Bölüm 38
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
(قال الشافعي) : ومن ذهب هذا المذهب قاسه على ما يلزمه من هدي المتعة فإن الله عز وجل يقول {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] فلو لم يجد هديا ولم يصم لم يمنعه ذلك من أن يحل من عمرته وحجه ويكون عليه بعده الهدي أو الطعام، فيقال: إذا كان للمحصر أن يحل بدم يذبحه فلم يجده حل وذبح متى وجد أو جاء بالبدل من الذبح إذا كان له بدل ولا يحبس للهدي حراما على أن يحل في الوقت الذي يؤمر فيه بالإحلال، وقاسه من وجه آخر أيضا على ما يلزمه من جزاء الصيد فإن الله تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] فيقول: إن الله عز وجل لما ذكر الهدي في هذا الموضع وجعل بدله غيره، وجعل في الكفارات أبدالا، ثم ذكر في المحصر الدم ولم يذكر غيره كان شرط الله جل ثناؤه الإبدال في غيره مما يلزم ولا يجوز للعالم أن يجعل ما أنزل مما يلزم في النسك مفسرا دليلا على ما أنزل مجملا فيحكم في المجمل حكم المفسر كما قلنا في ذكر رقبة مؤمنة في قتل، مثلها رقبة في الظهار، وإن لم يذكر مؤمنة فيه، وكما قلنا في الشهود حين ذكروا عدولا وذكروا في موضع آخر فلم يشترط فيهم العدول: هم عدول في كل موضع على ما شرط الله تعالى في الغير حيث شرطه، فاستدللنا والله أعلم على أن حكم المجمل حكم المفسر إذا كانا في معنى واحد، والبدل ليس بزيادة وقد يأتي موضع من حكم الله تعالى لا نقول هذا فيه: هذا ليس بالبين أن لازما أن نقول هذا في دم الإحصار كل البيان وليس بالبين وهو مجمل والله أعلم.
(قال الشافعي) : في المرأة المعتدة من زوج له عليها الرجعة، تهل بالحج إن راجعها فله منعها، وإن لم يراجعها منعها حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت العدة فهي مالكة لأمرها ويكون لها أن تتم على الحج، وهكذا المالكة لأمرها الثيب تحرم يمنع وليها من حبسها ويقال لوليها: إن شئت فاخرج معها وإلا بعثنا بها مع نساء ثقات، فإن لم تجد نساء ثقة لم يكن لها في سفر أن تخلو برجل ولا امرأة معها، فإن قال قائل: كيف لم تبطل إحرامها إذا أحرمت في العدة؟ قلت إذا كانت تجد السبيل إليه بحال لم أعجل بإبطاله حتى أعلم أن لا تجد السبيل إليه.
وإن أهلت في عدة من وفاة أو هي قد أتى على طلاقها لزمها الإهلال ومنعها الخروج حتى تتم عدتها، فإن انقضت خرجت، فإن أدركت حجا وإلا حلت بعمل عمرة، فإن قال قائل: فلم لا تجعلها محصرة بمانعها؟ قلت: له منعها إلى مدة، فإذا بلغتها لم يكن له منعها وبلوغها أيام يأتي عليها ليس منعها بشيء إلى غيرها ولا يجوز لها الخروج حتى
قيل قد يعتق قبل عتقه شيء يحدثه غيره له أو لا يحدثه وليس كالمعتدة فيما لمانعها من منعها فلو أهل عبد بحج فمنعه سيده حل، وإن عتق بعدما يحل فلا حج عليه إلا حجة الإسلام، وإن عتق قبل أن يحل مضى في إحرامه، كما يحصر الرجل بعدو فيكون له أن يحل، فإن لم يحل حتى يأمن العدو، لم يكن له أن يحل وكان عليه أن يمضي في إحرامه، ولو أن امرأة مالكة لأمرها أهلت بحج ثم نكحت، لم يكن لزوجها منعها من الحج؛ لأنه لزمها قبل أن يكون له منعها ولا نفقة لها عليه في مضيها ولا في إحرامها في الحج؛ لأنها مانعة لنفسها بغير إذنه، كان معها في حجها أو لم يكن، ولا يجوز نكاح المحرمة ولا المحرم.
(قال الربيع) : هذه المسألة فيها غلط؛ لأن الشافعي يقول لا يجوز نكاح المحرمة ولا المحرم فلما أهلت هذه بحج ثم نكحت كان نكاحها باطلا، ولم يكن لها زوج يمنعها وتمضي في حجها وليس لها زوج تلزمه النفقة لها؛ لأنها ليست في أحكام الزوجات، ولعل الشافعي إنما حكى هذا القول في قول من يجيز نكاح المحرم؛ فأما قوله: فإنه لا يجوز نكاح المحرم ولا المحرمة، وهذا له في كتاب الشغار.
(قال الشافعي) : وعلى ولي السفيهة البالغة إذا تطوع لها ذو محرم وكان لها مال أن يعطيها من مالها ما تحج به إذا شاءت ذلك، وكان لها ذو محرم يحج بها أو خرجت مع نساء مسلمات.
(قال الشافعي) : - رحمه الله - وإذا احتلم الغلام أو حاضت الجارية، وإن لم يستكملا خمس عشرة سنة أو استكملا خمس عشرة سنة قبل البلوغ وهما غير مغلوبين على عقولهما واجدان مركبا وبلاغا، مطيقان المركب، غير محبوسين عن الحج بمرض ولا سلطان ولا عدو، وهما في الوقت الذي بلغا فيه قادران بموضع، لو خرجا منه، فسارا بسير الناس قدرا على الحج فقد وجب عليهما الحج، فإن لم يفعلا حتى ماتا فقد لزمهما الحج، وعليهما بأنهما قادران عليه في وقت يجزئ عنهما لو مضيا فيه حتى يقضى عنهما الحج، وإن كانا بموضع يعلمان أن لو خرجا عند بلوغهما، لم يدركا الحج لبعد دارهما أو دنو الحج، فلم يخرجا للحج ولم يعيشا حتى أتى عليهما حج قابل، فلا حج عليهما، ومن لم يجب الحج عليه فيدعه وهو لو حج أجزأه، لم يكن عليه قضاؤه.
