Bölüm 37
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وإذا جن المعتكف فأقام سنين ثم أفاق بنى.
والأعمى والمقعد في الاعتكاف كالصحيح، ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة ما بدا لهما من الثياب ويأكلا ما بدا لهما من الطعام ويتطيبا بما بدا لهما من الطيب ولا بأس أن ينام في المسجد ولا بأس بوضع المائدة في المسجد وغسل اليدين في المسجد في الطست
ولو نسي المعتكف فخرج ثم رجع لم يفسد اعتكافه ولا بأس أن يخرج المعتكف رأسه من المسجد إلى بعض أهله فيغسله - فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بأس أن ينكح المعتكف نفسه وينكح غيره
وإذا مات عن المعتكفة زوجها خرجت، وإذا قضت عدتها رجعت فبنت، وقد قيل ليس لها أن تخرج، فإن فعلت ابتدأت والله أعلم.
[باب فرض الحج على من وجب عليه الحج]
أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر سنة سبع ومائتين قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي قال: أصل إثبات فرض الحج خاصة في كتاب الله تعالى ثم في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر الله عز وجل الحج في غير موضع من كتابه فحكى أنه قال لإبراهيم - عليه السلام - {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27] ، وقال تبارك وتعالى: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} [المائدة: 2] مع ما ذكر به الحج.
(قال الشافعي) : والآية التي فيها بيان فرض الحج على من فرض عليه قال الله جل ذكره {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] وقال {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] وهذه الآية موضوعة بتفسيرها في العمرة.
(قال الشافعي) : أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عكرمة قال لما نزلت {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] الآية قالت اليهود: فنحن مسلمون فقال الله تعالى لنبيه فحجهم فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: حجوا فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا قال الله جل ثناؤه: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] قال عكرمة: من كفر من أهل الملل فإن الله غني عن العالمين وما أشبه ما قال عكرمة بما قال والله أعلم؛ لأن هذا كفر بفرض الحج وقد أنزله الله.
والكفر بآية من كتاب الله كفر (أخبرنا) : مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال: قال مجاهد في قول الله عز وجل {ومن كفر} [آل عمران: 97] قال هو ما إن حج لم يره برا، وإن جلس لم يره إثما
كان سعيد بن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج.
(قال الشافعي) : ومن كفر بآية من كتاب الله كان كافرا وهذا إن شاء الله كما قال مجاهد: وما قال عكرمة فيه أوضح، وإن كان هذا واضحا.
(قال الشافعي) : فعم فرض الحج كل بالغ مستطيع إليه سبيلا، فإن قال قائل: فلم لا يكون غير البالغ إذا وجد إليه سبيلا ممن عليه فرض الحج؟ قيل: الاستدلال بالكتاب والسنة قال الله جل ذكره: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] يعني الذين أمرهم بالاستئذان من البالغين فأخبر أنهم إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا قال الله تعالى {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] فلم يأمر بدفع المال إليهم بالرشد حتى يجتمع البلوغ معه وفرض الله الجهاد في كتابه ثم أكد اليقين «فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبد الله بن عمر حريصا على أن يجاهد وأبوه حريص على جهاده وهو ابن أربع عشرة سنة فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أحد ثم أجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بلغ خمس عشرة سنة عام الخندق» ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله ما أنزل جملا من إرادته جل شأنه فاستدللنا بأن الفرائض والحدود إنما تجب على البالغين وصنع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أحد مع ابن عمر ببضعة عشر رجلا كلهم في مثل سنه
(قال الشافعي) : فالحج واجب على البالغ العاقل والفرائض كلها، وإن كان سفيها وكذلك الحدود، فإذا حج بالغا عاقلا أجزأ عنه ولم يكن عليه أن يعود لحجة أخرى إذا صار رشيدا وكذلك المرأة البالغة (قال) : وفرض الحج زائل عمن بلغ مغلوبا على عقله؛ لأن الفرائض على من عقلها وذلك أن الله عز وجل خاطب بالفرائض من فرضها عليه في غير آية من كتابه ولا يخاطب إلا من يعقل المخاطبة وكذلك الحدود، ودلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك على ما دل عليه كتاب الله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ» ، فإن كان يجن ويفيق فعليه الحج، فإذا حج مفيقا أجزأ عنه، وإن حج في حال جنونه لم يجز عنه الحج وعلى ولي السفيه البالغ أن يتكارى له ويمونه في حجه؛ لأنه واجب عليه ولا يضيع السفيه من الفرائض شيئا وكذلك ولي السفيهة البالغة
