☪ Anlam Arayışı

← er-Riâye li-Hukûkillâh

Bölüm 53

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

فابتدأه بهذه الأحوال الدنيا، ثم نقله إلى هذه الأحوال الرفيعة، فصار موجودا بعد العدم، وحيا بعد الموت، وناطقا بعد الخرس، وسميعا بعد الصمم، وبصيرا بعد العمى، وفويا بعد الضعف، وغنيا بعد الغقر، ومهتديا بعد الضلالة .

(1) الزبر : الشدة.

(2) انظر مقدمة كتاب المكاسب للمحاسي. من تحقيقنا ضمن كتاب "المسائل في " أعمال القلوب والجوارح" عالم الكتب - القاهرة . وسيظهر قريبا في طبعة جديدة . دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.

============================================================ فالأحوال الأولى ابتداه بها يعرفه بها نفسه، ليشهد عليها بالذلة، والضعف والقلة، والحاجة والمسكنة، ليعرف بذلك صغر قدره، ولتردعه معرفة ذلك عن الكبر والفخر والبطر والخخيلاء والعجب بنفسه .

فما بداه من صغر القدر، وضعة المنازل، عليه فيها من الله عز وجل نعمة سابغة، إذ عرف نفسه، فردعه ذلك ان يوز قدرها، وحجزه - إن عقل - عن الكبر والفخر والبطر.

والنعمة الثانية عليه من الله عز وجل سابغة، إذ عرف بها ربه الذي نقله من الأحوال الدنية المذمومة، إلى الأحوال الرفيعة، فكلا النعمتين سابغة من الله عز وجل ، فالأولى عرف نفسه وبالثانية عرف ربه عز وجل، فبالأولى يصغر قدر نفسه عنده، وبالثانية يعظم قدر ربه عنده، فيخضع ويذل لمولاه شكرا ، إذ رفع خسيسته بعد الضعة وصغر القدر والمهانة .

فمن كان بدوه هذا البدو، وأحواله هذه الأحوال فإنه عن الكبر بمعزل، كا قال لقمان لابنه: يا بني ما للترابي (1) وللكبر؟ ! وصدق رحمه الله : من كان أصله مما يداس بالأقدام - ومع ذلك إنه خمر طينته حتى صارت حمأ مسنونا - كيف يتكبر وأصله دي وضيع عند الخلق؟ لأنه إذا أراد أن يصغر بقدر غيره، قال: لأنت أهون علي من التراب الذي أطؤه بقدمي، ولأنت أنتن من الحمأة. وأصل أبن آدم من التراب الذي يوطأ بالأقدام، وحما مسنون قد أسن فأنتن، ثم صار بعد الأصل من نطفة قذرة، ومنها فصله.

وإذا عير الرجل الرجل، واراد أن يصغر بقدره ، قال لا اصل لك ولا فصل والأصل عند العرب: الحجد، والغصل : الأب، فكان أصله التراب وفصله النطفةا لأن جده هو التراب، وابوه هو النطفة، وهو بعد آبيه من نطفة، فالأصل يوطا بالأقدام، والنطفة تغسل منها الأجساد والثياب، فخلق من دناءه وضعف وأقذار الم تسمع إلى قول الله عز وجل: قتل الإنسان ما أكفره . من أي شيء (1) الترابي : هو الإنسان منسوب إلى التراب ومخلوق منه .

397 ============================================================ خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره(1) وقال عز وجل: { من ماء مهين) (2).

وقال النبي عالله : " يقول الله عز وجل: أيعجزني ابن آدم؟ وإنما خلقتك من مثل هذه " . وبزق النبي في كفه. (2).

فخلق الإنسان من أقذار، وسكن في أقذار، وخرج من أقذار ، لأنه خرج من صلب، ثم من ذكر من مجرى البول إلى الرحم، ثم خرج منه من مجرى القذر ، كم قال أنس بن مالك : كان أبو بكر رحمة الله عليه يخطبنا، فيقول في خطبته : " خرج أحدكم من مجرى البول مرتين" حتى يقذر إلى أحدنا نفسه .

فأؤل ابن آدم من تراب، ثم من نطفة موات، ثم من علقة موات، ثم من مضغة موات، ثم من جسم موات، لا يسمع ولا يبصر، ولا ينطق ولا يعقل، ولا يتحرك، لما به من الذلة والمهانة ، ثم نفخ فيه الروح، ثم أخرج إلى الدنيا بعد ما نقله من هذه الأحوال، فأخرجه حيا ضعيفا صبيا صغيرا ذليلا، ثم وكل به الأقذار ل الرجيع في بطنه، والبول في مثانته ، والمخاط في أنفه ، والبزاق في فمه، والوسخ في أذنيه، ثم النتن والأقذار تسرع إليه، إن تهاون بنفسه ان يغسلها او ينظفها، صار انتن من الدواب، ووكلت به الأمراض والطبائع المختلفة المتضادة، لا تفارقه من المرة والبلغم والريح والدم.