ولو كانا إذا بلغا فخرجا يسيران سيرا مباينا لسير الناس في السرعة حتى يسيرا مسيرة يومين في سير العامة في يوم، ومسيرة ثلاث في يومين، لم يلزمهما عندي والله أعلم أن يسيرا سيرا يخالف سير العامة، فهذا كله لو فعلا كان حسنا، ولو بلغا عاقلين ثم لم يأت عليهما مخرج أهل بلادهما حتى غلب على عقولهما ولم ترجع إليهما عقولهما في وقت لو خرجا فيه أدركا حجا، لم يلزمهما أن يحج عنهما، وإنما يلزمهما أن يحج عنهما إذا أتى عليهما وقت يعقلان فيه ثم لم تذهب عقولهما حتى يأتي عليهما وقت لو خرجا فيه إلى الحج بلغاه، فإن قال قائل: ما فرق بين المغلوب على عقله وبين المغلوب بالمرض؟ قيل الفرائض على المغلوب على عقله زائلة في مدتها كلها، والفرائض على المغلوب بالمرض العاقل على بدنه غير زائلة في مدته، ولو حج المغلوب على عقله لم يجز عنه لا يجزي عمل على البدن لا يعقل عامله قياسا على قول الله عز وجل {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] ولو حج العاقل المغلوب بالمرض أجزأ عنه، ولو كان بلوغهما في عام جدب الأغلب فيه على الناس خوف الهلكة بالعطش في سفر أهل ناحية هما فيها، أو لم يكن ما لا بد لهم منه من علف موجود فيه، أو في خوف من عدو
لا يقوى جماعة حاج مصرهما عليه أو اللصوص كذلك، أشبه هذا والله أعلم أن يكون من أراد فيه الحج غير مستطيع له، فيكون غير لازم له بأنه غير مستطيع، فإن مات قبل أن يمكنه الحج بتغير هذا، لم يكن عليه حج، وكذلك لو حج أول ما بلغ فأحصر بعدو فنحر وحل دون مكة ورجع فلم يمكنه الحج حتى يموت، لم يكن عليه حج، ولو كان ما وصفت من الحائل في البر، وكان يقدر على الركوب في البحر، فيكون له طريقا، أحببت له ذلك، ولا يبين لي أنه يجب عليه ركوب البحر للحج؛ لأن الأغلب من ركوب البحر خوف الهلكة، ولو بلغا مغلوبين على عقولهما فلم يفيقا فتأتي عليهما مدة يعقلان فيها ويمكنهما الحج لم يكن عليهما، وإذا بلغا معا فمنعا الحج بعدو حائل بين أهل ناحيتهما معا وبين الحج، ثم لم يأت عليهما مدة وقت الحج، يقدران هما ولا غيرهما من أهل ناحيتهما فيه على الحج، فلا حج عليهما يقضى عنهما إن ماتا قبل تمكنهما أو أحد من أهل ناحيتهما من الحج، ولو حيل بينهما خاصة بحبس عدو أو سلطان أو غيره وكان غيرهما يقدر على الحج ثم ماتا ولم يحجا كان هذان ممن عليه الاستطاعة بغيرهما ويقضى الحج عنهما.
وكذلك لو كان حبس ببلده أو في طريقه بمرض أو زمن لا بعلة غيره وعاش حتى الحج غير صحيح ثم مات قبل أن يصح وجب عليه الحج، وجماع هذا أن يكون البالغان إذا لم يقدرا بأي وجه ما كانت القدرة بأبدانهما وهما قادران بأموالهما وفي ناحيتهما من يقدر على الحج غيرهما ثم ماتا قبل أن يحجا فقد لزمهما الحج، إنما يكون غير لازم لهما إذا لم يقدر أحد من أهل ناحيتهما على الحج ببعض ما وصفت، فإن قال قائل: ما خالف بين هذا وبين المحصر بما ذكرت من عدو وحدث؟ قيل ذلك لا يجد السبيل بنفسه إلى الحج ولا إلى أن يحج عنه غيره من ناحيته، من قبل أن غيره في معناه في خوف العدو والهلكة بالجدب والزمن والمرض، وإن كان معذورا بنفسه فقد يمكنه أن يحج عنه صحيح غيره، ومثل هذا أن يحبسه سلطان عن حج أو لصوص وحده، وغيره يقدر على الحج فيموت، فعليه أن يحج عنه، والشيخ الفاني أقرب من العذر من هذين، وقد وجب عليه أن يحج عنه إذا وجد من يحج عنه.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ولما «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية بالحج عن أبيها» دلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قول الله {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] على معنيين: أحدهما: أن يستطيعه بنفسه وماله والآخر أن يعجز عنه بنفسه بعارض كبر أو سقم أو فطرة خلقة، لا يقدر معها على الثبوت على المركب ويكون من يطيعه إذا أمره بالحج عنه، إما بشيء يعطيه إياه وهو واجد له، وإما بغير شيء، فيجب عليه أن يعطي إذا وجد، أو يأمر إن أطيع، وهذه إحدى الاستطاعتين، وسواء في هذا الرجل يسلم ولا يقدر على الثبوت على المركب أو الصبي يبلغ كذلك أو العبد يعتق كذلك، ويجب عليه إن قدر على الثبوت على المحمل بلا ضرر وكان واجدا له أو لمركب غيره، وإن لم يثبت على غيره، أن يركب المحمل أو ما أمكنه الثبوت عليه من المركب.
