Bölüm 14
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
واعلم : أن النفاق يحبط العمل، والرياء يوجب رده، والمن والأذى يحبطان الصدقة أصلا في الوقت، وعند بعض المشايخ يبطلان إضعافها، وأما الندامة: فإنها تحبط العمل في قولهم جميعا، والعجب يذهب إضعاف العمل ، والحسرة والتهاون وخوف الملامة تخفف العمل فتذهب رزانته (2): قلث : فالقبول والرد عند أهل التحصيل يرجعان إلى ضروب من التعظيم والاستخفاف ، والإحباط إبطال منافع تكون بالفعل وبسببه ، ثم تارة يكون إبطالا للثواب، وأخرى إبطالا للتضعيف، والثواب منفعة يقتضيها الفعل بعينه وقرائنه وأحواله، والتضعيف زيادة على هلذا ، والرزانة زيادة تحصل بمقتضى قرائن وأحوال أخر، كالإحسان إلى أحد من أهل الخير ، ثم إلى الوالدين ، ثم إلى نبي من الأنبياء ، ففي السر يكون رزانة ولا يكون تضعيفا .
فهذا تهذيب ما تحققت من هلذه المعاني، فافهم ذلك وبالله التوفيق. ============================================================ فتا (في بيان آصول الرياء والعجب] فعليك بقطع هذذه العقبة المخوفة ، ذات المقاطع والمهالك والمتالف في غاية التحروز، فإن صاحب يضاعة الطاعات قد قطع تلك العقبات، وتحمل تلك المشقات، حتى حصلت له بضاعة من العبادة عزيزة شريفة ، فإنه لا يخاف على بضاعته تلك إلا في هلذه العقبة ؛ فإن فيها مقاطع يحذر أن تسلب فيها بضاعته، ومتالف يحذر أن يبدو منها آفات تفسد عليه طاعته، ثم أعظمها خطرا وأعثها وقوعا هذان القاطعان اللذان هما : الرياء والعجب، فلنذكز في كل واحد منهما أصولا مقنعة نجردها لك، لعلك تكفى مؤنتها بإذن الله تعالى: أما الرياء : فأذكر فيه : أؤلا : قول الله سبحانه : الله الذى خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ينزل الأر بينهن للعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط يكل شىء علما} ، كان الله سبحانه وتعالى يقول : إني خلقت السماوات والأرض وما بينهما في كل هلذه الصنائع والبدائع واكتفيت بنظرك لتعلم أني عالم قادر وأنت تصلي ركعتين ، مع ما فيهما من المعايب والتقصير، فلا تكتفي بنظري إليك، وبعلمي بك، وثنائي عليك، وشكري لك حثى تحب أن يعلم الخلق ليمدحوك بذلك، أيكون ذلك وفاء ؟
أيكون ذلك عقلا يرضاه أحد لنفسه ؟ ويحك أفلا تعقل ؟!
والأصل الثاني : أن من كان له جوهر نفيس ، يمكنه أن يأخذ في ثمنه ألف ألف دينار، فباعه بفلسي. أليس يكون ذلك خسرانا عظيما، وغبنا فظيعا، ودليلا بينا على خسة الهمة ، وقصور العلم ، وضعف الرأي، وقلة العقل ؟
فما يناله العبذ بعمله من الخلق من مدحة وحطام بالإضافة إلى رضا رب العالمين وشكره وثنائه وثوابه .. لأقل من فلس في جنب ألف ألف دينار وأضعاف ذلك ، بل في جنب الدنيا وما فيها واكثر وأكبر، ألا يكون من الخسران المبين أن 235 ============================================================ تفؤت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشريفة بهلذه الأمور الحقيرة الدنية ؟
ثم إن كان ولا بد لك من هلذه الدنيا الخسيسة . . فاقصذ أنت الآخرة تتبغك الذنيا، بل أطلب الرب وحده يعطك الدارين؛ إذ هو مالكهما جميعا، وذلك قوله تعالى : من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواث الدنيا والآخرة) وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة، ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا"(1).
فإذا أنت أخلصت النية، وجردت الهمة للآخرة.. حصلت لك الآخرة والدنيا جميعا، وإن أنت أردت الدنيا.. ذهبت عنك الآخرة في الوقت ، وربما لا تنال الذنيا كما تريذ، وإن نلتها. . فلا تبقى لك، فتكون قد خسرت الدنيا والآخرة، فتأمل ايها العاقل.
والأصل الثالث : أن المخلوق الذي لأجله تعمل، ورضاه تطلب ، لو علم أنك تعمل لأجله. لأبغضك، ولسخط عليك، وأستهان بك، وأستخف بك، فكيف يعمل العاقل العمل لأجل من لو علم به أنه يطلب رضاه.. لسخط عليه وأهانه ؟!