(قال الشافعي) : ولو حج غلام قبل بلوغ الحلم واستكمال خمس عشرة سنة ثم عاش بعدها بالغا لم يحج لم تقض الحجة التي حج قبل البلوغ عنه حجة الإسلام؛ وذلك أنه حجها قبل أن تجب عليه وكان في معنى من صلى فريضة قبل وقتها الذي تجب عليه فيه في هذا الموضع فيكون بها متطوعا كما يكون بالصلاة متطوعا ولم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم
والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج ولو أذن للملوك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعا لا يجزي عنه من حجة الإسلام إن عتق ثم عاش مدة يمكنه فيها أن يحج بعدما ثبتت عليه فريضة الحج
(قال) : ولو حج كافر بالغ ثم أسلم لم تجز عنه حجة الإسلام؛ لأنه لا يكتب له عمل يؤدى فرضا في بدنه حتى يصير إلى الإيمان بالله ورسوله، فإذا أسلم وجب عليه الحج
(قال) : وكان في الحج مؤنة في المال وكان العبد لا مال له؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين بقوله «من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع» فدل ذلك على
أن لا مال للعبد وإن ما ملك فإنما هو ملك للسيد وكان المسلمون لا يورثون العبد من ولده ولا والده ولا غيرهم شيئا فكان هذا عندنا من أقاويلهم استدلالا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه لا يملك إلا لسيده وكان سيده غير الوارث وكان المسلمون لا يجعلون على سيده الإذن له إلى الحج فكان العبد ممن لا يستطيع إليه سبيلا فدل هذا على أن العبيد خارجون من فرض الحج بخروجهم من استطاعة الحج وخارج من الفرض لو أذن له سيده. ولو أذن له سيده وحج لم تجز عنه، فإن قال قائل: فكيف لا تجزي عنه؟ قلت؛ لأنها لا تلزمه وأنها لا تجزي عمن لم تلزمه قال ومثل ماذا؟ قلت مثل مصلي المكتوبة قبل وقتها وصائم شهر رمضان قبل إهلاله لا يجزئ عن واحد منهما إلا في وقته؛ لأنه عمل على البدن والعمل على البدن لا يجزي إلا في الوقت، والكبير الفاني القادر يلزمه ذلك في نفسه وفي غيره وليس هكذا المملوك ولا غيره البالغ من الأحرار، فلو حجا لم تجز عنهما حجة الإسلام إذا بلغ هذا وعتق هذا وأمكنهما الحج.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ليس على الصبي حج حتى يبلغ الغلام الحلم والجارية المحيض في أي سن ما بلغاها أو استكملا خمس عشرة سنة، فإذا بلغا استكمال خمس عشرة سنة، أو بلغا المحيض أو الحلم، وجب عليهما الحج (قال) : وحسن أن يحجا صغيرين لا يعقلان ودون البالغين يعقلان يجردان للإحرام ويجتنبان ما يجتنب الكبير، فإذا أطاقا عمل شيء أو كانا إذا أمرا به عملاه عن أنفسهما ما كان، فإن لم يكونا يطيقانه عمل عنهما وسواء في ذلك الصلاة التي تجب بالطواف أو غيرها من عمل الحج، فإن قال قائل أفتصلي عنهما المكتوبة؟ قيل لا، فإن قال فما فرق بين المكتوبة وبين الصلاة التي وجبت بالطواف؟ قيل تلك عمل من عمل الحج وجبت به كوجوب الطواف والوقوف به والرمي وليست بفرض على غير حاج فتؤدى كما يؤدى غيرها.
فإن قال قائل: فهل من فرق غير هذا؟ قيل نعم، الحائض تحج وتعتمر فتقضي ركعتي الطواف لا بد منهما ولا تقضي المكتوبة التي مرت في أيام حيضها (قال) : والحجة في هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للمرء أن يحج عن غيره وفي ذلك أن عمله عنه يجزئ كما أجزأ عمله عن نفسه فمن علم هذا علم أنه مضطر إلى أن يقول لا يبقى من عمل الحج عنه شيء، فلو جاز أن يبقى من عمل الحج صلاة جاز أن يبقى طواف ورمي ووقوف ولكنه يأتي بالكمال عمن عمل عنه كما كان على المعمول عنه أن يأتي بالكمال عن نفسه (قال) : ولا أعلم أحدا ممن سمعت منه في هذا شيئا خالف فيه ما وصفت. وقد حكي لي عن قائل أنه قال: يعمل عنه غير الصلاة، وأصل قول القائل هذا أنه لا يحج أحد عن أحد إلا في بعض الأحوال دون بعض فكيف جاز أن يأمر بالحج في حال لم يأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ويتركها حيث أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف إذا ترك أصل قوله في حال يحج المرء فيها عن غيره أو يعمل فيها شيئا من عمل الحج عن غيره لم يجعل الصلاة التي تجب بالحج مما أمر بعمله في الحج غير الصلاة؟ .
فإن قال قائل: فما الحجة أن للصبي حجا ولم يكتب عليه فرضه قيل: إن الله بفضل نعمته أناب الناس على الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم ووفر عليهم أعمالهم فقال {ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} [الطور: 21] فلما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب لهم عمل
البر في الحج، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى، فإن قال قائل ما دل على ما وصفت؟ فقد جاءت الأحاديث في أطفال المسلمين أنهم يدخلون الجنة فالحجة فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(قال الشافعي) : أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قفل فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم فقال: من القوم؟ فقالوا: مسلمون، فمن القوم قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة فقالت: يا رسول الله ألهذا حج قال: نعم، ولك أجر» .
