Bölüm 15
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
قلت : يا رسول الله؛ ومن يطيق هذه الخصال ؟
قال : ل يا معاذ ؛ إن الذي وصفت لك ليسير على من يسره الله تعالى عليه، إنما يكفيك من ذلك أن تحب للناس ما تحث لنفسك، وتكره لهم ما تكرهآ لنفسك، فإذن آنت قد سلمت " قال خالد بن معدان : وكان معاذ لا يكثر من تلاوة القرآن كما يكثر من تلاوة هلذا الحديث وذكره في مجلسه(1). ============================================================ ولما سمعت أيها الرجل بهلذا الحديث العظيم نبؤه ، الكبير خطره، الأليم أثره، الذي تطير له القلوب، وتحير له العقول، وتضيق عن حمله الصدور ، وتجزع من هوله النفوس.. فاعتصم بمولاك إله العالمين ، والزم الباب بالتضؤع والابتهال والبكاء آناء الليل وأطراف النهار مع المتضرعين المبتهلين؛ فإنه لا نجاة من هذا الأمر إلا برحمته، ولا سلامة من هذا البحر إلا بنظره وتوفيقه وعنايته، فتنبه من رقدة الغافلين ، واعقل الأمر حقه، وجاهذ نفسك في هلذه العقبة المخوفة لعلك لا تهلك مع الهالكين، والمستعان بالله تعالى على كل حال، فإنه خير معين، وهو تعالى أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فتا (في بيان ما يصرف الإنسان عن الالتفات إلى الخلق والنفس) وجملة الأمر : أنك إذا أحسنت النظر ، فرأيت قذر طاعة الله تعالى ، ورأيت عجز الخلق وضعفهم وجهلهم.. فلا تلتفت إليهم بقلبك، وكن زاهدا في ثنائهم ومدجهم وتعظيمهم الذي لا فائدة تحته، فلا ترد بطاعتك شيئا من ذلك: وإذا رأيت خسة الدنيا وحقارتها وسرعة زوالها. . فلا ترذها أيضا بطاعتك من الله تعالى ، وقل : يا نفس؛، أثناء رب العالمين وشكره وإعزازه خير أم ثناء المخلوقين العاجزين الجاهلين ، الذين لا يعرفون قذر عملك بالحقيقة، وما تحملت فيه، وما يبلغون حقك فيما عملت وتحملت؟ بل ربما يفضلون عليك من هو أدون حالا منك بألف درجة، ويضيعونك في أحوج الأوقات وينسونك، وإن لم يفعلوا ذلك.. فماذا عسى أن يكون بأيديهم ؟ وإلى ماذا تبلغ قدرتهم؟ ثم هم في قبضة الله تعالى يصرفهم كيف يشاءآ، وإلى ما يشاءآ، فاعقلي أيتها النفس ولا تضيعي طاعتك العزيزة بهم ، ولا يفوتك ثناء من ثناؤه كل فخر ، وعطاء من عطاؤه كل ذخر ، ولقد صدق القائل: (من الكامل] سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير قطعك ضائع 252 ============================================================ وقل : يا نفس؛ أجنة الخلد خير أم لطخة من حرام الدنيا وحطامها النكد الفاني وأنت متمكنة من أن يحصل لك بطاعتك هلذا النعيم المقيم؟ فلا تكوني حسيسة الهمة، رديئة الإرادة، دنيئة الأفعال ، أما ترين الحمام إذا كان سماويا كيف تغلو قيمثه(1)، ويزداد قذره؟ فارفعي همتك كلها إلى السماء، وجردي قلبك لله تعالى الواحد، الذي بيده الأمر كله، ولا تضيعي ما ظفرت به من طاعتك بلا شيء وكذلك إذا أحسنت التايل، فرأيت أيادي الله تعالى ومننه العظام عليك في هلذه الطاعة ؛ بأن أمكنك منها ، وأعطاك الآلة أولا ، ثم أزاح عنك العوائق حتى تفرغت لهلذه الطاعة ثانيا، ثم خصك بالتوفيق والتأييد، ويسرها عليك، وزئنها في قلبك حثى عملتها ثالثا، ثم مع جلاله وعظمته، واستغنائه عنك وعن طاعتك، وكثرة نعمه عليك أعد لك على هلذا العمل اليسير الثناء الجزيل، والثواب العظيم الذي لا تستحقينه رابعا، ثم شكرك على ذلك، وأثنى عليك، وأحبك بذلك خامسا. . فهلذه كلها بفضله العظيم لا غير، وإلا.. فأي أستحقاق لك ؟! وأي قذر لعملك الحقير المعيوب ؟!
فأذكري أيتها النفس منة ربك الكريم الرحيم سبحانه فيما أحسن إليك في هذذه الطاعة ، وأستحيي من أن تلتفتي إلى عملي ، بل الفضل والمنة لله تعالى عليك وعلينا بكل حال ، ولا يكون لك شغل بعد حصول هلذه الطاعة إلأ التضؤع والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بأن يتقبلها، أما تسمعين قول خليله إبراهيم عليه السلام لما فرغ من خدمته في بناء بيته كيف أبتهل إلى الله تعالى في أن يتفضل عليه بالقبول فقال : رتنا تقبل منا إنك أنت السميع العليي} ، ولما فرغ من دعائه قال : ربناوتقبل دعاه)؟
فلئن من عليك بقبول هلذه البضاعة المزجاة. . فلقد أكمل المنة، وأعظم النعمة، فيا لها من سعادة ودولة، وعز ورفعة، وكم ترين في ذلك من خلعة ============================================================ ونعمة، وذخر وكرامة، وإن تكن الأخرى.. فيا له من خسران وغبن وحرمان، فاهتمي وأشتغلي بهذا الشأن .