وهو مع ذلك عبد ذليل امره إلى غيره، يجوع كرهأ مقهورا، ويعيش كرها مقهورا ، ويغلبه النوم كرها مقهورا ، لا يملك لنفسه في ذلك ضرا ولا نفعا، يغلب في المكروهات، يريد من نفسه ما لا يقدر ، يريد الا يجوع ولا يعطش ، ولا يظم ولا بيمرض، فينزل به من ذلك خلاف مراده، ويريد ان يذكر الشيء فينساه ويريد ان ينسى الشيء فيذكره.

(1) سورة عبس، الآية: 19.

(2) سورة السجدة، الآية: 8.

(3) اخرجه : ابن ماجه في سننه، الباب الرابع من كتاب الوصايا، واحمد بن حنبل 210/4.

398 ============================================================ ثم هو مع ذلك لا يأمن ان يكون تلفه فيما يريد ويحب، ولعله يكون تلفه في شبعه أو نومه فلا يقوم منه.

عبد مملوك ذليل، يقلبه غيره، ولا يأمن في ليله ونهاره ان يسلب سمعه وبصره وجميع جوارحه وعقله، أو بعض ذلك، حتى يرد إلى بعض أحواله في بداءته من العمى او الصمم او البكم أو الجهل، حتى يذهب عقله ، وقد رأى الله عز وجل فعل ذلك بكثير من خلقه.

م هو مع ذلك لا يضمر بقلبه، ولا يحرك جارحة من جوارحه، ولا يكتسب ولا ينفق ، ولا يأكل ولا يشرب، إلا وعليه من يحصي ذلك كله عليه، حتى جاسب به وينظر فيه.

م هو مع ذلك لا يأمن ان يسلب ملكه، فعليه في ملكه مالك ، وليس هو لنفسه بالك، ولا على ما أراد فيها بقادر.

وهو مع ذلك مخالف لمالكه ومولاه غير شاكر له ، وناس غير ذاكر له، وقد ركب كثيرا مما قد نهاه عنه، وضيع كثيرا مما امره به، قد استوجب بذلك من العذاب، ما إن لم يعف عنه كانت الخنازير والكلاب خيرا منه وأفضل ، وأنظف وأطهر وأطيب وأرفع منه ، لأن الخنازير والكلاب تصير ترابا، وهو يصير معذبا أبدا.

لو وجد الخلائق نتن ريحه لماتوا من نتنه، ولو راوه لصعقوا من وحشة خلقته ولو قطرت قطرة من شرابه - الذي يشربه ويفزع إليه ليسكن به عطشه - على جبال الدنيا لأذابتها ، مخلد في غاية الذل والخضوع، والمسكنة والهوان والعذاب.

فمن هو في الدنيا بهذا الوصف وأعظم منه قد وجب في رقبته واستحقه وحكم عليه به كيف يكون ذله وتواضعه، كيف ينبغي لمن كان هذا الوصف قد وجب عليه أن يتقلب بين العباد؟ وهل يمتنع هذا إن عقل ان يكون في نفسه ذليلا مهينا؟ .

399 ============================================================ ارأيت من وجب عليه حكم ألف سوط (1) وهو في سجن ينتظر ان يخرج إلى العرض فيمضي فيه من الضرب ما قد حكم عليه به ، كيف ذلته في السجن ، وتوقعه في كل وقت، إلى أن يخرج إلى العرض فيقضي فيه الحكم فليس هو في الدنيا وهو في السجن قد وجب عليه العذاب، لا يدري متى خرج من الدنيا إلى العرض ليحكم عليه بالعذاب؟ إلا أن يعفو الكريم.

وهو مع ما قد وجب عليه يتوقع الموت، فالموت خاتمة عيشه، لأنه قد علم ان آخر حياته إلى الموت، فيعاد كما كان بطء خلقه ميتأ بعد ان كان حيا.

ام تسمع إلى قولهم: { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين )(2)؟ أي كنا امواتا في أصلاب آبائنا، ثم أحييتنا ثم أمتنا بعد الحياة.