أخبرنا مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة، وهي في محفتها فقيل لها: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر» (قال الشافعي) : أخبرنا سعيد بن سالم عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أيها الناس أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضي عنه حجه، وإن بلغ فليحجج " أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء قال، وتقضى حجة العبد عنه حتى يعتق، فإذا عتق وجبت عليه من غير أن تكون واجبة عليه.
(قال الشافعي) : هذا كما قال عطاء في العبد إن شاء الله ومن لم يبلغ وقد بين معنى قوله ومعنى قول ابن عباس عندنا هكذا وقوله: فإذا عتق فليحجج يدل على أنها لو أجزأت عنه حجة الإسلام لم يأمره بأن يحج إذا عتق ويدل على أنه لا يراها واجبة عليه في عبوديته؛ وذلك أنه وغيره من أهل الإسلام لا يرون فرض الحج على أحد إلا مرة؛ لأن الله عز وجل يقول {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] فذكره مرة، ولم يردد ذكره مرة أخرى
(قال الشافعي) : أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج أنه قال لعطاء: أرأيت إن حج العبد تطوعا يأذن له سيده بحج لا أجر نفسه ولا حج به أهله يخدمهم؟ قال: سمعنا أنه إذا عتق حج لا بد.
أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن ابن طاوس أن أباه كان يقول: تقضى حجة الصغير عنه حتى يعقل، فإذا عقل وجبت عليه حجة لا بد منها والعبد كذلك أيضا (قالا) : وأخبرنا ابن جريج أن قولهم هذا عن ابن عباس.
(قال الشافعي) : وقولهم: إذا عقل الصبي، إذا احتلم والله أعلم. ويروى عن عمر في الصبي والمملوك مثل معنى هذا القول، فيجتمع المملوك وغير البالغين والعبد في هذا المعنى، ويتفرقان فيما أصاب كل واحد منهما في حجه.
الإذن للعبد
(قال الشافعي) : إذا أذن الرجل لعبده بالحج فأحرم فليس له منعه أن يتم على إحرامه وله بيعه وليس لمبتاعه منعه أن يتم إحرامه ولمبتاعه الخيار إذا كان لم يعلم بإحرامه؛ لأنه محول بينه وبين حبسه لمنفعته إلى أن ينقضي إحرامه وكذلك الأمة وكذلك الصبيان إذا أذن لهما أبوهما فأحرما لم يكن له حبسهما
(قال) : ولو أصاب العبد امرأته فبطل حجه لم يكن لسيده حبسه وذلك؛ لأنه مأمور بأن يمضي في حج فاسد مضيه في حج صحيح ولو أذن له في الحج فأحرم فمنعه مرض: لم يكن له حبسه إذا صح عن أن يحل بطواف، وإن أذن له في حج فلم يحرم: كان له منعه ما لم يحرم (قال) : وإن أذن له أن يتمتع أو يقرن فأعطاه دما للمتعة أو القران: لم يجز عنه؛ لأن العبد لا يملك شيئا، فإذا ملكه شيئا فإنما ملكه للسيد فلا
يجزي عنه ما لا يكون له مالكا بحال وعليه فيما لزمه الصوم ما كان مملوكا، فإن لم يصم حتى عتق ووجد ففيها قولان: أحدهما أن يكفر كفارة الحر الواجد والثاني لا يكفر إلا بالصوم؛ لأنه لم يكن له ولا عليه في الوقت الذي أصاب فيه شيء إلا الصوم لو أذن له في الحج فأفسده كان على سيده أن يدعه يتم عليه ولم يكن له على سيده أن يدعه يقضيه، فإن قضاه أجزأ عنه من القضاء وعليه إذا عتق حجة الإسلام
ولو لم يأذن للعبد سيده بالحج فأحرم به كان أحب إلي أن يدعه يتمه، فإن لم يفعل فله حبسه وفيها قولان: أحدهما أن عليه إذا حبسه سيده عن إتمام حجه شاة يقومها دراهم ثم يقوم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما ثم يحل، والقول الثاني يحل ولا شيء عليه حتى يعتق فيكون عليه شاة، ولو أذن السيد لعبده فتمتع فمات العبد، أخبرنا سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال: إذا أذنت لعبدك فتمتع فمات فاغرم عنه، فإن قال قائل فهل يجوز أن يفرق بين ما يجزي العبد حيا من إعطاء سيده عنه وما يجزيه ميتا؟ فنعم، أما ما أعطاه حيا فلا يكون له إخراجه من ملكه عنه حيا حتى يكون المعطى عنه مالكا له والعبد لا يكون مالكا، وهكذا ما أعطي عن الحر بإذنه أو وهبه للحر فأعطاه الحر عن نفسه قد ملك الحر في الحالين ولو أعطى عن حر بعد موته أو عبد لم يكن الموتى يملكون شيئا أبدا، ألا ترى أن من وهب لهم أو أوصى أو تصدق عليهم لم يجز وإنما أجزنا أن يتصدق عنهم بالخبر عن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر سعدا أن يتصدق عن أمه» ، ولولا ذلك لما جاز ما وصفت لك.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : الاستطاعة وجهان: أحدهما أن يكون الرجل مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج فتكون استطاعته تامة ويكون عليه فرض الحج لا يجزيه ما كان بهذا الحال، إلا أن يؤديه عن نفسه، والاستطاعة الثانية أن يكون مضنوا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب فيحج على المركب بحال وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له أو قادر على مال يجد من يستأجره ببعضه فيحج عنه فيكون هذا ممن لزمته فريضة الحج كما قدر، ومعروف في لسان العرب أن الاستطاعة تكون بالبدن وبمن يقوم مقام البدن، وذلك أن الرجل يقول: أنا مستطيع لأن أبني داري يعني بيده ويعني بأن يأمر من يبنيها بإجارة أو يتطوع ببنائها له، وكذلك مستطيع لأن أخيط ثوبي، وغير ذلك مما يعمله هو بنفسه ويعمله له غيره.