فأعمل يا مسكين لأجل من إذا عملت لأجله، وقصدته بسعيك، وطلبت رضاه بذلك.. أحبك وأكرمك وأعطاك، حتى أرضاك وأغناك عن الكل وكفاك، فهذه هذذه، فافطن لها إن كنت تعقل والأصل الرابع : أن من حصل له سعئ يمكن أن يكتسب به رضا أعظم ملك في الدنيا ، فطلب به رضا كناس خسيس بين الناس.. فيكون ذلك دليلا على السفه ورداءة الرأي منه وسوء الحظ له، ويقال : ما حاجتك إلى رضا هلذا الكناس مع إمكانك من رضا الملك ؟ فكيف وقد سخط الكناس عليك بسبب سخط الملك ، ففاتك الكل ؟! فهذا حال المرائي ============================================================ وايي حاجة إلى إرضاء مخلوق حقير ضعيف مهين وهو متمكن من تحصيل رضوان الله رب العالمين الكافي عن الكل ؟
فإن ضعفت الهمة، وكلت البصيرة، حتى طلبت رضا مخلوق لا محالة..
فسبيلك أن تجرد إرادتك، وتخلص سعيك لله تعالى؛ فإن القلوب والنواصي بيده، فهو يميل إليك القلوب، ويجمع لك التفوس، ويشحن من حبك الضدور، فتنال من ذلك ما لا تناله بجهدك وقصدك، فإن لم تفعل، وقصدت بعملك رضا المخلوقين دونه سبحانه.. فإنه يصرف عنك القلوب، وينفر عنك النفوس، ويسخط عليك الخلق، فيحصل لك بهذا الأمر سخط الله وسخط الناس جميعا، فيا له من خسران وحرمان ولقد ذكر عن الحسن أنه قال : (كان رجل يقول : والله ؛ لأعبدن الله عبادة أذكر بها ، فكان أول داخل المسجد ، وآخر خارج منه ، لا يراه أحد حين الصلاة الأ قائما يصلي، وصائما لا يفطر، ويجلس إلى حلق الذكر ، فلبث كذا سبعة أشهر، وكان لا يمر بقوم إلأ قالوا : فعل الله بهذا المرائي كذا وصنع، فأقبل على نفسه باللوم ، وقال لها : إني أراني في غير شيء ، لأجعلن عملي كله لله، فلم يزذ على عمله الذي كان يعمله قبل ذلك ، إلا أنه تغيرث نييه إلى الخير ، فكان بعد ذلك يمرآ بالناس فيقولون : رحم الله فلانا ، الآن قد أقبل على الخير ، ثم قرأ الحسن : إن الذي ء امنوا وعملوا الصتلكت سيجعل لهم الرحمان ودا، قال : يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين)(1).
ولقدصدق القائل: امن مخلع البسيط] يا مبتغي الحمد والثوابا في عمل تبتغي محالا د خيب الله ذا رياء وأبطل الشعي والكلالا من كان يرجو لقاء رت أخلص من خوفه الفعالا الخلذ والتاد في يديه فرائه يعطك التوالا ============================================================ والناس لا يملكون شينا فكيف راءيتهم ضلالا وأما العجب : فلنذكز فيه أصولا : أحذها : أن فعل العبد إنما صارث له قيمة لما وقع من الله موقع الرضا والقبول، وإلأ.. فترى الأجير يعمل طول النهار بدرهمين، والحارس يسهر طول الليل بدانقين ، وكذلك أصحاب الصناعات والحرف كل واحد يعمل في الليل والنهار، فيكون قيمة ذلك دراهم معدودة ، فإن صرفت الفعل إلى الله سبحانه وتعالى، فصمت لله تعالى يوما.. فيكون صومك ذلك اليوم لا قيمة له إذا رضيه وتقبله ، قال الله تعالى : { إنما يوفى الصنبرون أجرهم بغير حساب} وفي الخبر : " أعددث لعبادي الصائمين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعث، ولا خطرعلى قلب بشر"(1).
فهلذا يومك الذي قيمته درهمان مع أحتمال التعب العظيم. صارت له هلذه القيمة بتأخير غداء إلى عشاء ، ولو قمت ليلة لله تعالى وأخلصتها له . . كان قيامك لا قيمة له في الشرف والنفاسة ، قال الله تعالى : ({ فلا تعلم نقس ما أخفى لهم من قرة أقين جزله بما كاثوا يعملون} ، فهذا الذي قيمته دانقان أو درهمان صار له هلذه القيمة والقذر، بل لو جعلت لله تعالى ساعة تصلي فيها ركعتين خفيفتين ، بل نفسا قلت فيه : لا إله إلأ الله ، قال الله تعالى : { ومن عمل صتلحا من ذكر أو أنف وهو مؤمرب فأولكيك يدخلوب الجحنة يرزقون فيها يغير حساب} ، فهلذا نفس من أنفاسك التي لا قيمة لها عند أهل الدنيا ولا عندك، فكم تضيعها في لا شيء، وكم تمر عليك بلا فائدة.. صار له كل هذا القذر العظيم لماذا؟ لما أنه وقع مرضيا لله تعالى، فعظم قدره، وكبر قيمته بفضله.