فإذا واظبت على مثل هذذا وكررته على قلبك عند الفراغ من طاعتك، وأستعنت بالله عز وجل.. صرفك عن الالتفات إلى الخلق والنفس، وشغلك عن مراءاة وإعجاب، وبعثك على محض الإخلاص لله تعالى في الطاعات، والتمشك بذكر منة الله تعالى عليك في جميع الحالات، ويحصل لك أرجى طاعات طاهرة لا عيب فيها، وخيرات خالصة لا شوب فيها، وعبادات مقبولة لا نقص فيها، بل مثل هلذه الطاعة وإن حصلت في العمر مثلا مرة واحدة لا غير.. فإنها بالحقيقة لكثيرة، ولعمري؛ إنها وإن قل عددها.. لقد كثر معناها، وعظم قدرها، وكثر نفعها، وطابت عقباها، وإن التوفيق لمثلها لعزيز، والفضل به لله تعالى على العبد لكثير، فأي هدية أجل من هدية يقبلها رث العالمين ؟! وأي سعي اكرم من سعي يشكره ويثني عليه رت العالمين ؟1 وأيي بضاعة أعز من بضاعة أختارها ورضيها رث العالمين ؟!
فتأمل أيها المسكين ، وإياك أن تكون من المغبونين ، وإذا جرى الأمر على هذذه الجملة. . كنت من المخلصين لله تعالى الخالصين، الذاكرين لمننه المرضيين، وكنت قد خلفت هذه العقبة المخوفة وراءك، وسلمت من آفاتها، وسبقت بخيراتها وثمراتها فائزا على الأبد بكراماتها وسعاداتها، واللهآ سبحانه ولي التوفيق والعصمة بمنه وكرمه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
254 ============================================================ العقبة الشابعة وهي عقبة الحمد والشكر ثم عليك - وفقك الله وإيانا بحسن توفيقه - بعد قطع هلذه العقبات، والظفر بالمقصود من هذذه العبادات السالمة من الأفات بالحمد والشكر لله سبحانه وتعالى على هلذه النعمة العظيمة ، والمنة الكريمة، وإنما يلزمك ذلك لأمرين : أحذهما: لدوام النعمة.
والثاني : لحصول الزيادة.
فأما دوام النعمة : فلأن الشكر قيد النعمة ، به تدوم وتبقى ، وبتركه تزول وتحول، قال الله سبحانه وتعالى : { إب الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسم.
وقال جل من قائل : { فكفرت بأنعو الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بماكانوا يضنعوت وقال سبحانه : ما يفعل الله يعذايكم إن شكرتر وه امنتم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن للنعم أوابد كأوابد الوحش ، فقيدوها بالشكر "(1).
وأما حصول الزيادة : فلما كان الشكر هو قيد النعمة. . فهو ثمن الزيادة، ============================================================ قال الله تعالى : { لين شكرتو لأزيدنكم}، والنين أهتدوا زادهر هدى} الآية، والزين جنهدوا فينالنهدينهم شبآلنا) فالسيد الحكيم إذا راى العبد قد قام بحق نعمة.. يمن عليه بأخرى ، ويراه أهلا لها، وإلا.. فيقطع ذلك عنه.
ثم النعم قسمان : دنيوئة، ودينيةآ.
فالدنيوئة ضربان : نعمةآ نفع، ونعمة دفع: فنعمة النفع : أن أعطاك المصالح والمنافع ، وهي ضربان : الخلقة الشوية في سلامتها وعافيتها والملاذ الشهية من المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها من فوائدها ونعمة الدفع : أن صرف عنك المفاسد والمضار، وهي ضريان : أحدهما : في النفس؛ بأن سلمك من زمانتها وسائر آفاتها وعللها.
والثاني : دفع ما يلحقك به من ضرر من أنواع العوائق، أو يقصدك بسوء من انس أوجن، أو سباع أو هوام أو نحوها: وأئا الثعم الدينية فضربان : نعمة التوفيق ، ونعمة العصمة.
فنعمة التوفيق : أن وفقك الله أؤلا للإسلام ، ثم للشنة ، ثم للطاعة .
ونعمة العصمة : أن عصمك أولا عن الكفر والشرك، ثم عن البدعة والضلالة، ثم سائر المعاصي: وتفصيل ذلك لا يحصيه إلأ السيذ العالم الذي أنعم عليك، كما قال جل وعلا : { وإن تعد وانعمت الله لا تحصوها) وإن دوام هذه النعم كلها بعد أن من عليك بها ، والزيادة عليها من كل باب منها مما لا يحصيه ولا يبلغه وهمك.. كلها متعلق بشيء واحد ، وهو الشكر 256 ============================================================ والحمذ لله، وإن خصلة تكون لها كل هلذه القيمة ، وتكون فيها كل هلذه الفائدة لحقيق أن يتمسك بها من غير إغفال بحال ؛ فإنه جوهر ثمين ، وكيمياء عزيزة ، واللهولي التوفيق بفضله ورحمته: فإن قيل : فما حقيقة الحمد والشكر؟ وما معناهما وحكمهما؟
فاعلم : أن العلماء فرقوا بين الحمد والشكر عند التحصيل؛ بأن الحمد من أشكال التسبيح والتهليل ، فيكون من المساعي الظاهرة ، والشكر من أشكال الصبر والتفويض ، فيكون من المساعي الباطنة ولأن الشكر يقابل الكفران ، والحمد يقابل اللوم ، ولأن الحمد أعم وأكثر ، والشكر أقل وأخص. . قال الله تعالى : وقليل من عبارى الشكور) فثبت آنهما معنيان متميزان.
ثم الحمذ هو : الثناء على أحد بالفعل الحسن ، هذذا مقتضى كلام شيخنا رحمه اللهتعالى: وأما الشكر : فتكلموا في معناه وأكثروا .