فإن قال قائل: الحج على البدن وأنت تقول في الأعمال على الأبدان إنما يؤديها عاملها بنفسه مثل الصلاة والصيام فيصلي المرء قائما، فإن لم يقدر صلى جالسا أو مضطجعا ولا يصلي عنه غيره، وإن لم يقدر على الصوم قضاه إذا قدر أو كفر ولم يصم عنه غيره وأجزأ عنه. قيل له إن شاء الله تعالى الشرائع تجتمع في معنى وتفترق في غيره بما فرق الله به عز وجل بينها في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو بما اجتمعت عليه عوام المسلمين الذين لم يكن فيهم أن يجهلوا أحكام الله تعالى، فإن قال: فادللني على ما وصفت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قيل له: إن شاء الله أخبرنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن سليمان بن يسار عن ابن عباس «أن امرأة من خثعم
سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم» قال سفيان هكذا حفظته عن الزهري وأخبرنيه عمرو بن دينار عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله، وزاد فقالت: يا رسول الله فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم مثل لو كان عليه دين فقضيته نفعه فكان فيما حفظ سفيان عن الزهري ما بين أن أباها إذا أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أن يستمسك على راحلته أن جائزا لغيره أن يحج عنه، ولد أو غيره، وأن لغيره أن يؤدي عنه فرضا إن كان عليه في الحج إذا كان غير مطيق لتأديته ببدنه فالفرض لازم له، ولو لم يلزمه لقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا فريضة على أبيك إذا كان إنما أسلم ولا يستطيع أن يستمسك على الراحلة إن شاء الله تعالى، ولقال: لا يحج أحد عن أحد إنما يعمل المرء عن نفسه ثم بين سفيان عن عمرو عن الزهري في الحديث ما لم يدع بعده في قلب من ليس بالفهم شيئا فقال في الحديث «فقالت له: أينفعه ذلك يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم: كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه» وتأدية الدين عمن عليه حيا وميتا فرض من الله عز وجل في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - وفي إجماع المسلمين، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تأديتها عنه فريضة الحج نافعة له كما ينفعه تأديتها عنه دينا لو كان عليه ومنفعته إخراجه من المآثم وإيجاب أجر تأديته الفرض له كما يكون ذلك في الدين، ولا شيء أولى أن يجمع بينهما مما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه ونحن نجمع بالقياس بين ما أشبه في وجه، وإن خالفه في وجه غيره، إذا لم يكن شيء أشد مجامعة له منه فيرى أن الحجة تلزم به العلماء، فإذا جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين شيئين، فالفرض أن يجمع بين ما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه، وفيه فرق آخر أن العاقل للصلاة لا تسقط عنه حتى يصليها جالسا إن لم يقدر على القيام أو مضطجعا أو موميا وكيفما قدر وأن الصوم إن لم يقدر عليه قضاه، فإن لم يقدر على قضاء كفر، والفرض على الأبدان مجتمع في أنه لازم في حال ثم يختلف بما خالف الله عز وجل بينه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم يفرق بينه بما يفرق به أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعض من هو دونهم، فالذي يخالفنا ولا يجيز أن يحج أحد عن أحد يزعم أن من نسي فتكلم في صلاة لم تفسد عليه صلاته، ومن نسي فأكل في شهر رمضان فسد صومه ويزعم أن من جامع في الحج أهدى. ومن جامع في شهر رمضان تصدق ومن جامع في الصلاة فلا شيء عليه ويفرق بين الفرائض فيما لا يحصى كثرة.