فحق إذن للعاقل أن يرى حقارة عمله ، وقلة مقداره من حيث هو، وألا يرى الا منة الله تعالى عليه فيما شرف من قذر عمله، وأعظم من جزائه، وأن يحذر ============================================================ على فعله من أن يقع على وجه لا يصلح لله ولا يقع منه موقع الوضا، فتذهب عنه القيمة التي حصلت له ، ويعود إلى ما كان في الأصل من الثمن الحقير من دراهم أو دوانق، وأحقر وأخس من ذلك : ومثاله : أن العنقود من العنب ، والإضبارة من الريحان (1)، يكون قيمثه في الشوق دانقا، فإن أهداه واحد إلى ملك مع خسته، فوقع منه موقع الرضا..
فيهب له على ذلك ألف دينار؛ لما وقع من الملك موقع الرضا، فصار ما قيمته حبة بألف دينار، فإذا لم يرضه الملك ورده عليه. . رجع إلى قيمته الخسيسة من حبة أو داني، فكذلك ما نحن فيه، فتنبه وأبصر منة الله تعالى، وصن فعلك عما يشينه عند الله عز وجل: والأصل الثاني : ما تعلم أن الملك في الدنيا إذا أجرى على أحد جراية ؛ من طعام أو كسوق، آو دراهم آو دنانير معدودة فانيةآ. فإنه يستخدمآه بضروب الخدمة آناء الليل والنهار ، مع ما في ذلك من ألذل والصغار، ويقوم على رأسه حتى تخدر رجلاه، ويسعى بين يديه إذا ركب ، وربما يحتاج أن يكون على بابه طول الليل حارسا، وربآما يبدو له عدؤ ، فيحتاج أن يقاتل عدوه ، فيبذل روحه التي لا خلف عنها لأجله، ويحتمل كل هذذه الخدمة والكلفة والخطر والضرر لأجل تلك المنفعة النكدة الحقيرة ، مع أنها بالحقيقة من الله تعالى ، وإنما هو بمنزلة سبب في ذلك، فربك الذي خلقك ولم تك شيئا ، ثم رياك فأحسن التربية، ثم أنعم عليك من النعم الظاهرة والباطنة في دينك ونفسك ودنياك ما لا يبلغ كنهها فهمك ووهمك ، قال عز من قائل : { وإن تعدوا تعمت الله لا تحضوها}، ثم إنك تصلي ركعتين مع ما فيهما من المعايب والافات، ومع ما وعد عليهما في المستقبل من حسن الثواب وضروب الكرامات، حتى تستعظم ذلك وتعجب به، فليس هذا من شأن عاقل إذا نظرت، فهذه هلذه .
والأصل الثالث : أن الملك الذي من شأنه أن تخدمه الملوك والأمراء ، ============================================================ وتقوم على رأسه السادات والعظماء، ويتولى خدمته الألباء والحكماء، ويطلب مدحته العقلاء والعلماء ، ويمشي بين يديه الأكابر والرؤساء.. إذا أذن لسوقي أو قروي بمقتضى رأفة وعناية له في بابه حتى زاحم أولئك الملوك والسادات والأكابر والفضلاء في خدمته ومدحته، وجعل له مقاما من حضرته معلوما، ونظر إلى خدمته بعين الوضا وإن كانت مشوشة معيوبة.. أليس يقال له : لقد كبرت على هلذا الحقير المنة من الملك ، وعظمت عنايثه به، فإن أخذ هذذا الحقير يمن على الملك بتلك الخدمة المعيوبة، ويستعظم ذلك ويعجب به.. ألا يقال : إن ذلك لسفيهآ جدا، ومجنون لا يعقل شيئا؟!
ولما تقرر هذا.. فإن إلهنا سبحانه هو الملك الذي يسبع له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبع بحمده ، والمعبود الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها .
فمن الخدم على بابه : جبريل الأمين، وميكائيل ، وإسرافيل، وعزرائيل، وحملة العرش ، والكرويئون ، والروحانيون ، وسائر الملائكة المقربين ، الذين لا يحصي عددهم إلا الله رث العالمين في منازلهم الرفيعة، وأنفسهم الطاهرة، وعباداتهم العظيمة.