فعن آبن عباس رضي الله عنهما أنه قال : (الشكر : هو الطاعة بجميع الجوارح لرب الخلائق في السر والعلانية) وإلى نحوه ذهب بعض مشايخنا فقال : الشكر : هو أداء الطاعات في الظاهر والباطن ، ثم رجع إلى أنه أجتناب المعاصي ظاهرا وباطنا وقال غيره : الشكر : الاحتراس عن أختيار معاصي الله تعالى، تحترسن على قلبك ولسانك وأركانك حتى لا تعصي الله تعالى بشيء من هلذه الثلاثة بوجه من الوجوه: والفرق بين قوله وبين قول الشيخ الأول : أنه رحمه الله جعل الاحتراس معنى مثبتا زائدا على الاجتناب عن المعاصي، وأما الاجتناب عن المعصية ما هو إلا الأ يفعل المعصية عند دواعيها ، ولا يكون في نفسه معنى محصلا يكون العبد به مشتغلا، وعن الكفران معتصما.
26 ============================================================ وقال شيخنا رحمه الله تعالى : إن الشكر : تعظيم المنعم على مقابلة نعمته على حد يمنغه عن جفاء المنعم وكفرانه، ولو قلت : تعظيم المحسن على مقابلة إحسانه ؛ ليصح أن يكون من الله تعالى الشكر للعبد.. فحسن : وفيه تفاصيل قد شرحناها في كتاب " إحياء علوم الدين" وغيره، وللكن التحصيل : أن الشكر من العبد تعظيم يمنع من جفاء من أحسن إليه، وذلك بتذكر إحسانه وحسن حال الشاكر في شكره ، وقبح حال الكافر في كفرانه.
قلث : إن أقل ما يستوجبه المنعم بنعمته ألا يتوصل بها إلى معصية، وما أقبح حال من جعل نعمة المنعم سلاحا على عصيانه فعلى العبد إذن من فرض الشكر في حقيقته أن يكون له من تعظيم الله سبحانه ما يحول بينه وبين معاصيه على حسب تذكر نعمه، فإذا أتى بذلك.. فقد أتى بما هو الأصل فيه، ثم يقابل ذلك بجد في الطاعة، وجه في القيام بالخدمة؛ إذهو من حقوق النعمة ، فلا بد من الاحتراس عن المعصية، وبالله التوفيق.
فإن قلت : فما موضع الشكر؟
فاعلم : أن موضعه النعم الدينية والدنيوية على أقدارهما وأما الشدائد والمصائب في الدنيا ؛ في نفس أو أهل أو مالي : فتكلموا في ذلك هل يلزم العبد الشكر عليها ؟
قال بعضهم : لا يلزم العبد الشكر عليها من حيث هي ، وإنما يجب فيها الصبر، وأما الشكر : فهو على النعمة لا غير ، قالوا : ولا شدة إلأ وفي جنبها نعم الله تعالى ، فيلزم الشكر على تلك النعم المقترنة بها دون نفس الشدة ، وتلك النعم ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما : (ما أبتليت ببلية إلأ كان لله تعالى علي فيها أربع نعم : إذ لم تكن في ديني، وإذ لم تكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا بها، وإذ رجوث الثواب عليها) وقد قيل أيضا : من تلك النعم : أن تلك الشدة زائلة غير دائمة، وأنها 258 ============================================================ من الله تعالى دون غيره ، وإن كانت بسبب مخلوقي. . فإنها لك عليه لا له عليك.
فإذن يلزم العبد الشكر على النعم المقترنة بالشدة .
وقال آخرون - وهو الأولى عند شيخنا رحمه الله تعالى - : إن شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها ؛ لأن تلك الشدائد نعم بالحقيقة ، بدليل أنها تعرض العبد لمنافع عظيمة ، ومثوبات جزيلة، وأعواض كريمة في العاقية، تتلاشى في جنبها مشقة هلذه الشدائد ، وأيي نعمة تكون أكبر من هلذه ؟!
ومثال ذلك : من يسقيك دواء كريها مرا لداء شديد، أو يفصذك أو يحجمك لعلة عظيمة مخوفة الخطر، فيؤدي ذلك إلى صحة النفس، وسلامة البدن، وصفوة العيش. . فيكون إيلامه إتاك بمرارة الدواء، أو جراحة الفصد والحجامة نعمة بالغة بالحقيقة، ومنة ظاهرة، وإن كان في صورته مكروها، ينفر عنه الطبع، وتستوحش منه النفس، وأنت تحمد الذي تولى منك هلذا ، بل تحسن إليه ما أمكنك : فكذلك حكم هلذه الشدائد ، أما ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف حمد الله تعالى وشكره على الشدائد شكره على المسار حيث قال : 8 الحمد لله عليى ما ساء وسر"؟
أما ترى كيف يقول جل جلاله : فعسى أن تكرهوا شيعا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}؟ وما سماه الله تعالى خيرا فهو أكثر مما يبلغه وهمك، يؤكذ هلذا القول أن النعمة ليست خبرا عن اللذة وما تشتهيه النفس بمقتضى الطبع ، وإنما هو ما يزيد في رفعة الدرجة ، ولذلك تسمى نعمة في معنى الزيادة، وإذا كانت الشدة مما تصير سببأ في زيادة شرف العيد ورفعة درجته.. فتكون نعما بالحقيقة وإن كانت تعد في الشدائد والمحن بظاهرها ، فاعلم ذلك موفقا .
فإن قلت : فالشاكر أفضل أم الصابر ؟
فاعلم : أنه قيل : إن الشاكر أفضل، بدليل قوله تعالى : { وقليل من عبادى الشكور)، فجعلهم أخص الخواص: 259 ============================================================ وقال في نوح عليه السلام : إنه كا عبدا شكورا) وقال في إيراهيم صلى الله عليه وسلم : { شاكرا لأنصمه ولأنه في منزلة الإنعام والعافية ، ولذلك قيل : لأن أنعم فأشكر أحث إلي من أن أبتلى فأصبر.