وعلته في الفرق بينها خبر وإجماع، فإذا كانت هذه علته فلم رد مثل الذي أخذ به؟ قال الشافعي أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: «كان الفضل بن عباس رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال: نعم» ، وذلك في حجة الوداع
(قال الشافعي) : أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج قال قال ابن شهاب حدثني سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله عليه في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال: فحجي عنه» (قال الشافعي) : أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وكل منى منحر ثم جاءت امرأة
من خثعم فقالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير قد أفند وأدركته فريضة الله على عباده في الحج ولا يستطيع أداءها فهل يجزي عنه أن أؤديها عنه؟ فقال: نعم» (قال الشافعي) : وفي حديث علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان أن عليه أداءها إن قدر، وإن لم يقدر أداها عنه فأداؤها إياها عنه يجزيه، والأداء لا يكون إلا لما لزم (قال الشافعي) : أخبرنا سعيد بن سالم عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت طاوسا يقول: «أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها حجة فقال حجي عن أمك» أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء قال «سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقول: لبيك عن فلان فقال: إن كنت حججت فلب عنه وإلا فاحجج عنك» وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال لشيخ كبير لم يحجج " إن شئت فجهز رجلا يحج عنك ".
(قال الشافعي) : ولو جهز من هو بهذه الحال رجلا فحج عنه ثم أتت له حال يقدر فيها على المركب للحج ويمكنه أن يحج لم تجز تلك الحجة عنه وكان عليه أن يحج عن نفسه، فإن لم يفعل حتى مات أو صار إلى حال لا يقدر فيها على الحج وجب عليه أن يبعث من يحج عنه إذا بلغ تلك الحال أو مات؛ لأنه إنما يجزي عنه حج غيره بعد أن لا يجد السبيل، فإذا وجدها وجب عليه الحج وكان ممن فرض عليه ببدنه أن يحج عن نفسه إذا بلغ تلك الحال، وما أوجب على نفسه من حج في نذر وتبرر فهو مثل حجة الإسلام وعمرته، يلزمه أن يحج عن نفسه ويحجه عنه غيره، إذا جاز أن يحج عنه حجة الإسلام وعمرته جاز ذلك فيما أوجب على نفسه.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : لا أعلم أحدا نسب إلى علم ببلد يعرف أهله بالعلم خالفنا في أن يحج عن المرء إذا مات الحجة الواجبة عنه إلا بعض من أدركنا بالمدينة وأعلام أهل المدينة والأكابر من ماضي فقهائهم تأمر به مع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أمر علي بن أبي طالب وابن عباس به وغير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن المسيب وربيعة والذي قال لا يحج أحد عن أحد قاله، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة وجوه سوى ما روى الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذلك، أنه أمر بعض من سأله أن يحج عن غيره ثم ترك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واحتج له بعض من قال بقوله بأن ابن عمر قال لا يحج أحد عن أحد وهو يروي عن ابن عمر ثلاثة وستين حديثا يخالف ابن عمر فيها منها ما يدعه لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنها ما يدعه لما جاء عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ما يدعه لقول رجل من التابعين ومنها ما يدعه لرأي نفسه فكيف جاز لأحد نسب نفسه إلى علم أن يحل قول ابن عمر عنده في هذا المحل ثم يجعله حجة على السنة ولا يجعله حجة على قول نفسه؟ وكان من حجة من قال بهذا القول أن قال كيف يجوز أن يعمل رجل عن غيره وليس في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا اتباعها بفرض الله عز وجل كيف والمسألة في شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يسع عالما والله أعلم، ولو جاز هذا لأحد جاز
عليه مثله فقد يثبت الذي قال هذا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشياء بأضعف من إسناد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس أن يحج عن بعض وله في هذا مخالفون كثير منها القطع في ربع دينار ومنها بيع العرايا، ومنها النهي عن بيع اللحم بالحيوان وأضعاف هذه السنن، فكيف جاز له على من خالفه أن يثبت الأضعف ويرد على غيره الأقوى؟ وكيف جاز له أن يقول بالقسامة وهي مختلف فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وأكثر الخلق يخالفه فيها وأعطى فيها بأيمان المدعين الدم وعظيم المال، وهو لا يعطي بها جرحا ولا درهما ولا أقل من المال في غيرها، فإن قال ليس في السنة قياس ولا عرض على العقل فحديث حج الرجل عن غيره أثبت من جميع ما ذكرت وأحرى أن لا يبعد عن العقل بعدما وصفت من القسامة وغيرها ثم عاد فقال بما عاب من حج المرء عن غيره حيث لو تركه كان أجوز له وتركه حيث لا يجوز تركه فقال إذا أوصى الرجل أن يحج عنه حج عنه من ماله، وأصل مذهبه أن لا يحج أحد عن أحد، كما لا يصلي أحد عن أحد وقد سألت بعض من يذهب مذهبه فقلت: أرأيت لو أوصى الرجل أن يصلى أو يصام عنه بإجارة أو نفقة غير إجارة أو تطوع، أيصام أو يصلى عنه؟ قال: لا. والوصية باطلة فقلت له: فإذا كان إنما أبطل الحج؛ لأنه كالصوم والصلاة فكيف أجاز أن يحج المرء عن غيره بماله له ولم يبطل الوصية فيه كما أبطلها؟ قال أجازها الناس قلت: فالناس الذين أجازوها أجازوا أن يحج الرجل عن الرجل إذا أفند.
