والجسم والحركة والزمان وهذه الأربعة بالضرورة منقسمة لا يتصور فيها جزء فرد كما سبق.
(الدعوى الخامسة): أن هذه المركبات لا تتحرك بالطبع إلا حركة مستقيمة لأن كل جسم فلا بد له من مكان طبيعى لأن حيزه الذى فرض له أن ترك فيه وطبعه استقر فيه فهو له طبيعى وميله اليه أن تنحى عنه إلى موضع آخر فالموضع المطلوب له طبيعى ويكون ميله الطبيعى إلى موضعه الطبيعى فيعرض عند المفارقة الحركة اليه والسكون فيه عند وصوله اليه وإذا كان ميله اليه فلا يتحرك اليه إلا بأقرب الطرق فانه إن انحرف عن أقرب الطرق اليه كان مائلا عنه لا اليه وأقرب الطرق بين النقطتين هو الخط المستقيم فتكون الحركة عليه بالضرورة وإذا ثبت أن لا جهة إلا الوسط والمحيط فتنقسم الحركة الطبيعية لهذه الأجسام التى يحويها المحيط إلى حركتين مستقيمتين.
(إحداهما): من المحيط إلى الوسط.
(والأخرى): من الوسط إلى المحيط.
(الدعوى السادسة): أن الحركة من حيت حدوثها أعنى حركة هذه المركبات تدل على أن لها سببا ولسبها سببا إلى غير نهاية ولا يمكن ذلك إلا بالحركة السماوية الدورية فكل حركة حادثة تدل على حركة دائمة لا نهاية لها إن لم يفرض ذلك لم يتصورحدوث حادث* واذ الحوادث كائنة فلا بد من حركة دائمة لا نهاية لها وبرهانه أن حدوث الحادث بغير سبب محال وسببه لو كان موجودا من قبل وكان لا يحدث فانما كان لا يحدث لافتقار السبب الى مزيد حالة وشريطة يستعد بها للايجاد فاذا لا يحدث السبب ما لم تحدث تلك الحالة لسبب والسؤال فى تلك الحالة لازم وإنها لم حدثت الآن ولم تحدث قبلها فيفتقر الى السبب وكذلك يتسلسل فيفتقر الحادثات بالضرورة الى أسباب لا نهاية لها ولا يخلو تلك العلل والأسباب إما أن تكون على التساوق موجودة معا وإما على التعاقب ووجود علل بلا نهاية معا محال وقد أبطلناه فلا يبقى إلا التلاحق وذلك لا يكون إلا بحركة دائمة كل جزء منها كأنه حادث وجملتها مطردة لا حدوث لها حتى يكون أجزاؤها سببا لما بعدها وكذا كل جزء ولو فرض انقطاع هذه الحركة فى حالة لاستحال بعدها حدوث حادث فانه اذا لم يحدث فى حالة لم يحدث بعدها فيفتقر الى حادث وذلك الحادث أيضا يفتقر الى مثله فلا يتصور الحدوث ومهما فرضت حركة دائمة انقطع السؤال مثاله أن يقال لم قبلت هذه الخشبة فى الأرض النفس النباتى الآن ولم يكن قبله يقبله وكان مدفونا فى الأرض فيقال لفرط البرودة فى الشتاء وعدم الاعتدال من قبل فيقال ولم حدث الاعتدال الآن فيقال لحدوث حرارة الهواء فيقال ولم حدث الآن حرارة الهواء فيقال لارتفاع الشمس وقربه من وسط السماء بدخولها برج الحمل فيقال ولم دخل برج الحمل الآن فيقال لأن طبعها الحركة وإنما انفصلت من آخر الحوت الآن ولم يمكن دخول الحمل إلا بمفارقة الحوت وبعد الوصول اليه فيكون مفارقته الحوت سبب دخول الحمل ويكون كونه متحركا بالطبع مع الوصول إلى الحوت سبب الانفصال منه ويكون سبب الوصول إلى الحوت الانفصال مما قبله وهكذا يتمادى إلى غير نهاية فترجع الحوادث بعد تسلسل أسبابها الأرضية بالآخرة لا محالة إلى الحركة السماوية لا يمكن أن يكون إلا كذلك وتكون حركة السماء سببا لحدوث الأشياء من وجهين.