فيصير ميتا كما بدأ الله عز وجل خلقه، فيعمى بعد البصر، ويصم بعد السمع، ويبكم بعد النطق، وتتقطع أوصاله، ويصير جيفة تقذره الدواب والخلائق، ثم يبلى فينخر عظمه، ويصير ترابا، إلا عجب الذنب (2)، كما قال النبي عاله "يبلى من ابن آدم كل شيء إلا عجب الذنب" (4) .

فيصير ترابا، فيرجع إلى أصله الذي خلق منه أبوه الأول، فيصير معدوما بعد أن كان موجودا ، كما كانت الدهور قبله ولم يكن فيها شيئا مذكورا ، ثم يحييه اله عز وجل بعد طول البلى، فيخرجه إلى أهوال القيامة فتحدق به كلها : من سماء مزقه وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منتثرة، وشمس وفمر مطموسين، زفير (1) في ط: صوت خطا.

(2) سورة غافر، الآية: 11.

(3) عظم صغير في أسفل العمود الفقري منه يكون نباته يوم القيامة كما جاءت بذلك الاحاديث .

(انظر البدور السافرة للسيوطي) .

(4) اخرجه : البخاري في صحيحه، سورة 39 من كتاب التفسير. ومسلم في صحيحه، حديث 141، 143، من كتاب الفتن، وابو داود في سننه ، الباب 22 من كتاب السنة، واانسائي في سننه الباب 117 من كتاب الجنائز . وابن ماجه في سننه ، الباب 32 من كتاب الزهد . ومالك في الموطا حديث 49 من كتاب الحجنائز، وأحمد بن حنبل في المسند 322/2، 428، 499، 28/3 .

============================================================ جهنم في سمعه، وركوب الصراط لا بد له آن يركبه بضعفه .

م يعرض على مولاه، فيسائله عن كل عمله، ثم الحكم الذي وجب عليه أن يصرفه من بين يديه بعد السؤال إلى عذاب لا ينقطع، في غاية الهوان والذل والخضوع، فيصرفه إليه إن لم يعف عنه .

فإذا تذكر العبد وتفكر كيف كان بدوه، وما آصله وفصله، وفي ضعفه ومسكنته وصغر قدره في نفسه مما يتقلب فيه من المكروهات، من غير مؤامراته (1) ومما لا يكاد ان ينفك منه من الأسقام والغموم، والوجع والجوع والظما، وما وجب عليه من العذاب والهوان، وما يصير إليه من الموت والبلى، وما بعد الموت مما يعاين من الأهوال وما يخاف آن يصير إليه من العذاب، زال عنه الكبر ولزمه الخضوع والذلة والتواضع للمولى عز وجل، والشكر للمنعم تعالى ، والإنكسار للخوف من العقاب، فإذا عرف ذلك عرف قدره وصغر قدر نفسه في الدين والدنيا عنده .

وأمثال ذلك كثيرة، وليس كمثله في صغر القدر مثل بدو ابن آدم إذا تفكر فيه، فصغر قدره عند نفسه كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم، آخبره بذلك والده وكذبه في خبره، فكانت نخوة الهاشمية في نفسه، متعظم متكبر جحسبه، يحقر من دونه ، ويتفخر عليه، لأنه لا يشك ان الذي حدثه به والده عن أصله وحسبه قد صدقه فيه.

فبينا هو في نخوته وكبره وتعظمه، إذ آتاه رجلان او عدة رجال من يثق بهم ولا يشك في صدقهم، أصدق عنده وأبر من والده عن علم، يخبرونه عن كبر اسنانهم، وقديم معرفتهم باصله، واخبروه بينه وبينهم آنه من الخوز او النبط او السند، فصدقهم ولم يشك في قولهم، وأن أباه قد كذبه وأخبره بالباطل، هل كان يتنع أن يذل في نفسه ، وتنكسر تلك النخوة من قلبه؟ وإن أظهر غير ذلك إذا ايقن انه على خلاف ما كان يرى ويظن.

(1) أيي: من غير استشارته فيما يقع له من مكروه.

401 ============================================================ و كذلك ابن آدم، يتكبر ويتعظم، حتى كأنه ليس أصله التراب والنطفة والضعف والمهانة والذلة والمسكنة والضر والزمانة (1) ، فإذا تفكر وصدق نفسه عن الخبر بالتذكر عن بدوه وأصله، ومم هو وكيف كانت أحواله، لم يمتنع ان يذل في نفسه وينكسر عن نخوته وكبره.