وإن مات بكل حال وأنت لم تجزها على ما أجازوها عليه مما جاءت به السنة ولم تبطلها إبطالك الوصية بالصوم والصلاة فلم يكن عنده فيها سنة ولا أثر ولا قياس ولا معقول، بل كان عنده خلاف هذا كله وخلاف ما احتج به عن ابن عمر، فما علمته إذ قال لا يحج أحد عن أحد استقام عليه، ولا أمر بالحج في الحال التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أصحابه وعامة الفقهاء وما علمت من رد الأحاديث من أهل الكلام تروحوا من الحجة علينا إلى شيء تروحهم إلى إبطال من أبطل أصحابنا أن يحج المرء عن الآخر حيث أبطلها وأشياء قد تركها من السنن ولا شغب فيه شغبه في هذا، فقلنا لبعض من قال ذلك: لنا مذهبك في التروح إلى الحجة بهذا مذهب من لا علم له أو من له علم بلا نصفة فقال: وكيف؟ قلت أرأيت ما تروحت إليه من هذا أهو قول أحد يلزم قوله فأنت تكبر خلافه أو قول آدمي قد يدخل عليه ما يدخل على الآدميين من الخطأ؟ قال: بل قول من يدخل عليه الخطأ قلنا فتركه بأن يحج المرء عن غيره حيث تركه مرغوب عنه غير مقبول منه عندما قال فهو من أهل ناحيتكم قلنا، وما زعمنا أن أحدا من أهل زماننا وناحيتنا برئ من أن يغفل، وإنهم لكالناس وما يحتج منصف على امرئ بقول غيره إنما يحتج على المرء بقول نفسه.
(قال الشافعي) : - رحمه الله - ما أحب لأحد ترك الحج ماشيا إذا قدر عليه ولم يقدر على مركب رجل أو امرأة والرجل فيه أقل عذرا من المرأة ولا يبين لي أن أوجبه عليه لأني لم أحفظ عن أحد من المفتين أنه أوجب على أحد أن يحج ماشيا، وقد روى أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل على أن لا يجب المشي على أحد إلى الحج، وإن أطاقه غير أن منها منقطعة ومنها ما يمتنع أهل العلم بالحديث من تثبيته (قال الشافعي) : أخبرنا سعيد بن سالم عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال قعدنا
إلى عبد الله بن عمر فسمعته يقول: «سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما الحاج؟ فقال الشعث التفل فقام آخر فقال: يا رسول الله أي الحج أفضل؟ قال العج والثج فقام آخر فقال يا رسول الله ما السبيل؟ فقال: زاد وراحلة» (قال) : وروي عن شريك بن أبي نمر عمن سمع أنس بن مالك يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «السبيل الزاد والراحلة» .
أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سعيد بن سالم عن سفيان الثوري عن طارق بن عبد الرحمن عن «عبد الله بن أبي أوفى صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض للحج؟ قال: لا»
(قال الشافعي) : ومن لم يكن في ماله سعة يحج بها من غير أن يستقرض فهو لا يجد السبيل ولكن إن كان ذا عرض كثير فعليه أن يبيع بعض عرضه أو الاستدانة فيه حتى يحج، فإن كان له مسكن وخادم وقوت أهله بقدر ما يرجع من الحج إن سلم فعليه الحج، وإن كان له قوت أهله أو ما يركب به لم يجمعهما فقوت أهله ألزم له من الحج عندي والله أعلم، ولا يجب عليه الحج حتى يضع لأهله قوتهم في قدر غيبته.
ولو آجر رجل نفسه من رجل يخدمه ثم أهل بالحج معه أجزأت عنه من حجة الإسلام وذلك أنه لم ينتقض من عمل الحج بالإجارة شيء إذا جاء بالحج بكماله ولا يحرم عليه أن يقوم بأمر غيره بغير أن ينقض من عمل الحج شيئا كما يقوم بأمر نفسه إذا جاء بما عليه وكما يتطوع فيخدم غيره لثواب أو لغير ثواب، أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال أو آجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك إلى أجر؟ فقال ابن عباس نعم {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} [البقرة: 202] ، ولو حج رجل في حملان غيره ومؤنته أجزأت عنه حجة الإسلام، وقد حج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفر حملهم فقسم بين عوامهم غنما من ماله فذبحوها عما وجب عليهم وأجزأت عنهم، وذلك أنهم ملكوا ما أعطاهم من الغنم فذبحوا ما ملكوا، ومن كفاه غيره مؤنته أجزأت عنه متطوعا أو بأجرة لم ينتقض حجه إذا أتى بما عليه من الحج، ومباح له أن يأخذ الأجرة ويقبل الصلة، غنيا كان أو فقيرا، الصلة لا تحرم على أحد من الناس إنما تحرم الصدقة على بعض الناس، وليس عليه إذا لم يجد مركبا أن يسأل ولا يؤاجر نفسه، وإنما السبيل الذي يوجب الحج أن يجد المؤنة والمركب من شيء كان يملكه قبل الحج أو في وقته.