وقيل : بل الصابر أفضل؛ لأنه أعظم مشقة ، فيكون أعظم ثوابا وأرفع منزلة ، قال الله تعالى : { إنا وجدنله صابرا نعم العبد : وقال : إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب) .
وقال تعالى : والله يحب الصدبرين} قلث أنا : الشاكر بالحقيقة لا يكون إلأ صابرا ، والصابر بالحقيقة لا يكون إلأ شاكرا ؛ لأن الشاكر في دار المحنة لا يخلو من محنة يصبر عليها لا محالة ولا يجزع؛ فإن الشكر تعظيم المنعم على حد يمنع من عصيانه ، والجزع عصيان، والصابر لا يخلو من نعمة ، كما ذكرنا أن الشدائد نعم بالحقيقة على المعنى المتقدم، فإنه شكر بالحقيقة إذ صبر؛ لأنه حبس نفسه عن الجزع تعظيما لله تعالى ، وهذا هو الشكر بعينه؛ إذهو تعظيم يمنع عن العصيان: ولأن الشاكر يمنع نفسه عن الكفران فصبر عن المعصية، وحمل نفسه على الشكر، وصبر على الطاعة، فصار صابرا على الحقيقة، والصابر عظم الله تعالى، حتى منعه تعظيمآه عن الجزع فيما أصابه، وحمله على الصبر، فقد شكر الله تعالى، فصار شاكرا بالحقيقة.
ولأن حبس النفس عن الكفران مع قصد النفس له شدة يصبر عليها الشاكز ، وتوفيق الصبر والعصمة نعمة يشكر عليها الصابر، فأحذهما لا ينفك عن الآخر؛ لأن البصيرة الباعثة عليهما واحدة، وهي بصيرة الاستقامة في قول بعض علمائنا، فمن هلذه الوجوه قلتا : إن أحدهما لا ينفك عن الاخر، فاعرف هلذه الجملة ، وبالله التوفيق 29 ============================================================ فتتا (في بيان أصول الحمد والشكر] فعليك - ايها الرجل- ببذل المجهود في قطع هلذه العقبة اليسيرة المؤنة، الكبيرة الجدوى ، العزيزة العنصر ، العظيمة القذر ، وتأمل أصلين : أحذهما: أن النعمة إنما تعطى من يعرف قذرها، وإنما يعرف قذرها الشاكر : ودليل ما قلناه : قوله سبحانه في الحكاية عن الكفار والرد عليهم : أهكؤلاه مب الله عليهر منا ييننا أليس الله يأعلم بالشكرين} ، ظن أولئك الجهال : أن النعمة العظيمة والمنة الكريمة إنما تعطى من يكون اكثرهم مالا ، وأشرفهم حسبا ونسبأ، فقالوا : ما باك هؤلاء الفقراء - بزعمهم - من العبيد والأحرار أعطوا هذه النعمة العظيمة- بزعمكم- دوننا؟ فقالوا على طريق الاستكبار ومجرى الاستهزاء : { أهكؤلاه من الله عليهر من بيننا}، فأجابهم الله تعالى بهلذه النكتة الزاهرة فقال : أليس الله يأعلم بالشككرين} تقدير الكلام : أن السيد الكريم إنما يعطي نعمته من يعرف قدرها، وإنما يعرف قدرها من أقبل عليها بنفسه وقلبه فاختارها على غيرها، ولا يعبأ بما تحمل من أعباء المؤنة في تحصيلها ، ثم لا يزال قائما بالباب يؤدي شكرها، وكان في علمنا السابق أن هؤلاء الضعفاء يعرفون قدر هذه النعمة ويقومون بشكرها، فكانوا أولى بهذه النعمة منكم، فلا اعتبار بغناكم وثروتكم، ولا جاهكم في الدنيا ولا حشمكم، ولا نسبكم في الأنساب ولا حسبكم، إنما تحسبون النعمة كلها الدنيا وحطامها ، والحسب والنسب وعلوه ، لا الدين والعلم والحق ومعرفته، وإنما تعظمون ذلك وتتفاخرون به، أما ترون أنكم لا تكادون تقبلون هلذا الدين والعلم والحق إلآ بمنة على من أتاكم به ، وذلك لاستحقاركم ذلك، وقلة مبالاتكم به ؟ وإن هؤلاء الضعفاء يقتلون أنفسهم على ذلك، ويبذلون مهجهم فيه، ولا يبالون بما فاتهم وبمن عاداهم مع ذلك؛ 221 ============================================================ لتعلموا أنهم هم الذين عرفوا قدر هذذه النعمة، ورسخ في قلوبهم تعظيمآها، وهان عليهم فوت كل شيء دونها، فطاب لهم احتمال كل شدة دونها، يستغرقون جميع العمر في شكرها، فلذلك أستأهلوا هذه المنة الكريمة والنعمة العظيمة في سابق علمنا، وخصصناهم بها دونكم، فهلذه هلذه ثم أقول : وكذلك كل فريق من الناس خصهم الله تعالى بنعمة من نعم ألدين من علم أو عمل. فإنك تجدهم بالحقيقة أعرف الناس بقدرها، وأشدهم تعظيما لها، وأجدهم في تحصيلها، وأعظمهم في إكرامها، وأقومهم بشكرها، والذين حرمهم الله ذلك فلقلة أحتفالهم وتعظيمهم لحقها بعد القذر السابق فلو كان تعظيم العلم والعبادة في قلوب الشوقة والعامة مثل ما هو في قلوب العلماء والمتعبدين.. لما آثروا سوقهم عليه ، وهان عليهم تركه، ألا ترى أن فقيها إذا ظفر بتعليم مسألة كانت ملتبسة عليه.. كيف يرتاح قلئه، ويعظم سروره، ويجل موقعها من قلبه؟ حتى ربما لو وجد ألف ألف دينار.. ما كان يعدل ذلك، وريما يهمه أمر مسألة في باب الدين فيتفكر فيها سنة، بل عشرا ، بل عشرين وأكثر، لا يستكثر ذلك ولا يمل، حتى ربما يرزقه الله تعالى فهم ذلك فيعده أعظم منة، وأكبر نعمة ، ويرى نفسه بذلك أغنى كل غني ، وأشرف كل شريف، بل ربما يتبين مثل هلذه المسألة لسوقي أو متعلم كسلان يرى من نفسه أنه مثله في الرغبة في العلم والمحبة له فلا يستمع إليه حقه، وربما إن طال عليه الكلام يمل وينام ، وإن تبين ذلك له .. فلا يعده كبير أمر : وكذلك المنيب إلى الله تعالى ، كم يجتهد ويدأب بالرياضة وصيانة النفس عن الشهوات واللذات، وإلجام الأركان في الحركات والسكنات، عسى أن يتهم الله تعالى له ركعتين في آداب وطهارة ، وكم يتضرع إلى الله تعالى عسى أن يرزقه ساعة مناجاة بصفوة وحلاوة ، فلئن ظفر بذلك في شهر مرة ، بل في سنة مرة، بل في العمر كله مرة.. عذ ذلك اكبرمنة، وأعظم نعمة، فكم يسو، وكم يشكر الله تعالى ولا يكترث بما قاساه من المشقات ، وكابد من الليالي ، وهجر من اللذات فيها.