ومثل حياته وصحته وما يتقلب فيه من ملكه وغناه، مثل رجل كان عند نفسه حرا لا يشك فيه ، ثم مات والده، وأورثاه مالا كثيرا ، فكان يتعظم ويتكبر بشبابه وحسن جسمه وهيأته وغناه وملكه، وهو مع ذلك في سعة من المنازل والنظافة والطيب والمنعة والحرز والأمن.

فبينما هو كذلك متكبرا متعظما في نفسه، إذ قدم عليه قادم من بعض البلدان فأخذه وأقام عليه البينة العادلة بأن أبويه كانا مملوكين له ، وأن ما كان في أيديها من مال فهو له، فحكم عليه الحاكم بذلك، وعلمه أيضا صدق ذلك، وأطمأن قلبه إلى شهد به الشهود، هل كان يمتنع في نفسه ان تزول عنه نخوته وكبره إذ علم أنه عبد مملوك، ليس لنفسه بمالك ولا لما بيده من المال، وأن مولاه إن أراد أن يأخذه منه، وأنه لا يقدر أن يفعل شيئا إلا باذن مولاه وإرادته؟ .

ونظر مع ما أيقن به من العبودية ، فإن في منزله من الهوام والحيات (2) وغير ذلك ما لا يأمن ان تتلف نفسه - أغفل ما يكون - ولا بد له من سكنى ذلك المنزل ، لأن مولاه ألزمه ذلك ، لئلا يضيع ذلك المنزل وما فيه ، كيف يرى كان يكون في نفسه لذلة العبودية والانخلاع من ملكه وما يخاف من تلف نفسه - أغفل ما يكون - ولم يكن ذلك المنزل لأحد (3) إلا كان آخر مصيره إلى التلف، هل كان يعد لنفسه مالا، وهل كان يعد لنفسه منزلا أو قرارا فكذلك ابن آدم إذا تكبر وتعظم وهو ناس لحالته التي وضع عليها، وناس (1) أي : الأمراض المنفرة.

(2) في ط : والحياة، خطأ (3) في ط: أحد، خطأ.

403 ============================================================ ضعته (1) التي وضع بها ، فتذكر وتفكر في العبودية انه عبد ذليل مملوك، لا يملك نفسه ولا ماله، متوقع للمتالف أن يعترض بعضها له - أغفل ما كان - في لذته وتقلبه، وإن آخر مصيره إلى أن يتلف ، فيخرج من الدنيا ويزول عنه كل ما هو فيه، هل كان يمتنع - إذا صدق نفسه الخبر بالذكر والتفكر في ذلك - من أن يذل في نفسه ويخضع لمولاه، ويخشع له، ولموضعه الذي وضعه به من الخوف لمتالف.

ومثل العاصي لله عز وجل ، الذي وجب عليه العذاب في حياته، كمثل عبد ملوك، له سيد شديد النقمة ، شديد السطوة (والسلطان) (2) ، وهو يملك الأرض ، ولا يأمر بأمر إلا نفذ ، وقدر عليه. فوكله سيده بعمل، ونهاه عن أشياء تفسد ذلك العمل، وأعطاه مالأ ينفقه على عمله ، فغفل وسها وجهل ، فضيع اكثر العمل فلم يعمله، وعمل قليلا منه فأدخل فيه من الفساد والنقصان مما نهاه عنه مولاه، وأنفق في لذة نفسه وشهوتها ، وهو في ذلك مرح فرح، بطر آشر ، متجبر متكبر ، يتقلب في لذاته، غير مكترث لما ضيع من عمل مولاه، ولا ما أفسد مما عمل له ، ولا ما أتلف من المال الذي أعطاه.

فأتاه خبر صادق ان مولاه مرسل إليه من يخرجه من كل ما هو فيه عريانا ذليلا، حتى يلقيه على بابه في الشمس والحر زمانأ طويلا، معذبأ بالشمس والحر ، ل حتى إذا بلغ ذلك منه غاية المجهود، دعا به فعرضه عليه، وامره برفع حسابه، ونظر في عمله، ما ضيع منه ، وما أفسد منه، وما أتلف من ماله، ثم يأمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم، ولا يروح عنه ساعة، ولا يخرج من سجنه ذلك أبداا وقد علم ان مولاه قد اخرج كثيرا من عبيده إلى العذاب واهوان ممن فعل كفعله وقد عفى عن بعض، هل كان يمتنع مع هذا الحظر إذا بلغه هذا الخبر فتفكر فيه وتذكر، ولزم قلبه تصديقه ان ذلك كائن إلا ان يعفو عنه مولاه، وأن ذلك (1) في ط: بضعته.

(2) ما بين الحاصرتين : سقطت من ط.