ثم من خدامه الذين على بابه : آدم، ونوخ، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد خير العالمين، مع سائر الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، في مراتبهم المنيفة، ومناقبهم العزيزة الشريفة، ومقاماتهم الكريمة، وعباداتهم الجليلة الخطيرة ثم من العلماء : الأئمة الأبرار والزهاد في مراتبهم العظيمة الفاخرة، وأبدانهم النقية الطاهرة، وعباداتهم الكثيرة الخالصة المتظاهرة وأذك الخدم على بابه : ملوك الذنيا وجبابرتها، يخرون له على الأذقان ساجدين صاغرين، ويعفرون الوجوة في الثراب خاضعين، ويرفعون إليه حوائجهم باكين ضارعين، ويعترفون له بالعبودية ولأنفسهم بالنقص ساجدين 24 ============================================================ صاغرين، حتى ربما ينظر إليهم نظرة، ويقضي لهم بفضله حاجة، أو يتجاوز عنهم بكرمه زلة، فمع هلذه العظمة والجلال ، والملك والكمال قد أذن لك في حقارتك وعيوبك، وأنت الذي لو أستأذنت على رئيس بلدك.. فربما لا يأذن لك، وإن كلمت أمير ناحيتك.. فربما لا يكلمك، وإن سجدت لسلطان بلدك بالأرض..
فربما لا يلتفت إليك، أذن لك جل جلاله حتى تعبده وتثني عليه وتخاطبه ، بل تدل عليه بالمسألة وتباسطه، فتستقضيه حاجاتك، وتستكفيه مهماتك، ثم إنه يرضى ركعتيك في معايبهما ، بل يعدآ لك عليهما من الثواب ما لا يخطر بقلب بشر، وأنت مع ذلك تعجب بهاتين الركعتين ، وتستكثر ذلك وتستعظمه، ولا ترى منة الله عليك في ذلك، فما أسوأك من عبد ! وما أجهلك من إنسان ! والله تعالى المستعان، وإليه المشتكى من هلذه النفس الجاهلة وعليه الثكلان، فهاذه هلذه .
فتاق (في ضرب مثال تتضح به حقيقة المعجب بعمله] وعلى وجه آخر: الملك العظيم إذا أذن بإدخال الهدايا إليه ، فيدخل بحضرته الأمراء، والكبراء والرؤساء، والنبلاء والأغنياء بأنواع الهدايا؛ من الجواهر الثمينة، والذخائر النفيسة، والأموال الجليلة. . فإن جاء بقال بباقة بقل ، أو قروي بسلة عنب تساوي دانقا أو حبة، فيدخل في حضرته ويزاحم أولئك الأكابر والأغنياء بهداياهم الكثيرة الشريفة ، وهذا الملك يقبل من هلذا الفقير هديته، وينظر إليه بنظر القبول والرضا، ويأمر له بأنفس خلعة وكرامة..
ألا يكون منه ذلك غاية الفضل والكرم ؟
فإن أخذ هذا الفقير يمن بذلك على الملك ويعجب به، ويستعظمه وينسى ذكر منة الملك. . الا يقال: هلذا مجنون مضطرب العقل ، أو سفيهآ سيىءآ الأدب، عظيم الجهل؟
فالآن إنك إذا قمت لله ليلة وصليت له ركعتين؛ فإذا فرغت.. فتفكر كم قام لله سبحانه في هلذه الليلة من الخدم في أقطار الأرض برها وبحرها ، وجبالها 24 ============================================================ وبلادها، من أصناف المستقيمين والصديقين، والخائفين والمشتاقين، والمجتهدين والمتضرعين، وكم حضرث في هلذه الشاعة بباب الله سبحانه من عبادة صافية، وخدمة خالصة، عن أنفس خاشعة، وألسن طاهرة، وعيون باكية، وقلوب عامرة، وصدور نقية، وأركان تقية، وصلاتك إن كنت بذلت المجهود في تحسينها وإحكامها واخلاصها.. فلا تكاذ تصلح بحضرة هذا الملك العظيم ، ولا تتبين في جنب تلك العبادات التي تعرض هنالك، كيف وقد كانت منك عن قلب غافل مختلط بأنواع العيوب ، وبدن نجسي بأقذار الذنوب ، لولسان متلطخ بأنواع المعصية والفضول ؟! فكيف يصلح هلذا أن يحمل إلى تلك د الحضرة ؟! وكيف يستأهل أن يهدى إلى رب العزة ؟!