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإذا كان فيما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن السبيل الزاد والراحلة وكانت المرأة تجدهما وكانت مع ثقة من النساء في طريق مأهولة آمنة فهي ممن عليه الحج عندي والله أعلم، وإن لم يكن معها ذو محرم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستثن فيما يوجب الحج إلا الزاد والراحلة، وإن لم تكن مع حرة مسلمة ثقة من النساء فصاعدا لم تخرج مع رجال لا امرأة معهم ولا محرم لها منهم، وقد بلغنا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير مثل قولنا في أن تسافر المرأة للحج، وإن لم يكن معها محرم، أخبرنا مسلم عن ابن جريج قال سئل عطاء عن امرأة ليس
معها ذو محرم ولا زوج معها ولكن معها ولائد وموليات يلين إنزالها وحفظها ورفعها؟ قال: نعم. فلتحج
(قال الشافعي) : فإن قال قائل: فهل من شيء يشبه غير ما ذكرت؟ قيل: نعم. ما لا يخالفنا فيه أحد علمته من أن المرأة يلزمها الحق وتثبت عليها الدعوى ببلد لا قاضي به فتجلب من ذلك البلد ولعل الدعوى تبطل عنها أو تأتي بمخرج من حق لو ثبت عليها مسيرة أيام مع غير ذي محرم إذا كانت معها امرأة وأن الله تعالى قال في المعتدات {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] فقيل يقام عليها الحد، فإذا كان هذا هكذا فقد بين الله عز وجل أنه لم يمنعها الخروج من حق لزمها، وإن لم يكن هكذا وكان خروجها فاحشة فهي بالمعصية بالخروج إلى غير حق ألزم، فإن قال قائل: ما دل على هذا؟ قيل لم يختلف الناس فيما علمته أن المعتدة تخرج من بيتها لإقامة الحد عليها وكل حق لزمها، والسنة تدل على أنها تخرج من بيتها للنداء كما أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فاطمة بنت قيس، فإذا كان الكتاب ثم السنة يدلان معا والإجماع في موضع على أن المرأة في الحال التي هي ممنوعة فيها من خروج إلى سفر أو خروج من بيتها في العدة إنما هو على أنها ممنوعة مما لا يلزمها ولا يكون سبيلا لما يلزمها وما لها تركه، فالحج لازم وهي له مستطيعة بالمال والبدن ومعها امرأة فأكثر ثقة، فإذا بلغت المرأة المحيض أو استكملت خمس عشرة سنة ولا مال لها تطيق به الحج يجبر أبواها ولا ولي لها ولا زوج المرأة على أن يعطيها من ماله ما يحجها به (قال) : ولو أراد رجل الحج ماشيا وكان ممن يطيق ذلك لم يكن لأبيه ولا لوليه منعه من ذلك (قال) : ولو أرادت المرأة الحج ماشية كان لوليها منعها من المشي فيما لا يلزمها (قال) : وإذا بلغت المرأة قادرة بنفسها ومالها على الحج فأراد وليها منعها من الحج أو أراده زوجها، منعها منه ما لم تهل بالحج؛ لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله، فإن أهلت بالحج بإذنه لم يكن له منعها، وإن أهلت بغير إذنه ففيها قولان، أحدهما أن عليه تخليتها، ومن قال هذا القول لزمه عندي أن يقول: لو تطوعت فأهلت بالحج: أن عليه تخليتها من قبل أن من دخل في الحج ممن قدر عليه لم يكن له الخروج منه ولزمه، غير أنها إذا تنفلت بصوم لم يكن له منعها ولزمه عندي في قوله أن يقول ذلك في الاعتكاف والصلاة.
والقول الثاني: أن تكون كمن أحصر فتذبح وتقصر وتحل ويكون ذلك لزوجها (قال الشافعي) : أخبرنا سعيد بن سالم ومسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال في المرأة تهل بالحج فيمنعها زوجها: هي بمنزلة الحصر.
(قال الشافعي) : وأحب لزوجها أن لا يمنعها، فإن كان واجبا عليه أن لا يمنعها كان قد أدى ما عليه وأن له تركه إياها أداء الواجب، وإن كان تطوعا أجر عليه إن شاء الله تعالى.
الخلاف في هذا الباب: (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فذهب بعض أهل الكلام إلى معنى سأصف ما كلمني به ومن قال قوله، فزعم أن فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقت يمكنه أن يحج فيه فتركه في أول ما يمكنه كان آثما بتركه، وكان كمن ترك الصلاة وهو يقدر على صلاتها حتى ذهب الوقت، وكان إنما يجزئه حجه بعد أول سنة من مقدرته عليه قضاء كما تكون الصلاة بعد ذهاب الوقت قضاء، ثم أعطانا
بعضهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتها الأول فتركها، فإن صلاها في الوقت، وفيما نذر من صوم، أو وجب عليه بكفارة أو قضاء، فقال فيه كله متى أمكنه فأخره فهو عاص بتأخيره ثم قال في المرأة يجبر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى وقاله معه غيره ممن يفتي ولا أعرف فيه حجة إلا ما وصفت من مذهب بعض أهل الكلام.