============================================================ واجب عليه - والعفو شك - لا يدري أيكون ام لا؟ ألم يكن ينكسر عن شره وبطره، وفرحه وتكبره، حتى يكون أذل الناس في نفسه ، وأشدهم خضوعا وذلا ومسكنة لما قد حكم به عليه مولاه، ولما يتوقع في السرعة والمعاجلة (1) أن يؤخذ بغتة حتى يضي فيه كل ما حكم مولاه عليه به ، فما كان يمتنع من ذلك كله أن يذل ويخضع.

فكذلك ابن آدم ، إذا تذكر في تضييعه كثيرا من عمل مولاه، مما أوجب عليه وما أفسد مما عمله فيه، مما أدخل فيه من الرياء والعجب وغير ذلك، وما ذهب من عمره فيما آفناه من اتباع هواه، ونسيان مولاه، وأن الموت نازل سريعا عاجلا.

فيخرج إلى قبره، فيبلى فيه، ثم يخرج إلى القيامة فيوقف، حتى يبلغ به غاية المجهود، فيعرضه مولاه، ثم يحاسبه بكل ما عمل وضيع وافنى من عمره، ثم يأمر به إلى عذابه الذي لا يشبه عذاب الدنيا ولا عقوبتها، لا يشك أن العذاب قد وجب عليه، وإنما يرجو العفو على شك لايدري أيفعل ذلك به أم لا، فإنه إن عفا عنه فهو لاشك آنه سيعرض وبجاسب، ويوقف على ما ضيع من العمل وآفسد، وما أتلف من عمره، وما آنفق فيه ماله.

آتراه كان يمتنع من آن يذل في نفسه، ويزول عنه تعظمه وتكبره؟ وبذلك يروى الحديث في المساءلة عن النبي الله أنه قال : " لا تزول قدما ابن آدم من بين يدي الله عز وجل حتى يسأل عن آربع : شبابك فيم أبليته، وعمرك فيم أفنيته . ومالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته، وعملك ماذا صنعت فيه" (2) ، فإذا تفكر في ذلك العاقل اللبيب ذل وخضع وزال عنه الكبر والفخر.

ولو لم تكن إلا خصلة واحدة من هذه الخصال التي ينفي بها الكبر من البدو ومن الحياة، وما وجب عليه بمعصيته، ولو خلق من خير الأشياء، وساعدته الأقدار (1) في ط: المعالجة.

(2) أخرجه : الترمذي في سننه، الباب الأول من كتبا القيامة .

404 ============================================================ فلم يسقم ولم يمرض، ولم يعتوره قذر في جسمه، ولا فاقة نازلة به، ولم يچل(1) به موت، ولا عذاب عليه في الآخرة، ما كان الكبر مع هذه النزاهة والطهارة يصلح لعبد، ولايليق به لأنه عبد مملوك، فذل العبودية ضد الكبر، فلا يليق بالعبد الكبر.

وكيف وهو مع العبودية صغير القدر في البدو تعتوره الآفات في حياته مستوجب للعذاب مذ عصى ربه، ثم إلى الموت مصيره، والحساب أمامه، والعذاب جزاؤه، إلا أن يعفو عنه مولاه، ولو لم يتذكر العبد هذه الخصال، كان تذكره أن اله عز وجل نهاه عن الكبر، وأنه يمقت عليه، كفى بذلك نافيا للكبر . فكيف إذا ذكر هذه الخصال مع خوفه لمقت الله عز وجل أن يطلع على قلبه، وقد عقد علىا الكبر فيمقته بذلك.

ومما يدلك أن الله عز وجل يمقت عليه، قول الله عز وجل : (إنه لا يحب المستكبرين)(2).

ومن لم يچبه الله فهو له مبغض ماقت.

و قول النبي له : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر") (3) . وإنما يحرم الله عز وجل جواره من يمقته ويغضب عليه، فبواحدة من هذ الخلال ينفي العبد اللبيب الكبر .

باب التكبر بالعلم والعمل خاصة قلت: قد تبينت بما وصفت من ذلك أنه ناف للكبر بالحسب والجمال والجسم والمال والكثرة والعمل والعلم، إلا أني أجد للعمل والعلم فتنا تعترض فيهما مع ذكر صغر القدر، فقد تغلب على العالم والعامل حتى يتكبر، فما الذي يدفع به تلك العوارض التي تبعثه على الكبر؟

(1) في ط: ولا يحل. (2) سورة النحل، الآية: 23.

← Önceki 53 / 81 Sonraki →

Anlam Arayışı