============================================================ ثم ترى الذي يزعم أنه راغب في العبادة يحث أن يحصل منها شيئا : لو أحتاج أحدهم في تحصيل مثل هذذه العبادة الصافية إلى نقصان لقمة من عشائهم، أو ترك كلمة لا تعنيهم ، أو دفع نوم ساعة عن أعينهم.. فلا تسمخ أنفسهم بذلك، ولا تطيب قلوبآهم، وإن أتفق لهم في النادر حصول عبادة في صفوة.. فلا يعدونه خطير أمر، ولا يقدمون فيه كثير شكر، إنما يعظم سرورهم، ويكثو بالظاهر حمدهم إذا حصل لهم درهم، أو آستقامت لهم كسرة، أو طابت لهم مرقة ، أو طالت لهم في سلامة البدن رقدة، فيقولون عند ذلك : الحمد لله، هلذا من فضل الله ، فأنى يساوى هؤلاء الغافلون العاجزون مع أولئك الشعداء المجدين المجتهدين 4! ولذلك صار هؤلاء المساكين عن هلذا الخير محرومين، وأولئك المؤيدون به ظافرين فائزين، وكذلك قسم الأمر أحكم الحاكمين سبحانه، وهو أعلم العالمين ، فهاذا تفصيل قوله تعالى : أليس الله يأعلم بالشككرين فتفهم وراعه حقه، وأعلم أنك لم تحرم قط خيرا أنت تتمناه إلأ من قبل نفسك، فابذك مجهودك لتعرف قدر نعمة الله تعالى، وتعظمها حق تعظيمها، فتكون أهلا لها ولإعطائها، ثم يمن عليك بابقائها، كما من عليك بابتدائها، على ما نذكره في الأصل الثاني ، إنه هو الرؤوف الرحيم.
الأصل الثاني : أن النعمة إنما تسلب ممن لا يعرف قدرها ، والذي لا يعرف قدرها الكفور الذي كفرها، ولا يؤدي شكرها : ودليل ذلك : قوله تعالى : وأتل عليهم نبا الذى ماتينله *ايثنا فأنسلخ منها فاتآبعه الشيطنن قكان من الغاورب * ولو شثنا لرفعنله بها الآية.
تقدير الكلام : أنا أنعمنا على هلذا العبد بالنعم العظام ، والأيادي الجسام في باب الدين؛ بما مكناه بذلك من تحصيل الؤتبة الكبيرة ، والمنزلة الرفيعة على بابنا، فيصير رفيعا عندنا، عظيم القدر، كبير الجاه، وللكنه جهل قدر نعمتنا، فمال إلى الدنيا الخسيسة الحقيرة ، وآثر شهوة نفسه الدنيئة الرديئة، ولم يعلم أن الدنيا كلها لا تزن عند الله أدنى نعمة من نعم الدين ، ولا تساوي عنده جناح 223 ============================================================ بعوضة ، فكان في ذلك بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الإكرام والراحة من الإهانة والمشقة، والرفعة والشرف من الحقارة والخية، فهو في الحالتين يلهث، وإنما الكرامة كلها عنده في كسرة يطعمها ، أو عراق مائدة يرمى إليه (1)، سواء تقعده على سرير معك، أو تقيمه في الثراب والقذر بين يديك، فهمثه وكرامثه ونعمثه كلها في ذلك .
فهذا العبذ الشوء جهل قدر نعمتنا، ولم يعرف حق ما آتيناه من كرامتنا، فكلت بصيرته ، وساء في مقام القربة أدبه بالالتفات إلى غيرنا، والاشتغال عن ذكر نعمتنا بدنيا حقيرة، ولذة خسيسة، فنظزنا إليه نظر السياسة، وأحضزناه ميدان العدل، وأمرتا فيه بحكم الجبروت، فسلبناه جميع لعنا وكرامتنا، ونزغنا من قلبه معرفتنا، فانسلخ عاريا عن جميع ما آتيناه من فضلنا ، فصار كلبا طريدا، وشيطانا رجيما مريدا، نعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سخطه، وأليم عقابه، إنه بنا رؤوف رحيم.