قال شيخنا رحمه الله : أنظر أيها الغافل، هل وجهت قط صلاة من صلواتك إلى السماء كمائدة بعثتها إلى بيوت الأغنياء ؟
وكان أبو بكر الوراق يقول : ما فرغت قط من صلاة إلأ استحييت منها حين فرغت منها أشد حياء من أمرأة فرغت من الزنا : ثم إن الرب الكريم سبحانه بمحض كرمه وفضله عظم قدر هاتين الركعتين، ووعد عليهما من جزيل الثواب ما وعد، وأنت عبده وفي جرايته، وعملت ما عملت بتوفيقه وتيسيره، ثم مع ذلك تعجب بذلك وتنسى منة الله عليك، هذا والله أعجب العجب ، لا يكاد يصدر مثله إلأ عن جاهل لا فكر له، وغافل لا ذهن له، وقلب ميت خاو لا خير فيه، فهلذه هذه، نسال الله حسن الكفاية بمنه وفضله فشتا (افي بيان دقة عقبة القوادح، وشدة غبنها، وعظيم خطرها] ثم أقول بعد هلذه الجملة : تيقظ من رقدتك أيها الرجل في هلذه العقية ، وإلا .. كنت من الخاسرين؛ فإن هذذه العقبة أشد وأشق وأمر وأضر عقبة 242 ============================================================ أستقبلئك في هلذه الطريق؛ إذ إليها تنتهي ثمرة كل ما مضى من العقبات ، فإن سلمت.. غنمت وربحت، وإن كانت الأخرى.. فقد ضاع الشعي كله، وخاب الأمل، وبطل العمر.
ثم الشأن كله : أنه قد أجتمع في هلذه العقبة هلهنا ثلاثة أمور : الأول : أن الأمر دقيق جدا، والغبن شديذك، والخطر عظيم.
أما دقة الأمر : فإن مجاري الرياء والعجب في الأعمال دقيقة خفية بالغاية، فلا يكاد يتنبه لذلك إلأ كل نحرير في أمر الدين ، بصير يقظان القلب متحرز ، وأنى يطلع عليه الجاهل اللعوب، والغافل النؤوم ؟!
ولقد سمعث بعض علمائنا رحمهم الله بنيسابور يحكي أن عطاء السليمي (1) رحمه الله تسج ثوبا فأحكمه وحسنه جذا ، ثم حمله إلى الشوق فعرضه فاسترخصه البزاز وقال : إن فيه عيوبا كيت وكيت، فأخذه عطاءآ وجلس يبكي بكاء شديدا ، فندم الرجل على ذلك ، وجعل يعتذر إليه ، ويبذل له في ثمنه ما يريذ، فقال له عطاءآ : ليس ذلك ما تظن، إنما أنا عامل في هلذه الصناعة ، وقد أجتهدت في احكام هلذا الثوب واصلاحه وتحسينه حتى لا يوجد به عيث، فلما غرض على البصير بعيويه.. أظهر فيه عيوبا كنث عنها غافلا، فكيف أعمالنا هلذه إذا عرضت غدا على الله الخبير البصير، كم يبدو فيها من العيوب والنقصان الذي نحن اليوم عنه غافلون ؟1 وعن بعض الصالحين قال : كنت ليلة في وقت السحر في غرفة لي شارعة أقرأ (سورة طه) ، فلما أن ختمثها.. غفوت غفوة، فرأيت شخصا نزل من السماء بيده صحيفة، فنشرها بين يدي ، فإذا فيها (سورة طه)، وإذا تحت كل كلمة عشر حسنات مثبتة إلآ كلمة واحدة، فإني رأيت مكانها محوا ولم أر تحتها ============================================================ شيئا ، فقلت : والله؛ لقد قرأت هلذه الكلمة ولا أرى لها ثوابا ولا أراها أثبتث، فقال الشخص : صدقت، قد قرأتها وكتبناها، إلأ أنا سمعنا مناديا ينادي من قبل العرش : أمحوها وأسقطوا ثوابها، فمحوناها، قال : فبكيث في منامي وقلت : لم فعلتم ذلك ؟ قالوا : مر رجل فرفعت بها صوتك لأجله فذهب ثوابها، فهذه هلذه وأما شدة الغين : فلأن الرياء والعجب آفهآ عظيمة تقع في لحظة ، فربما تفسد عليك عبادة سبعين سنة وحكي أن رجلا أضاف سفيان الثوري - رحمه اللهآ - وأصحابه، فقال لأهله : هاتوا الطبق الذي أتيت به في الحجة الأولى ، بل الذي أتيث به في الحجة الثانية ، فنظر إليه سفيان وقال : مسكينآ، قد أفسد عليه بهذا حجتيه ووجهآ آخر في الغبن : أن أقل طاعة سلمت عن هلذا الرياء والعجب يكون لها من الله عز وجل من القيمة ما لا نهاية له ، وأكبر طاعة إذا أصابتها هذذه الآفة.. بقيت لا قيمة لها إلا أن يتداركها الله تعالى ، على ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : (لا يقل عمل مقبول ألبتة ، وكيف يقل عمل مقبول؟1)(1).
وسيل النخعي عن عمل كذا وكذا ما ثوابآه؟ فقال : إذا قبل. . لا يحصى ثوائه.
وعن وهب قال : كان فيمن كان قبلكم رجل عبد الله سبعين عاما صائما، يفطرو من سبت إلى سبت ، فطلب إلى الله تعالى حاجة فلم تقض له ، فأقبل على نفسه يلومآها وقال : من قبلك أتيث، لو كان عندك خير.. لقضيت حاجتك، فأنزل الله تعالى ملكا فقال : يا بن آدم ؛ ساعتك التي أزريت بنفسك خير من عبادتك التي مضت.