وإن كان واحد من هؤلاء لا يجد مطيعا ولا مالا، فهو ممن لا يستطيع بالبدن ولا بالطاعة فلا حج عليه، وجماع الطاعة التي توجب الحج وتفريعها اثنان: أحدهما: أن يأمر فيطاع بلا مال، والآخر أن يجد مالا يستأجر به من يطيعه، فتكون إحدى الطاعتين، ولو تحامل فحج أجزأت عنه ورجوت أن يكون أعظم أجرا ممن
يخف ذلك عليه، ولما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تحج عن أبيها إذ أسلم وهو لا يستمسك على الراحلة فدل ذلك على أن عليه الفرض إذا كان مستطيعا بغيره، إذا كان في هذه الحال، والميت أولى أن يجوز الحج عنه؛ لأنه في أكثر من معنى هذا الذي لو تكلف الحج بحال أجزأه، والميت لا يكون فيه تكلف أبدا.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج الواجب أن يحج المرء عن غيره فاحتمل القياس على هذا وجهين: أحدهما: أن الله تعالى فرض على خلقه فرضين، أحدهما فرض على البدن، والآخر فرض في المال، فلما كان ما فرض الله على الأبدان عليها لا يتجاوزها، مثل الصلاة والحدود والقصاص وغيرها، ولا يصرف عنها إلى غيرها بحال، وكان المريض يصلي كما رأى، ويغلب على عقله فيرتفع عنه فرض الصلاة، وتحيض المرأة فيرتفع عنها فرض الصلاة في وقت الغلبة على العقل والحيض، ولا يجزي المغلوب على عقله صلاة صلاها وهو مغلوب على عقله، وكذلك الحائض لا تجزيها صلاة صلتها وهي حائض، ولا يجب عليهما أن يصلي عنهما غيرهما في حالهما تلك، فلما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرء أن يحج عن غيره حجة الإسلام، كان هذا كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الإسلام وعمرته، وكل ما وجب على المرء بإيجابه على نفسه من حج وعمرة وكان ما سوى هذا من حج تطوع أو عمرة تطوع لا يجوز لأحد أن يحجه عن أحد ولا يعتمر في حياته ولا بعد موته، ومن قال هذا، كان وجها محتملا ولزمه أن يقول: لو أوصى رجلا أن يحج عنه تطوعا بطلت الوصية كما لو أوصى أن يصلي عنه بطلت الوصية ولزمه أن يقول: إن حج أحد عن أحد بوصية فهي في ثلثه والإجارة عليه فاسدة، ثم يكون القول فيما أخذ من الإجارة على هذا واحدا من قولين: أحدهما: أن له أجر مثله ويرد الفضل مما أخذ عليه ويلحق بالفضل إن كان نقصه كما يقول في كل إجارة فاسدة، والآخر أن لا أجرة له؛ لأن عمله عن نفسه لا عن غيره.
والقول الثاني أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر المرء أن يحج عن غيره في الواجب، دل هذا على أن يكون الفرض على الأبدان من وجهين، أحدهما ما لا يعمله المرء عن غيره، مثل الصلاة، ولا يحمله عنه غيره مثل الحدود وغيرها، والآخر النسك من الحج والعمرة فيكون للمرء أن يعمله عن غيره متطوعا عنه أو واجبا عليه إذا صار في الحال التي لا يقدر فيها على الحج، ولا يشبه أن يكون له أن يتطوع عنه، والمتطوع عنه يقدر على الحج؛ لأن الحال التي أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها بالحج عنه هي الحال التي لا يقدر فيها على أن يحج عن نفسه ولأنه لو تطوع عنه وهو يقدر على الحج لم يجز عنه من حجة الإسلام، فلما كان هو لو تطوع عن نفسه كانت حجة الإسلام، وإن لم ينوها فتطوع عنه غيره لم يجز عنه، وقد ذهب عطاء مذهبا يشبه أن يكون أراد أنه يجزي عنه أن يتطوع عنه بكل نسك من حج أو عمرة إن عملهما مطيقا له أو غير مطيق، وذلك أن سفيان أخبرنا عن يزيد مولى عطاء قال: ربما أمرني عطاء أن أطوف عنه.
(قال الشافعي) : فكأنه ذهب إلى أن الطواف من النسك وأنه يجزي أن يعمله المرء عن غيره في أي حال ما كان، وليس نقول بهذا، وقولنا لا يعمل أحد عن أحد إلا والمعمول عنه غير مطيق العمل، بكبر أو مرض لا يرجى أن يطيق بحال، أو بعد موته، وهذا أشبه بالسنة والمعقول، لما
وصفت من أنه لو تطوع عنه رجل والمتطوع عنه يقدر على الحج لم يجز المحجوج عنه (قال) : ومن ولد زمنا لا يستطيع أن يثبت على مركب، محمل ولا غيره، أو عرض ذلك له عند بلوغه، أو كان عبدا فعتق، أو كافرا فأسلم فلم تأت عليه مدة يمكنه فيها الحج حتى يصير بهذه الحال، وجب عليه إن وجد من يحج عنه بإجارة أو غير إجارة، وإذا أمكنه مركب محمل أو شجار أو غيره فعليه أن يحج ببدنه، وإن لم يقدر على الثبوت على بعير أو دابة إلا في محمل أو شجار وكيفما قدر على المركب وأي مركب قدر عليه، فعليه أن يحج بنفسه، لا يجزيه غيره (قال) : ومن كان صحيحا يمكنه الحج فلم يحج حتى عرض له هذا كان له أن يبعث من يحج عنه؛ لأنه قد صار إلى الحال التي أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحج فيها عمن بلغها (قال) : ولو كان به مرض يرجى البرء منه، لم أر له أن يبعث أحدا يحج عنه حتى يبرأ فيحج عن نفسه، أو يهرم فيحج عنه أو يموت فيحج عنه بعد الموت، فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا المريض المضنى وبين الهرم أو الزمن؟ قيل له لم يصر أحد علمته بعد هرم لا يخلطه سقم غيره إلى قوة يقدر فيها على المركب، والأغلب من أهل الزمانة أنهم كالهرم، وأما أهل السقم فنراهم كثيرا يعودون إلى الصحة (قال) : ولو حج رجل عن زمن ثم ذهبت زمانته، ثم عاش مدة يمكنه فيها أن يحج عن نفسه، كان عليه أن يحج عن نفسه؛ لأنا إنما أذنا له على ظاهر أنه لا يقدر، فلما أمكنته المقدرة على الحج لم يكن له تركه وهو يقدر على أن يعمله ببدنه والله أعلم.