ثم أقنع بمثال ملك يكرم عبدا له، فيخلع عليه خاصة ثيابه، ويقربه منه، ويجعله فوق سائر خدامه وحجابه، وأمره بملازمة بابه، ثم أمر أن تبنى له في موضع آخر القصور، وتوضع له الأسرة، وتنصب له الموائد، وتزين له الجواري، وتقام له الغلمان، حتى إذا رجع من الخدمة.. أجلس هنالك ملكا مخدوما مكرما، وما بين حال خدمته إلى ملكه وولايته إلأ ساعة من نهار أو أقل، فإن أبصر هلذا العبذ بجانب باب الملك سائسا للدواب يأكل رغيفا، أو كلبا يمضغ عظما، فيشتغل عن خدمة الملك بنظره إليه، وإقباله عليه، ولا يلتفت إلى ما له من الخلع والكرامة ، فيسعى إلى ذلك الشائس، ويمدآ يده، ويسأله كسرة من رغيفه ، أو يزاحم الكلب على عظمه، ويغبطهما ويعظم ما هما فيه. أليس الملك إذا نظر إليه على مثل هلذه الحالة. . يقول : هذا سفيهآ، حسيس الهمة، لم يعرف حق كرامتنا، ولم ير قدر إعزازنا إتاه بخلعنا، ============================================================ والتقريب إلى حضرتنا، مع ما صرفنا إليه من عنايتنا، وأمزآنا له من الذخائر وضروب الأيادي، ما هذا إلأ ساقط الهمة، عظيم الجهل، قليل التمييز، أسلبوه الخلع وأطردوه عن بابنا ؟1 فهذا حال العالم إذا مال إلى الدنيا، والعابد إذا اتبع الهوى، فبعدما أكرمه الله تعالى بعبادته ومعرفة آياته وشريعته وأحكامه، ثم إنه لم يعرف قدر ذلك، فيصير إلى أحقر شيء عند الله عز وجل وأهونه عنده، فيرغب فيه ويحرص عليه، ويكون أعظم في قلبه وأحب إليه من جميع ما أعطي من تلك النعم العزيزة؛ من العلم والعبادة، والحكم والحقاثق.
وكذلك من خصه الله تعالى بأنواع توفيقه وعصمته، وزينه بأنوار خدمته وعبادته، ويديم النظر إليه بالرحمة في اكثر أوقاته ، ويباهي به ملائكته ، وأعطاه على بابه القيادة والوجاهة، وأحله محل الشفاعة ، وأنزله منزلة الأعزة، حتى صار بحيث لو دعاه.. لأجابه ولباه، ولو سأله. لأعطاه وأغناه، ولو شفع في عالم. لشفعه فيهم وأرضاه، ولو أقسم عليه.. لأبره وأوفاه، ولو خطر بباله شيء.. لأعطاه قبل أن يسأله بلسانه، فمن كانت هلذه حاله، ثم لم يعرف قدر هذا المنعم ، ولم ينظر إلى قذر هذه النعمة، فيعدل عن ذلك إلى شهوة نفس رديثآة لا حياء لها ، أو لعقة من الدنيا الدنيثة التي لا بقاء لها ، ولم ينظر إلى تلك الكرامات والخلع والهدايا ، والمنن والعطايا ، ثم ما وعد وأعد له في الاخرة من الثواب العظيم، والنعيم المقيم. فما أحقرها إذن من نفسي ، وما أسوأه من عبد، وما أعظم خطره لو علم، وما أفحش صنيعه لوفهم !!
نسال الله البر الرحيم أن يصلحنا بعظيم فضله ، وسعة رحمته، إنه أرحم الراحمين فعليك - أيها الرجل- ببذل المجهود حتى تعرف قدر نعم الله تعالى عليك، فإذا أنعم عليك بنعمة ألدين. . فإياك أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها ؛ فإن ذلك لا يكون منك إلا بضرب من التهاون بما أولاك ربك من نعم ألدين ، أما تسمع قوله تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : ولقد وانيتاك سبعا من المثانى 265 ============================================================ والقره اب العظيم * لا تمدن عينيك إلى ما متعنايهه أزوجا منهو} الآية؟
تقديره : أن كل من أوتي القرآن العظيم حق له ألا ينظر إلى الدنيا الحقيرة نظرة باستحلاء واستحسان قط ، فضلا عن أن يكون له فيها رغبة ، وليلزم الشكر لله على ذلك؛ فإنها الكرامة التي حرص خليله إبراهيم صلوات الله على نيئتا وعليه أن يمن بها على أبيه فلم يفعل، وحرص حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يمن بها على عمه أبي طالب فلم يفعل: وأما حطام الدنيا : فإنه يصئه على كل كافر وفرعون، وملحد وزنديق، وجاهل وفاسق ، الذين هم أهون خلقه عليه ، حتى يغرقوا فيه ، ويصرفه عن كل نبي وصفي، وصديق وعالم وعابد، الذين هم أعز خلقه عليه، حتى إنهم لا يكادون يصيبون كسرة وخرقة، ويمن عليهم بألأ يلطخهم بقذرها، حتى قال عز من قائل لموسى وهارون عليهما السلام : ( ولو أشاء أن أزينكما بزينة يعلم فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عنها.. لفعلت ، وللكني أزوي عنكما الدنيا وأرغب بكما عنها ، وكذلك أفعل بأوليائي ، وإني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها(1) ، وليس (2 ذلك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا حظهم من كرامتي)(2).
وقال تعالى : ( ولؤلا أن يكون الناش أتة وحدة لجعلنا لمن يكفر بالرمن ابيوتهم سقفا من فضة الآيتين .