(قال الشافعي) : وقال لي نفر منهم: نسألك من أين قلت في الحج للمرء أن يؤخره وقد أمكنه؟ ، فإن جاز ذلك جاز لك ما قلت في المرأة؟ قلت: استدلالا مع كتاب الله عز وجل بالحجة اللازمة، قالوا فاذكرها، قلت: نعم «نزلت فريضة الحج بعد الهجرة وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على الحاج وتخلف هو عن الحج بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محاربا ولا مشغولا» ، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان هذا كما تقولون لم يتخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرض عليه؛ لأنه لم يصل إلى الحج بعد فرض الحج إلا في حجة الإسلام التي يقال لها حجة الوداع، ولم يدع مسلما يتخلف عن فرض الله تعالى عليه وهو قادر عليه ومعهم ألوف كلهم قادر عليه لم يحج بعد فريضة الحج «وصلى جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في وقتين وقال ما بين هذين وقت» وقد أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة حتى نام الصبيان والنساء، ولو كان كما تصفون صلاها حين غاب الشفق وقالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: إن كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان فما أقدر على أن أقضيه حتى شعبان وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم يوما زوجها شاهد إلا بإذنه» .
(قال الشافعي) : فقال لي بعضهم: فصف لي وقت الحج، فقلت الحج ما بين أن يجب على من وجب عليه إلى أن يموت أو يقضيه، فإذا مات علمنا أن وقته قد ذهب، قال: ما الدلالة على ذلك؟ قلت ما وصفت من تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه وكثير ممن معه وقد أمكنهم الحج، قال: فمتى يكون فائتا؟ قلت إذا مات قبل أن يؤديها أو بلغ ما لا يقدر على أدائه من الإفناد، قال فهل يقضى عنه؟ قلت: نعم. قال: أفتوجدني مثل هذا؟ قلت: نعم. يكون عليه الصوم في كل ما عدا شهر رمضان، فإذا مات قبل أن يؤديه وقد أمكنه، كفر عنه؛ لأنه كان قد أمكنه فتركه، وإن مات قبل أن يمكنه لم يكفر عنه؛ لأنه لم يمكنه أن يدركه قال: أفرأيت الصلاة؟ قلت: موافقة لهذا في معنى، مخالفة له في آخر قال: وما المعنى الذي توافقه؟ فيه قلت: إن للصلاة وقتين أول وآخر، فإن أخرها عن الوقت الأول كان غير مفرط حتى يخرج الوقت الآخر، فإذا خرج الوقت قبل أن يصلي كان آثما بتركه ذلك وقد أمكنه، غير أنه لا يصلي أحد عن أحد قال: وكيف خالفت بينهما؟ قلت: بما خالف الله ثم رسوله بينهما، ألا ترى أن الحائض تقضي صوما ولا تقضي صلاة ولا تصلي وتحج وأن من أفسد صلاته بجماع أعاد بلا كفارة في شيء منها، وأن من أفسد صومه بجماع كفر وأعاد وأن من أفسد حجه بجماع كفر غير كفارة الصيام وأعاد؟ قال: قد أرى افتراقهما فدع ذكره.
(قال الشافعي) : فإن قال قائل فكيف لم تقل في المرأة تهل بالحج فيمنعها وليها أنه لا حج عليها ولا دم إذ لم يكن لها ذلك، وتقول ذلك في المملوك؟ قلت إنما أقول لا حج عليها ولا دم على من كان لا يجوز له بحال أن يكون محرما في الوقت الذي يحرم فيه والإحرام لهذين جائز بأحوال أو حال ليسا ممنوعين منه بالوقت الذي أحرما فيه إنما كانا ممنوعين منه بأن لبعض
الآدميين عليهما المنع ولو خلاهما كان إحراما صحيحا عنهما معا، فإن قال: فكيف قلت ليهريقا الدم في موضعهما قلت: نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية في الحل إذ أحصر، فإن قال: ويشبه هذا المحصر؟ قيل: لا أحسب شيئا أولى أن يقاس عليه من المحصر، وهو في بعض حالاته في أكثر من معنى المحصر، وذلك أن المحصر مانع من الآدميين بخوف من الممنوع فجعل له الخروج من الإحرام، وإن كان المانع من الآدميين متعديا بالمنع، فإذا كان لهذه المرأة والمملوك مانع من الآدميين غير متعد كانا مجامعين له في منع بعض الآدميين وفي أكثر منه، من أن الآدمي الذي منعهما، له منعهما
(قال الشافعي) : في العبد يهل بالحج من غير إذن سيده فأحب إلي أن يدعه سيده وله منعه، وإذا منعه فالعبد كالمحصر لا يجوز فيه إلا قولان والله أعلم، أحدهما: أن ليس عليه إلا دم لا يجزيه غيره فيحل إذا كان عبدا غير واجد للدم ومتى عتق ووجد ذبح، ومن قال هذا في العبد قاله في الحر يحصر بالعدو وهو لا يجد شيئا يحلق ويحل ومتى أيسر أدى الدم. والقول الثاني: أن تقوم الشاة دراهم والدراهم طعاما، فإن وجد الطعام تصدق به وإلا صام عن كل مد يوما والعبد بكل حال ليس بواجد فيصوم.