(قال) : ولو بعث السقيم رجلا يحج عنه فحج عنه ثم برئ وعاش بعد البرء مدة يمكنه أن يحج فيها فلم يحج حتى مات كان عليه الحج، وكذلك الزمن والهرم (قال) : والزمن والزمانة التي لا يرجى البرء منها والهرم، في هذا المعنى. ثم يفارقهم المريض، فلا نأمره أن يبعث أحدا يحج عنه ونأمر الهرم والزمن أن يبعثا من يحج عنهما، فإن بعث المريض من يحج عنه ثم لم يبرأ حتى مات ففيها قولان، أحدهما أن لا يجزئ عنه؛ لأنه قد بعث في الحال التي ليس له أن يبعث فيها، وهذا أصح القولين وبه آخذ. والثاني أنها مجزية عنه؛ لأنه قد حج عنه حر بالغ وهو لا يطيق، ثم لم يصر إلى أن يقوى على الحج بعد أن حج عنه غيره، فيحج عن نفسه.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي - رحمه الله تعالى - قال أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء قال: «سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقول لبيك عن فلان فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كنت حججت فلب عن فلان وإلا فاحجج عن نفسك ثم احجج عنه» أخبرنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة قال: سمع ابن عباس رجلا يقول " لبيك عن شبرمة " فقال ابن عباس " ويحك وما شبرمة؟ " قال فذكر قرابة له فقال " أحججت عن نفسك " فقال: لا قال " فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة ".
(قال الشافعي) : وإذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية بالحج عن أبيها ففي ذلك دلائل منها ما وصفنا من أنها إحدى الاستطاعتين، وإذا أمرها بالحج عنه فكان في
الحال التي أمر فيها بالحج عنه وكان كقضاء الدين عنه، فأبان أن العمل عن بدنه في حاله تلك، يجوز أن يعمله عنه غيره فيجزئ عنه ويخالف الصلاة في هذا المعنى. فسواء من حج عنه من ذي قرابة أو غيره، وإذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة تحج عن رجل وهما مجتمعان في الإحرام كله إلا اللبوس، فإنهما يختلفان في بعضه، فالرجل أولى أن يجوز حجه عن الرجل والمرأة من المرأة عن الرجل وكل جائز مع ما روي عن طاوس وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما كتبنا مما يستغنى فيه بنص الخبر، ولو أن امرأ لم يجب عليه الحج إلا وهو غير مطيق ببدنه لم يكن على أحد غيره واجبا أن يحج عنه، وأحب إلي أن يحج عنه ذو رحمه، وإن كان ليس عليه أو يستأجر من يحج عن من كان، ولو كان فقيرا لا يقدر على زاد ومركب، وإن كان بدنه صحيحا فلم يزل كذلك حتى أيسر قبل الحج بمدة لو خرج فيها لم يدرك الحج ثم مات قبل أن يأتي عليه حج آخر لم يجب عليه حج يقضى، ولو أيسر في وقت لا يمكنه فيه الحج فأقام موسرا إلى أن يأتي عليه أشهر الحج، ولم يدن الوقت الذي يخرج فيه أهل بلده لموافاة الحج حتى صار لا يجد زادا ولا مركبا ثم مات قبل حجه ذلك أو قبل حج آخر يوسر فيه، لم يكن عليه حج، إنما يكون عليه حج إذا أتى عليه وقت حج بعد بلوغ ومقدرة، ثم لم يحج حتى يفوته الحج، ولو كان موسرا محبوسا عن الحج وجب عليه أن يحج عن نفسه غيره، أو يحج عنه بعد موته وهذا مكتوب في غير هذا الموضع.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : للرجل أن يستأجر الرجل يحج عنه إذا كان لا يقدر على المركب لضعفه وكان ذا مقدرة بماله ولوارثه بعده، والإجارة على الحج جائزة جوازها على الأعمال سواه، بل الإجارة إن شاء الله تعالى على البر خير منها على ما لا بر فيه، ويأخذ من الإجارة ما أعطى، وإن كثر كما يأخذها على غيره لا فرق بين ذلك، ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه فقرن عنه كان دم القران على الأجير وكان زاد المحجوج عنه خيرا؛ لأنه قد جاء بحج وزاد معه عمرة
ولو استأجر الرجل الرجل يحج عنه أو عن غيره فالإجارة جائزة، والحج عنه من حيث شرط أن يحرم عنه، ولا تجوز الإجارة على أن يقول تحج عنه من بلد كذا حتى يقول تحرم عنه من موضع كذا؛ لأنه يجوز الإحرام من كل موضع.