فانظر الفرق بين الأمرين إن كنت مبصرا ، وقل : الحمد لله الذي من علينا بمنن أوليائه وأصفيائه، وصرف عنا فتنة أعدائه، لنحظى ونخص بالشكر الأوفر ، والحمد الاكبر، والمنة الكبرى، والنعمة العظمى التي هي الإسلام ، فإنها الأؤلى والأحرى بألا تفتر ليلك ونهارك عن شكرها ، فإن كنت عاجزا عن عرفان قذرها.. فاعلم بالحقيقة أنك لو خلقت من أول الدنيا ، وأخذت في شكر ============================================================ الإسلام من أول الوقت إلى الأبد.. لما كنت تقوم بذلك، ولما قضيت بعض الحق؛ لما هنالك من الفوز العظيم : قلث : وأعلم : أن الموضع لا يحتمل ذكر ما يبلغه علمي من قذر هذذه النعمة ، ولو أمليت فيه ألف ورقة.. لكان مبلغ علمي فوق ذلك، مع أعترافي بأن ما أعلمه في جنب ما لا أعلمه كنفثة في بحار الدنيا بأسرها ، أما تسمع -ويحك - قوله تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيين إلى أن قال(1) : وعلمك ما لم تكن تعلم وكا فضل الله عليك عظيما}؟
وقال تعالى لقوم : بل الله يمن عليكر أن هدنكر للايمن} الآية أما تسمع قوله صلى الله عليه وسلم وقد سمع رجلا يقول : الحمذ لله على الإسلام، فقال : "إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة " ؟(2).
ولما قدم البشير على يعقوب عليه الصلاة والسلام. قال : (على أي دين تركته ؟ قال : على الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة)(3).
وقيل : ما من كلمة أحب إلى الله تعالى ، ولا أبلغ عنده في الشكر من أن يقول العبد : الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام .
وإياك أن تغفل الشكر وتغتر بما أنت عليه في الحال من الإسلام والمعرفة، والتوفيق والعصمة؛ فإن مع ذلك لا موضع للأمن والغفلة؛ فإن الأمور بالعواقب. ============================================================ وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول : ما أمن أحد على دينه إلأ سلب .
وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول : إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار. . فلا تأمن على نفسك ؛ فإن الأمر على الخطر ، ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب ؛ فلا تغتر بصفاوة الأوقات؛ فإن تحتها غوامض الافات: وقال بعضهم : يا معشر المغترين بالعصم؛ إن تحتها أنواع النقم ، زين الله ابليس بأنواع عصمته وهو عنده في حقائق لعنته، وزين بلعم بأنوار ولايته وهو عنده في حقائق عداوته.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال : (كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بحسن القول فيه ، وكم من مغرور بالستر عليه)(1).
وقيل لذي النون : ما أقصى ما ئخدع به العبد؟ قال: (بالألطاف والكرامات)(1).
ولذلك قال الله سبحانه : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون قال أهل المعرفة : (نسبغ عليهم النعم ، وننسيهم الشكر)(3)، كما قال الشاعر: أمن البسيط) أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر(4) واعلم: أنك كلما صرت أقرب.. فأمرك أخوف وأصعب، والمعاملة أشد وأدق، والخطر عليك أعظم؛ فإن الشيء كلما كان أبلغ علوا إذا أنقلب . . كان ============================================================ امن مجزوه الرجز] أصعب وقوعا، كما قيل: ما طار طيو فارتفع إلأ كما طار وقم(1) فإذن لا سبيل إلى الأمن، وإغفال الشكر، وترك الابتهال في الحفظ بحال: وكان إبراهيم بن أدهم يقول : كيف تأمن وإبراهيم الخليل صلوات الله وسلامآه عليه يقول : وأجنبنى وبني أن نعبد الأصنام}، ويوسف الصديق عليه السلام يقول : { توفنى مسلما) ؟!
وكان سفيان الثوريي لا يزال يقول : (اللهم؛ سلم سلم)(2) ، كأنه في سفينة يخشى الغرق.
وبلغنا عن محمد بن يوسف رحمه الله أنه قال : تأملت سفيان الثوري ليلة فبكى الليل أجمع، فقلث : بكاؤك هلذا على الدنوب ؟ قال : فحمل تبنة وقال : الذنب أهون على الله من هلذا ، إنما أخشى أن يسلبني الإسلام ، والعياذ بالله.
وسمعث أنا بعض العارفين يقول : إن بعض الأنبياء صلوات الله عليهم سأل الله تعالى عن أمر بلعم وطرده بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مرة واحدة.. لما سلبيه: فتيقظ أيها الرجل، واحتفظ بركن الشكر جدا جدا ، وأحمد الله تعالى على نعمه في الدين، وأعلاها الإسلام والمعرفة، وأدناها مثلا توفيق تسبيح أو عصمة عن كلمة لا تعنيك ، عسى أن يتم نعمه عليك ، ولا يبتليك بمرارة الزوال؛ فإن أمر الأمور وأصعبها الإهانة بعد الإكرام ، والطرد بعد التقريب، والفراق بعد الوصال، والله تعالى الماجد الكريم، الرؤوف الرحيم. ============================================================ فتاق (في أن حسن التعامل مع نعم الله تعالى سبب للاستقامة والاستزادة] وجملة الأمر : أنك إذا أحسنت النظر في منن الله تعالى العظام عليك ، وأياديه الجسام الكرام لديك، التي لا يحصرها قلبك، ولا يحيط بها وهمك، حتى خلفت هذذه العقبات الصعاب، فوجدت العلوم والبصائر، وتطهرت من الأوزار والكبائر، وسبقت