قلث : فلينظر العاقل إلى هلذا الكلام ، أليس من الغبن أن واحدا يكدح ============================================================ ويتعب سبعين سنة، وآخر يتفكر ساعة واحدة، فيكون فكره ساعة أفضل من سبعين سنة وخيرا؟ أليس من الغبن العظيم أنك متمكن من ساعة خير من سبعين سنة وتترك ذلك من غير حاجة ؟1 بلى والله إنه لأعظم الغبن ، وإن إغفاله لأشد خسرانا، وإن الخصلة التي لها هلذه القيمة والخطر يجب أن تحذر وتجتنب، ل ولمثل هلذا المعنى إنما وقع نظر أولي الأبصار من العباد في مثل هلذه الدقائق ، وأهتئوا لمثل هلذه الأسرار بمعرفتها أولا ، ثم رعايتها والتحفظ عنها ثانيا، ولم تغنهم كثرة الأعمال بالظاهر، وقالوا : الشأن في الصفوة لا في الكثرة ، وقالوا : جوهرة واحدة خير من ألف خرزة: وأما الذين قل علمهم، وكل في هذذا الباب نظرهم ، فجهلوا المعاني، وأغفلوا ما في القلوب من العيوب، وأشتغلوا بإتعاب النفوس في الوكوع والشجود، والإمساك عن الطعام والشراب ونحوه. . فغرهم العدذ والكثرة، ولم ينظروا ما فيها من المخ والصفوة ، وما يغني عدد الجوز ولا لب فيها ؟!
وما ينفع رفع الشقوف ولم تحكم مبانيها ؟! وما يعقل هلذه الحقائق إلا العالمون بالله المكاشفون ، والله تعالى ولي الهداية والتوفيق بفضله.
وأما عظم الخطر : فمن وجوه : -أحذها : أن المعبود ملك لا نهاية لجلاله وعظمته .
-وله عليك نعم لا تعد ولا تحصى: ولك بدن معيوت بعيوب خفية، مؤوف بآفات كثيرة - وأمور مخوفة إن وقع زلل مع تسارع النفس إليه ، فتحتاج أن تستخرج عملا صالحا صافيا سالما من بدن معيوب، ونفس ميالة إلى الشر، أمارة بالشوء ، على وجه يصلح لرب العالمين في جلاله وعظمته ، وكثرة أياديه ومنته ، ويقع منه موقع ألوضا والقبول، وإلا.. فيفوتك الربح العظيم الذي لا تسمع النفس بفوته ، بل ربما يصييك فيه مصيبةآ لا طاقة لك بها، وهذا وآلله شأن عظيم ، وخطب جسيم.
245 ============================================================ وأما جلال الملك وعظمئه : بحيث إن الملائكة المقربين الأبرار قائمون له بالخدمة آناء الليل والنهار، حتى إن منهم من هو منذ خلقه الله تعالى في قيام ، ومنهم من هو في ركوع، ومنهم من هو في سجود، ومنهم من هو في تسبيح وتهليل، فلا يتم القائم قيامه، ولا الراكع ركوعه، ولا الساجذ سجوده، ولا المسبح تسبيحه، ولا المهال تهليله، مادا به صوته إلى نفخة الضور، ثم لما فرغوا من هذذه الخدمة العظيمة.. نادوا بأجمعهم : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وهذذا سيد المرسلين وخير العالمين أعلم الخلق وأفضلهم محيد صلى الله عليه وسلم يقول : "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "(1) ، يقول : أنا لا أقدر أن أثني عليك ثناء أنت له أهل، فضلا عن أن أعبدك كما أنت له أهل.
وهو الذي يقول : " ليس أحد يدخل الجنة بعمله" ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته "(2).
وأما النعم والأيادي : فكما قال الله تعالى : { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) وعلى ما روي : " أنه يحشر الناس على ثلاثة دواوين : ديوان الحسنات، وديوان السيئات، وديوان النعم، فتقابل الحسنات بالنعم، فلا يؤتى بحسنة الأ وئؤتى بنعمة، حتى تعم الحسنات النعم ، وتبقى المييات وألذنوب، فلله تعالى فيها المشيئة "(3). ============================================================ وأما عيوب النفس وآفاتها : فقد قدمناها في بابها.
والأمر المخوف : أن العبد يكدح ويدأب سبعين سنة غافلا عن عيوبه وآفاته، فربما لا يكون واحد منها مقبولا، وربما يتعب أعواما فتفسد بساعة واحدة، وأعظم خطرا من ذلك كله : أنه ربما ينظر الله تعالى إلى العبد وهو يرائي الناس بعبادته وخدمته؛ حيث جعل ظاهره لله، وقلبه وباطنه للخلق، فيطرده طردا لا مرد له، والعياذ بالله.