فإذا لم يقل هذا فالإجارة مجهولة، وإذا وقت له موضعا يحرم منه فأحرم قبله ثم مات فلا إجارة له في شيء من سفره، وتجعل الإجارة له من حين أحرم من الميقات الذي وقت له إلى أن يكمل الحج، فإن أهل من وراء الميقات لم تحسب الإجارة إلا من الميقات، وإن مر بالميقات غير محرم فمات قبل أن يحرم فلا إجارة له؛ لأنه لم يعمل في الحج، وإن مات بعدما أحرم من وراء الميقات حسبت له الإجارة من يوم أحرم من وراء الميقات ولم تحسب له من الميقات إذا لم يحرم منه؛ لأنه ترك العمل فيه، وإن خرج للحج فترك الإحرام والتلبية وعمل عمل الحج أو لم يعمله إذا قال لم أحرم بالحج أو قال اعتمرت ولم أحج أو قال استؤجرت على الحج فاعتمرت فلا شيء له، وكذلك لو حج فأفسده؛ لأنه تارك للإجارة مبطل لحق نفسه، ولو استأجره ليحج عنه على أن يحرم من موضع فأحرم منه ثم مات في الطريق فله من الإجارة بقدر ما مضى من سفره أو استأجره على أن يهل من وراء الميقات ففعل فقد قضى بعض ما استأجره عليه، وإذا استأجره، فإنما عليه أن يحرم من الميقات، وإحرامه قبل الميقات تطوع، ولو استأجره على
أن يحج عنه من اليمن فاعتمر عن نفسه ثم خرج إلى الميقات الذي استؤجر عليه فأهل بحج عن الذي استأجره، فلا يجزيه إذا أهل بالعمرة عن نفسه إلا أن يخرج إلى ميقات المستأجر الذي شرط أن يهل منه فيهل عنه بالحج منه، فإن لم يفعل وأهل بالحج من دون الميقات فكان عليه أن يهل فبلغ الميقات فأهل منه بالحج عنه أجزأ عنه وإلا أهراق دما، وذلك من ماله دون مال المستأجر، ويرد من الإجارة بقدر ما يصيب ما بين الميقات الموضع الذي أحرم منه؛ لأنه شيء من عمله نقصه، ولا يحسب الدم على المستأجر؛ لأنه بعمله كان ويجزئه الحج على كل حال شرط عليه أن يهل من دون الميقات أو من وراء الميقات أو منه وكل شيء أحدثه الأجير في الحج لم يأمره به المستأجر مما يجب عليه فيه الفدية فالفدية عليه في ماله دون مال المستأجر، ولو أهل بالحج بعد العمرة عن نفسه من ميقات المستأجر عن المستأجر ثم مات قبل أن يقضي الحج، كان له من الإجارة بقدر ما عمل من الحج وقد قيل لا أجر له إلا أن يكمل الحج، ومن قال هذا القول قاله في الحاج عن الرجل لا يستوجب من الإجارة شيئا إلا بكمال الحج وهذا قول يتوجه، والقياس القول الأول؛ لأن لكل حظا من الإجارة
ولو استأجره يحج عنه فأفسد الحج كان عليه أن يرد جميع ما استأجره به، وعليه أن يقضي عن نفسه من قابل من قبل أنه لا يكون حاجا عن غيره حجا فاسدا، وإذا صار الحج الفاسد عن نفسه فعليه أن يقضيه عن نفسه، فلو حجه عن غيره كان عن نفسه، ولو أخذ الإجارة على قضاء الحج الفاسد ردها؛ لأنها لا تكون عن غيره، ولو كان إنما أصاب في الحج ما عليه فيه الفدية مما لا يفسد الحج كانت عليه الفدية فيما أصاب والإجارة له.
ولو استأجره للحج فأحصر بعدو ففاته الحج ثم دخل فطاف وسعى وحلق أن له من الإجارة بقدر ما بين أن أهل من الميقات إلى بلوغه الموضع الذي حبس فيه في سفره؛ لأن ذلك ما بلغ من سفره في حجه الذي له الإجارة حتى صار غير حاج، وإنما أخذ الإجارة على الحج وصار يخرج من الإحرام بعمل ليس من عمل الحج
ولو استأجر رجل رجلا على أن يحج عنه فاعتمر عن نفسه ثم أراد الحج عن المستأجر خرج إلى ميقات المحجوج عنه فأهل عنه منه لا يجزيه غير ذلك، فإن لم يفعل أهراق دما
ولو استأجر رجل رجلا يحج عن رجل فاعتمر عن نفسه ثم خرج إلى ميقات المحجوج عنه الذي شرط أن يهل عنه منه إن كان الميقات الذي وقت له بعينه فأهل بالحج عنه أجزأت عن المحجوج عنه، فإن ترك ميقاته وأحرم من مكة أجزأه الحج، وكان عليه دم لترك ميقاته من ماله ورجع عليه مما استؤجر به بقدر ما ترك مما بين الميقات ومكة
ولو استأجره على أن يتمتع عنه فأفرد أجزأت الحجة عنه ورجع بقدر حصة العمرة من الإجارة؛ لأنه استأجره على عملين فعمل أحدهما ولو استأجره على أن يفرد فقرن عنه كان زاده عمرة وعلى المستأجر دم القران وهو كرجل استؤجر أن يعمل عملا فعمله، وزاد آخر معه فلا شيء له في زيادة العمرة؛ لأنه متطوع بها، ولو استأجره على أن يقرن عنه فأفرد الحج أجزأ عنه الحج وبعث غيره يعتمر عنه إن كانت العمرة الواجبة ورجع عليه بقدر حصة العمرة من الإجارة؛ لأنه استأجره على
عملين فعمل أحدهما
ولو استأجره على أن يحج عنه فأهل بعمرة عن نفسه وحجة عن المستأجر رد جميع الإجارة من قبل أن سفرهما وعملهما واحد، وأنه لا يخرج من العمرة إلى الحج ولا يأتي بعمل الحج دون العمرة؛ لأنه لا يكون له أن ينوي جامعا بين عملين أحدهما عن نفسه والآخر عن غيره ولا يجوز أن يكونا معا عن المستأجر؛ لأنه نوى أحدهما عن نفسه فصارا معا عن نفسه؛ لأن عمل نفسه أولى به من عمل غيره إذا لم يتميز عمل نفسه من عمل غيره،
ولو استأجر رجل رجلا يحج عن ميت فأهل بحج عن ميت ثم نواه عن نفسه كان الحج عن الذي نوى الحج عنه وكان القول في الأجرة واحدا من قولين: أحدهما أنه مبطل لها لترك حقه فيها، والآخر أنها له؛ لأن الحج عن غيره.