العوائق، ودفعت العوارض، وظفرت بالبواعث، ال وسلمت من القوادح، فكم حصل لك فيها من خصلة شريفة، ورتبة منيفة، أولها التبصير والتعريف، وآخوها التقريب والتشريف، فتأملت فيها بمقدار عقلك وتوفيقك، وشكرت الله جل جلاله على قذر طوقك؛ بأن يشغل لسانك بحمده وثنائه، ويملأ قلبك بعظمته، ويبلغك مبلغأ يحول بينك وبين عصيانه، ويبعثك على الخدمة له بما أمكنك، أو بسعة طاقتك، معترفا بالقصور عن حق انعامه وإحسانه، وكلما أغفلت شكره أو فترت أو زللت.. عاودت وآجتهدت، وتضرعت إليه وابتهلت وتوسلت، وقلت : يا ألله، يا مولاي؛ كما بدأت بالإحسان بفضلك من غير أستحقاق.. فأتمثه بفضلك أيضأ من غير أستحقاق، وتناديه بنداء الأولياء الذين وجدوا تاج هدايته ، وذاقوا حلاوة معرفته، فخافوا على أنفسهم حرقة الطرد والإهانة، ووحشة البعد والضملالة، ومرارة العزل والإزالة، فتضرعوا بالباب مستغيئين ، ومدوا إليه الأكف مبتهلين ، ونادوا في الخلوات مستصرخين : ربنا لا ترغ قلوينا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لانك رحمة إناك أنت الوهاب} قلث أنا : تقديره والله اعلم : أنا وجذنا منك نعمة فطمعنا في أخرى؛ لأنك أنت الجواد الوهاب الكريم، فكما وهبت لنا مزية الإنعام في الابتداء. . فهب لنا رحمة الإتمام في الانتهاء ، أما تسمع - ويحك - أن أول دعاء علمه رت العالمين عباده المسلمين الذين أصطفاهم من بين خلقه هذا الدعاء؛ قوله تعالى : 27 ============================================================ آهدنا الصرط المستقيد) أي : ثبتنا عليه وأدمه لنا ، هلكذا تتضرع إليه ؛ فإن الخطر عظيم وقيل: إن الحكماء نظروا فرثوا مصائب العالم ومحنهم إلى خمسي : المرض في الغربة، والفقر في الشيب، والموت في الشباب، والعمى بعد البصر، والنكرة بعد المعرفة.
وأحسن من ذلك قول من قال : (من البسيط) لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض [من الطويل) ولغيره: إذا أبقت الثنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر (1) وكذلك في كل نعمة أنعم بها عليك، وتأييد أيدك به في قطع عقبة من العقبات؛ ليثبت عليك ما أعطى، ويزيدك فوق ما تريذ وتتمنى، فاذا فعلت ذلك(2).. كنت قد خلفت هلذه العقبة الخطيرة ، وكنت قد ظفرت بالكنزين الكريمين العزيزين، اللذين هما : الاستقامة والاستزادة ، فتدوم لك النعم الموجودة التي أعطاكها فلا تخشى زوالها، ويزيذك من النعم المفقودة التي لم تعط بعذ ما لا تحسن أن تسألها وتتمناها فلا تخشى فواتها، وكنت حينئذ من العارفين العلماء العاملين بالدين ، التائبين الطاهرين ، الزاهدين في الدنيا ، المتجردين للخدمة ، القاهرين للشيطان ، المتقين الله حق التقوى بالقلب والأركان ، القاصرين للأمل، الناصحين الخاشعين المتواضعين ، المتوكلين المفوضين ، الراضين الصابرين ، الخائفين الراجين ، المخلصين الذاكرين المنة، الشاكرين لأنعم سيدهم رب العالمين ، ثم تصير بعد ذلك من المستقيمين المكرمين الصديقين ، فتأمل هلذا الكلام ، والله تعالى ولي التوفيق .
فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك . . لقد قل من الناس العابد لهذا المعبود ، ============================================================ والواصل إلى هلذا المقصود ، ومن الذي يقوى على هذذه المؤن وتحصيل هذذه الشرائط والشنن ؟!
فاعلم : أن الله تعالى كذلك يقول : وقليل من عبارى الشكور) ، ( والنكن أكثرالناس لا يشكرون)، لا يعقلون)، لا يعلموب ثم إن ذلك يسير على من يسره الله تعالى عليه، وعلى العبد الاجتهاد ، وعلى الله سبحانه الهداية ، قال الله تعالى : ({ وألزين جهدوا فينا لنهدينهم شسبلنا) وإذا كان العبذ الضعيف يقوم بما عليه.. فما ظنك بالرب القدير الغني الكريم الرحيم ؟!
فإن قلت : فالعمر قصير ، وهلذه عقبات طويلة شديدة، فكيف يبقى العمر حتى تكمل هذه الشرائط، وتقطع هلذه العقباث ؟!
فلعمري؛ إن هذذه العقبات طويلة، والشرائط فيها شديدة، وللكن إذا أراد الله تعالى أن يجتبي عبده.. قصر عليه طويلها، وهون عليه شديدها، حتى يقول بعد قطعها: ما أقرب هذه الطريق وأقصرها! وما أهون هذذا الأمر وأيسره !
وفي مثل ذلك قلت أنا عند وقوفي على هلذه الغاية : [من الكامل) علم المحجة واضخ لمريده وأرى القلوب عن المحجة في عمى ولقد عجبث لهالك ونجاته موجودة ولقد عجبت لمن نجا(1) حتى إن منهم من يقطع هذذه العقبات في سبعين سنة، ومنهم من يقطعها في عشرين سنة، ومنهم من يقطغها في عشر سنين، ومنهم من يحصل له في سنة، ومنهم من يقطعها في شهر، بل في جمعة، بل في ساعة، حتى إن منهم من يحصل له في لحظة بتوفيق خاص وعناية سابقة من الله سبحانه. ============================================================ أما تذكر أصحاب الكهف ؟ كانث مدتهم خطرة؛ حيث رأوا التغير في وجه ملكهم دقيانوس فقالوا : رتنارت السملوت والأرض) الآية حصلت لهم المعرفة في تلك اللحظة، وأبصروا ما في هذا الطريق من الحقائق، وقطعوا هلذه الطريق فصاروا مفوضين متوكلين مستقيمين؛ إذ قالوا : ( فأوها إلى الكفف ينشر لكز ريكم من رحمته } الآية.