ولقد سمعث بعض العلماء يحكي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه رثي في المنام بعد موته، فسئل عن حاله، فقال : أقامني الله تعالى بين يديه وقال : يا حسن؛ أتذكو يوم كنت تصلي في المسجد إذ رمقك الناس بأبصارهم فزدت حسنا لصلاتك ؟ فلولا أن أول صلاتك كان لي خالصا. . لطردتك اليوم عن بابي ، ولقطعتك عني مرة واحدة : ولما كان الأمر في الجملة من الدقة والصعوبة إلى حد عظيم.. نظر أولو الأبصار فيه فخافوا على أنفسهم، حتى إن منهم من لا يلتفت إلى جميع ما يظهر للناس من أعماله ، حتى حكي عن رابعة أنها قالت : ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئا .
وقال آخر: اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك.
وآخر يقول : إن أمكنك أن تجعل لك خبيا من الخير. . فافعل(1) .
ولقد حكي : أنه قيل لرابعة : بم تربحين اكثر ما ترتجين؟ فقالت : بيأسي من جل عملي: وحكي : (أنه أجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار، فقال مالك : إما الطاعة وإما النار، فقال محمد بن واسع : إما رحمة الله أو النار، فقال مالك : ما أحوجني إلى معلم مثلك!) (2).
1) البه بفتح الخاء ويكسر-: ما خبىء وغاب، سمي بالمصدر (2) أخرجه أبو نعيم في * الحلية "(349/2) ، وأحمد في الزهد" (1901) .
247 ============================================================ وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله قال : (كابدت العبادة ثلاثين سنة، فرأيث قائلا يقول لي : يا أبا يزيد؛ خزائنه مملوءة من العبادة ، فإن أردت الوصول إليه.. فعليك بالذلة والافتقار)(1).
وسمعت الأستاذ أبا الحسن يحكي عن الأستاذ أبي الفضل رحمهما ألله : أنه كان يقول : إني أعلم أن ما أعمله من الطاعات غير مقبولة عند الله تعالى، فقيل له في ذلك، فأجاب : إني أعلم ما يحتاج إليه الفعل حتى يكون مقبولا، وأعلم أني لست أقوم بذلك ، فعلمت أنها غير مقبولة ، قيل له : فلم تفعلها؟ قال : عسل أن يصلحني الله تعالى يوما فتكون النفس متعودة لعمل الخير ، فلا أحتاج الى أن أعودها ذلك من ألرأس ؟
فهاذه حال هؤلاء الأعلام، وذوي المجاهدات والأقدار، فكنت أنت كما قال الشاعر : (امن الكامل] فاطلب لنفسك صحبة مع غيرهم وقع الإياس وخابت الآمال هيهات تدرك بالتواني سادة كذوا النفوس وساعد الإقبال ثم رأيت أني أثبت هلهنا الخبر المأثور عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وقد ذكرناه في غير كتاب(2).
روي عن أبن المبارك رحمه الله عن رجل(3) أنه قال لمعاذ : حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى اللهآ عليه وسلم ، حفظته وذكرته في كل يوم من شدته ودقته، قال: نعم، ثم بكن بكاه طويلا ، ثم قال : واشوقاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى لقائه، ثم قال : بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ركب وأردفني، ثم سرنا فرفع بصره إلى السماء وقال : 8 الحمد لله الذي يقضي في خلقه ما يشاءآ، يا معاذ" ============================================================ قلث : لبيك يا سيد المرسلين.
قال : " أحدثك بحديث؛ إن آنت حفظته.. نفعك، وإن ضيعته..
أنقطعت حجتك عند الله عز وجل، يا معاذ ؛ إن الله تعالى خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات والأرض، لكل سماء ملك، وجعل على كل باب من أبواب السماوات ملكا بؤابا على قذر الباب وجلالته.
فتصعد الحفظة بعمل العبد وله نور وشعاع كالشمس، حتى إذا بلغ السماء الذنيا والحفظة تستكثر عمله وتزكيه؛ فإذا آنتهى إلى الباب.. قال الملك للحفظة : أضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا صاحب الغيبة، أمرني رئي ألا أدع عمل من يغتاب الناس يتجاوزني إلى غيري.
ثم تجيء الحفظة من الغد معهم عمل صالخ له نور، تستكثره الحفظة وتزكيه ، حتى إذا أنتهوا به إلى السماء الثانية. . قال الملك : قفوا وأضربوا بهذا العمل وجه صاحبه؛ فإنه أراد به عرض الدنيا، وأمرني ربآي ألأ أدع عمله يتجاوزني إلى غيري ، فتلعنه الملائكة حتى يمسي.
وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجا به، فيه صدقة وصيام وكثير من البر، فتستكثره الحفظة وتزكيه ، فإذا أنتهوا به إلى السباء الثالثة. . قال الملك البواب : قفوا وأضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا الملك صاحث الكبر ، أمرني رئي ألآ ادع عمله يتجاوزني إلى غيري؛ إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم .
وتصعد الحفظة بعمل العبد وهو يزهر كما تزهر النجوم والكوكب الدري، له دوي وتسبيخ بصوم وصلاة وحج وعمرة، فإذا أنتهوا به إلى السماء الرابعة..
قال الملك الموكل بها : قفوا وأضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا الملك صاحث الإعجاب ، أمرني ربآي الأ أدع عمله يتجاوزني إلى غيري ؛ إنه كان إذا عمل عملا أدخل العجب فيه.
وتصعذ الحفظة بعمل العبد يزف كما تزف العروس إلى أهلها، حتى إذا آنتهوا إلى السماء الخامسة بذلك العمل الحسن من جهاد وحج، له ضوءآ كضوء 249 ============================================================ الشمس.. فيقول الملك الموكل : أنا الملك صاحب الحسد ، إنه كان يحسد الناس على ما آتاهم ألله من فضله ، فقد سخط ما رضي الله، أمرني ربآي ألأ أدع عمله يجاوزني إلى غيري وتصعذ الحفظة بعمل العبد بوضوء تام، وصلاة كثيرة، وصيام وحج وعمرة ، فيتجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول الملك الموكل بالباب : أنا صاحب الرحمة، أضربوا بهاذا العمل وجه صاحبه؛ إنه كان لا يرحم إنسانا قط، وإن أصيب عبد.. شمت به، أمرني ربآي الأ أدع عمله يتجاوزني إلى غيري وتصعذ الحفظة بعمل العيد؛ بنفقة كثيرة، وصوم وصلاة وحج، واجتهاد وورع، له صوث كصوت الرعد ، وضوء كضوء البرق ، فإذا أنتهوا به إلى السماء السابعة.. يقول الملك الموكل بالسماء : أنا صاحب ألذكر، إن صاحب هلذا العمل أراد به الذكر في المجالس ، والوفعة عند القراء ، والجاه عند الكبراء، أمرني رئي ألا أدع عمله يجاوزني الى غيري، وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصا فهو رياء ، ولا يقبل الله تعالى عمل المرائي وتصعذ الحفظة بعمل العبد؛ من صلاة وزكاة وصيام، وحج وعمرة، وخلق حسن، وصمت وذكر لله تعالى ، وتشيعآه ملائكة الشماوات الستبع ، حتى تقطع الحجب كلها إلى الله تعالى ، فيقفون بين يدي الرب جل جلاله، ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص ، فيقول الله تعالى : أنتم الحفظة على عمل عبدي، وأنا الرقيث على ما في نفسه، إنه لم يرذني بهذا العمل ولا أخلصه لي، وأنا أعلم بما أراده بعمله، عليه لعنتي، غر الآدميين وغركم ولم يغرني وأنا علام الغيوب، المطلع على ما في القلوب، لا تخفى علي خافية، ولا تعزب عني عازبة، علمي بما كان كعلمي بما لم يكن، وعلمي بما مضى كعلمي بما بقي، وعلمي بالأولين كعلمي بالاخرين ، أعلم السر وأخفى، فكيف يغرني عبدي بعمله ؟! إنما يغر المخلوقين الذين لا يعلمون، وأنا علام الغيوب، عليه لعنتي ، وتقول الملائكة السبعة والثلاثة الآلاف المشيعون : ============================================================ يا ربنا؛ عليه لعنتك ولعنثنا، فيقول أهل السماوات : عليه لعنة الله ولعنة اللآعنين".
ثم بكى معاذ رحمه الله وأنتحب أنتحابا شديدا ، وقال : يا رسول الله كيف النجاة مما ذكرت ؟
قال : " يا معاذ ؛ أقتد بنبيك في اليقين " .
قلت : أنت رسول الله ، وأنا معاذ بن جبل ، كيف لي بالنجاة والخلاص؟
قال : " نعم يا معاذ، إن كان في عملك تقصير . . فاقطع لسانك عن الوقيعة في الناس، وعن إخوانك من حملة القرآن خاصة ، وليردك عن الوقيعة في الناس ما تعلمه من عيب نفسك، ولا تزك نفسك بذم إخوانك ، ولا ترفع نفسك بوضع اخوانك، ولا تراء بعملك كي تعرف في الناس، ولا تدخل في الدنيا دخولا ينسيك أمر الآخرة، ولا تناج رجلا وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا والآخرة، ولا تفحش في مجلسك حتى يحذروك من سوء خلقك، ولا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب جهنم ، وهو قوله تعالى : والتشطلت نشطا} - يقول - تنزع اللحم عن العظام " .