ولو استأجر رجلان رجلا يحج عن أبويهما، فأهل بالحج عنهما معا كان مبطلا لإجارته، وكان الحج عن نفسه، لا عن واحد منهما، ولو نوى الحج عن نفسه وعنهما أو عن أحدهما كان عن نفسه وبطلت إجارته.
وإذا مات الرجل وقد وجبت عليه حجة الإسلام ولم يحج قط فتطوع متطوع قد حج حجة الإسلام بأن يحج عنه فحج عنه أجزأ عنه ثم لم يكن لوصيه أن يخرج من ماله شيئا ليحج عنه غيره ولا أن يعطي هذا شيئا لحجه عنه؛ لأنه حج عنه متطوعا، وإذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية أن تحج عن أبيها ورجلا أن يحج عن أمه ورجلا أن يحج عن أبيه لنذر نذره أبوه دل هذا دلالة بينة أنه يجوز أن تحرم المرأة عن الرجل، ولو لم يكن فيه هذا كان أن يحرم الرجل عن الرجل والرجل عن المرأة أولى، من قبل أن الرجل أكمل إحراما من المرأة وإحرامه كإحرام الرجل فأي رجل حج عن امرأة أو رجل أو امرأة حجت عن امرأة أو عن رجل أجزأ ذلك المحجوج عنه، إذا كان الحاج قد حج حجة الإسلام.
؟ (قال الشافعي) : - رحمه الله تعالى - أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء وطاووس أنهما قالا: الحجة الواجبة من رأس المال.
(قال الشافعي) : وقال غيرهما لا يحج عنه إلا أن يوصي، فإن أوصى حج عنه من ثلثه إذا بلغ ذلك الثلث وبدئ على الوصايا؛ لأنه لازم، فإن لم يوص لم يحج عنه من ثلث ولا من غيره إذا أنزلت الحج عنه وصيه حاص أهل الوصايا ولم يبدأ غيره من الوصايا، ومن قال هكذا فكان يبدأ بالعتق بدأ عليه (قال) : والقياس في هذا أن حجة الإسلام من رأس المال، فمن قال هذا قضى أن يستأجر عنه بأقل ما يقدر عليه، وذلك أن يستأجر رجل من أهل ميقاته أو قربه لتخف مؤنته ولا يستأجر رجل من بلده إذا كان بلده بعيدا إلا أن يبدل ذلك بما يوجد به رجل قريب، ومن قال هذا القول قاله في الحج بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به ورآه دينا عليه وقاله في كل ما كان في معناه وقاله في كل ما أوجبه الله عز وجل عليه فلم يكن له مخرج منه إلا بأدائه ولم يكن له خيار فيه مثل زكاة المال وما كان، لا يكون أبدا إلا واجبا عليه شاء أو كره بغير شيء أحدثه هو؛ لأن حقوق الآدميين إنما وجبت لهم من رأس المال وهذا من حقوق الآدميين، أمر أن يؤديه إلى صنف منهم بعينه فجمع أن وجب وجوب الحج بفرض الله عز وجل، وإن كان كما وصفت للآدميين، ومن قال هذا بدأ هذا على جميع ما معه من الوصايا والتدبير وحاص به أهل الدين قبل الورثة إذا جعله الله واجبا وجوب
ما للآدميين، وهذا قول يصح والله أعلم، ومن قال هذا قاله في الحج إن لم يبلغ إلا مريضا ثم لم يصح حتى مات مريضا أنه واجب عليه لا وصية؛ لأن الواجب على المريض والصحيح سواء فأما ما لزمه من كفارة يمين أو غيره.
فإن أوصى به فقد قيل يكون في ثلثه كالوصايا وقيل بل لازم وما لزمه من شيء ألزمه نفسه من نذر أو كفارة قتل أو ظهار وهو واجد فقد يخالف ما لزمه بكل حال من قبل أنه قد كان ولم يجب عليه فإنما أوجبه على نفسه، فيختلفان في هذا، ويجتمعان في أنه قد أوجب كلا منهما فأوجب هذا وأوجب إقرار الآدمي فيحتمل أن يقال هما لازمان معا وأنا أستخير الله تعالى فيه.
(قال الشافعي) : - رحمه الله - أحب أن ينوي الرجل الحج والعمرة عند دخوله فيهما كما أحب له في كل واجب عليه غيرهما، فإن أهل بالحج ولم يكن حج حجة الإسلام ينوي أن يكون تطوعا أو ينوي أن يكون عن غيره أو أحرم فقال: إحرامي كإحرام فلان لرجل غائب عنه فكان فلان مهلا بالحج كان في هذا كله حاجا وأجزأ عنه من حجة الإسلام، فإن قال قائل ما دل على ما وصفت؟ قلت فإن مسلم بن خالد وغيره أخبرنا عن ابن جريج قال أخبرنا عطاء أنه سمع جابرا يقول: «قدم علي - رضي الله عنه - من سعايته فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - بم أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فأهد وامكث حراما كما أنت قال: وأهدى له علي هديا» (قال الشافعي) : أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله وهو يحدث عن حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا أتى البيداء فنظرت مد بصري من بين راكب وراجل من بين يديه وعن يمينه وعن شماله ومن ورائه كلهم يريد أن يأتم به يلتمس أن يقول كما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينوي إلا الحج ولا يعرف غيره ولا يعرف العمرة فلما طفنا فكنا عند المروة قال: أيها الناس من لم يكن معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت فحل من لم يكن معه هدي» ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية بنت شيبة عن «أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل ولم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحلل» ، أخبرنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن «عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا أنه الحج فلما كنا بسرف أو قريبا منها أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر فقلت ما هذا؟ قالوا ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه» ، قال يحيى فحدثت به القاسم بن محمد فقال: جاءتك والله بالحديث على وجهه، أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة والقاسم مثل معنى حديث سفيان لا يخالف معناه، أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بن حمد عن أبيه عن «عائشة أنها قالت خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته لا نرى إلا الحج حتى إذا كنا بسرف أو قريبا منها حضت فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي فقال مالك أنفست: فقلت: نعم فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت قالت
وضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه بالبقر» أخبرنا سفيان قال حدثنا ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وهشام بن حجير سمعوا طاوسا يقول: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكنني لبدت رأسي وسقت هديي فليس لي محل دون محل هديي فقام إليه سراقة بن مالك فقال يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: لا، بل لأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال ودخل علي من اليمن فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: بم أهللت؟ فقال أحدهما عن طاووس: إهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال الآخر: لبيك حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الشافعي: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مهلين ينتظرون القضاء فعقدوا الإحرام ليس على حج ولا عمرة ولا قران ينتظرون القضاء، فنزل القضاء على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة ومن معه هدي أن يجعله حجا» .
(قال الشافعي) : ولبى علي وأبو موسى الأشعري باليمن وقالا في تلبيتهما " إهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهما بالمقام على إحرامهما، فدل هذا على الفرق بين الإحرام والصلاة؛ لأن الصلاة لا تجزي عن أحد إلا بأن ينوي فريضة بعينها وكذلك الصوم، ويجزئ بالسنة الإحرام، فلما دلت السنة على أنه يجوز للمرء أن يهل، وإن لم ينو حجا بعينه ويحرم بإحرام الرجل لا يعرفه دل على أنه إذا أهل متطوعا ولم يحج حجة الفريضة كانت حجة الفريضة، ولما كان هذا كان إذا أهل بالحج عن غيره ولم يهلل بالحج عن نفسه كانت الحجة عن نفسه، وكان هذا معقولا في السنة مكتفى به عن غيره، وقد ذكرت فيه حديثا منقطعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورأيا لابن عباس - رضي الله عنهما - متصلا (قال) : ولا يجوز أن يحج رجل عن رجل إلا حر بالغ مسلم، ولا يجوز أن يحج عنه عبد بالغ ولا حر غير بالغ إذا كان حجهما لأنفسهما لا يجزئ عنهما من حجة الإسلام لم يجز عن غيرهما والله أعلم (قال) : وأمر الحج والعمرة سواء، فيعتمر عن الرجل كما يحج عنه، ولا يجزيه أن يعتمر عنه إلا من اعتمر عن نفسه من بالغ حر مسلم (قال) : ولو أن رجلا اعتمر عن نفسه ولم يحج فأمره رجل يحج عنه ويعتمر فحج عنه واعتمر أجزأت المعتمر عنه العمرة ولم تجز عنه الحجة، وهكذا لو حج عن نفسه ولم يعتمر فحج عن غيره واعتمر، أجزأت المحجوج عنه الحجة ولم تجز عنه العمرة، ويجزيه أي النسكين كان العامل عمله عن نفسه ثم عمله عنه، ولا يجزيه النسك الذي لم يعمله العامل عن نفسه.
وإذا كان ممن له أن يبعث من يحج عنه ويعتمر أجزأه أن يبعث رجلا واحدا يقرن عنه وأجزأه أن يبعث اثنين مفترقين يحج هذا عنه ويعتمر هذا عنه وكذلك امرأتين أو امرأة ورجلا (قال) : وهذا في فرض الحج والعمرة كما وصفت يجزي رجلا أن يحج عن رجل وقد قيل إذا أجزأ في الفرض أجزأ أن يتنفل بالحج عنه وقد قيل يحج الفرض فقط بالسنة ولا يحج عنه نافلة ولا يعتمر نافلة (قال الشافعي) : ومن قال يحج المرء عن المرء متطوعا قال: إذا كان أصل الحج مفارقا للصلاة والصوم، وكان المرء يعمل عن المرء الحج فيجزي عنه بعد موته وفي الحال التي لا يطيق فيها الحج، فكذلك يعمله عنه متطوعا، وهكذا كل شيء من أمر النسك، أخبرنا ابن عيينة عن يزيد مولى عطاء قال: ربما قال لي عطاء: طف عني.
(قال الشافعي) : وقد يحتمل أن يقال لا يجوز أن يحج رجل عن رجل إلا حجة الإسلام وعمرته، ومن قال هذا قال الدلالة عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بالحج عن الرجل في الحال التي لا يقدر فيها المحجوج عنه أن يحج عن نفسه،
وإني لا أعلم مخالفا في أن رجلا لو حج عن رجل يقدر على الحج لا يجزي عنه من حجة الإسلام، فإذا كان هذا عندهم هكذا دل على أنه إنما عذر في حال الضرورة بتأدية الفرض وما جاز في الضرورة دون غيرها، لم يجز، ما لم يكن ضرورة مثله
(قال الشافعي) : ولو أهل رجل بحج ففاته فحل بطواف البيت وسعى بين الصفا والمروة لم يجز عنه من حجة الإسلام؛ لأنه لم يدركها ولم تجز عنه من عمرة الإسلام ولا عمرة نذر عليه؛ لأنها ليست بعمرة، وإنما كان حجا لم يجز له أن يقيم عليه لوجهين: أحدهما: أنه حج سنة فلا يدخل في حج سنة غيرها، والآخر أنه ليس له أن يقيم محرما بحج في غير أشهر الحج، ولو أهل بالحج في غير أشهر الحج كان إهلاله عمرة يجزئ عنه من عمرة الإسلام؛ لأنه لا وجه للإهلال إلا بحج أو عمرة، فلما أهل في وقت كانت العمرة فيه مباحة والحج محظورا كان مهلا بعمرة وليس هذا كالمهل بالحج والحج مباح له فيفوته؛ لأن ابتداء ذلك الحج كان حجا، وابتداء هذا الحج كان عمرة، وإذا أجزأت العمرة بلا نية لها أنها عمرة أجزأت إذا أهل بحج وكان إهلاله عمرة.
(قال الشافعي) : والعمرة لا تفوت من قبل أنها تصلح في كل شهر والحج يفوت من قبل أنه لا يصلح إلا في وقت واحد من السنة، فلو أن رجلا أهل بالعمرة في عام فحبسه مرض أو خطأ عدد أو غير ذلك ما خلا العدو أقام حراما حتى يحل متى حل، ولم تفته العمرة متى وصل إلى البيت فعمل عملها
(قال) : ولو حج رجل عن رجل بلا إجارة ثم أراد الإجارة لم يكن له وكان متطوعا عنه وأجزأت عنه حجته
(قال) : ولو استأجر رجل رجلا يعتمر عنه في شهر فاعتمر في غيره أو على أن يحج عنه في سنة فحج في غيرها كانت له الإجارة وكان مسيئا بما فعل
(قال) : ولا بأس بالإجارة على الحج وعلى العمرة وعلى الخير كله، وهي على عمل الخير أجوز منها على ما ليس بخير ولا بر من المباح، فإن قال قائل: ما الحجة في جواز الإجارة على تعليم القرآن والخير؟ قيل أخبرنا مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج رجلا امرأة بسورة من القرآن» (قال) : والنكاح لا يجوز إلا بما له قيمة من الإجارات والأثمان.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإذا أوصى رجل لم يحج أن يحج عنه وارث ولم يسم شيئا أحج عنه الوارث بأقل ما يوجد به أحد يحج عنه، فإن لم يقبل ذلك فلا يزاد عليه، ويحج عنه غيره بأقل ما يوجد من يحج عنه به ممن هو أمين على الحج.
(قال الشافعي) : ولا يرد عن الوارث وصية بهذا إنما هذه إجازة، ولكن لو قال أحجوه بكذا أبطل كل ما زاد على أقل ما يوجد به من يحج عنه، فإن قبل ذلك لم أحج عنه غيره (قال) : ولو أوصى لغير وارث بمائة دينار يحج بها عنه، فإن حج فذلك له وما زاد على أجر مثله وصية، فإن امتنع لم يحج عنه أحدا لا بأقل ما يوجد به من يحج عنه، ولو قال أحجوا عني من رأي فلان بمائة دينار فرأى فلان أن يحج عنه وارث له لم يحج عنه الوارث إلا بأقل ما يوجد به من يحج عنه، فإن أبى قيل لفلان رأي غير وارث، فإن فعل أجزنا ذلك، وإن لم يفعل أحججت عنه رجلا
بأقل ما يوجد به من يحج عنه
(قال) : ولو قال رجل: أول واحد يحج عني فله مائة دينار فحج عنه غير وارث فله مائة دينار، وإن حج عنه وارث فله أقل ما يوجد به من يحج عنه وما زاد على ذلك مردود؛ لأنها وصية لوارث
(قال) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه أو يعتمر بما شاء كان ذلك مالا من مال المستأجر إذا حج عنه أو اعتمر، فإن استأجره على أن يحج عنه فأفسد الحج لم يقض ذلك من الرجل الحج وكان عليه أن يرد الإجارة كلها، وكذلك لو أخطأ العدد ففاته الحج، وكذلك الفساد في العمرة
(قال) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه أو يعتمر فاصطاد صيدا أو تطيب أو فعل في الحج أو العمرة شيئا تجب فيه الفدية فدى ذلك من ماله وكانت له الإجارة وانظر إلى كل ما كان يكون حجه لو حج عن نفسه قاضيا عنه وعليه فيه كفارة حج عن غيره جعلته قاضيا عن غيره وله الإجارة كاملة في ماله وعليه في ماله فدية كل ما أصاب (قال) : وهكذا ولي الميت إذا استأجر رجلا يحج عن الميت لا يختلفان في شيء
(قال) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه فقرن عنه كان زاده خيرا له ولم ينقصه وعليه في ماله دم القران
(قال) : ولو استأجره يحج عنه فاعتمر أو يعتمر فحج رد الإجارة؛ لأن الحاج إذا أمر أن يعتمر عمل عن نفسه غير ما أمر به والحج غير العمرة والعمرة غير الحج
(قال) : ولو استأجره يحج عنه فاعتمر ثم عاد فحج عنه من ميقاته أجزأت عنه
(قال) : ولو اعتمر عن نفسه ثم أراد الحج عن غيره، لم تكن حجته كاملة عن غيره إلا بأن يخرج إلى ميقات المحجوج عنه، يحج عنه من ميقاته، فإن ترك ذلك وحج من دون ميقاته أهراق دما وأجزأت عنه