Bölüm 75
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
قلت لأبي عبد الله: هل خالفك أحد في التفليس؟ فقال نعم خالفنا بعض الناس في التفليس
فزعم أن الرجل إذا باع السلعة من الرجل بنقد أو إلى أجل، وقبضها المشتري ثم أفلس والسلعة قائمة بعينها فهي مال من مال المشتري يكون البائع فيها وغيره من غرمائه سواء فقلت لأبي عبد الله وما احتج به؟ فقال قال لي قائل منهم: أرأيت إذا باع الرجل أمة ودفعها إلى المشتري أما ملكها المشتري ملكا صحيحا يحل له وطؤها؟ قلت بلى قال أفرأيت لو وطئها فولدت له أو باعها أو أعتقها أو تصدق بها ثم أفلس أترد من هذا شيئا وتجعلها رقيقا؟ قلت لا فقال؛ لأنه ملكها ملكا صحيحا.
قلت نعم قال فكيف تنقض الملك الصحيح؟ فقلت نقضته بما لا ينبغي لي، ولا لك، ولا لمسلم علمه إلا أن ينقضه له. قال: وما هو؟ قلت: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: أفرأيت إن لم أثبت لك الخبر؟ قلت إذا تصير إلى موضع الجهل أو المعاندة قال إنما رواه أبو هريرة وحده فقلت ما نعرف فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواية إلا عن أبي هريرة وحده، وإن في ذلك لكفاية تثبت بمثلها السنة قال أفتوجدنا أن الناس يثبتون لأبي هريرة رواية لم يروها غيره أو لغيره؟ قلت نعم قال وأين هي؟ قلت قال أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها» ؟ فأخذنا نحن وأنت به، ولم يروه أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تثبت روايته غيره قال أجل. ولكن الناس أجمعوا عليها فقلت فذلك أوجب للحجة عليك أن يجتمع الناس على حديث أبي هريرة وحده، ولا يذهبون فيه إلى توهينه بأن الله - عز وجل - يقول {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] الآية.
وقال {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، وقلت له وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» فأخذنا بحديثه كله وأخذت بجملته فقلت الكلب ينجس الماء القليل إذا ولغ فيه، ولم توهنه بأن أبا قتادة روى «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهرة أنها لا تنجس الماء» ونحن وأنت نقول لا تؤكل الهرة فتجعل الكلب قياسا عليها فلا تنجس الماء بولوغ الكلب، ولم يروه إلا أبو هريرة فقال قبلنا هذا؛ لأن الناس قبلوه قلت فإذا قبلوه في موضع ومواضع وجب عليك وعليهم قبول خبره في موضع غيره، وإلا فأنت تحكم فتقبل ما شئت وترد ما شئت. فقال: قد عرفنا أن أبا هريرة روى أشياء لم يروها غيره مما ذكرت وحديث المصراة وحديث الأجير وغيره أفتعلم غيره انفرد برواية؟ قلت نعم أبو سعيد الخدري روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» فصرنا نحن وأنت وأكثر المفتين إليه وتركت قول صاحبك وإبراهيم النخعي الصدقة في كل قليل وكثير أنبتته الأرض، وقد يجدان تأويلا من قول الله عز وجل {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ولم يذكر قليلا، ولا كثيرا ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فيما سقي بالسماء العشر وفيما سقي بالدالية نصف العشر» قال أجل.
قلنا وحديث أبي ثعلبة الخشني «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» لا يروى عن غيره علمته إلا من وجه عن أبي هريرة.
وليس بالمشهور المعروف الرجال فقبلناه نحن وأنت وخالفنا المكيون واحتجوا بقول الله - عز وجل - {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] الآية، وقوله {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] وبقول عائشة وابن عباس وعبيد بن عمير فزعمنا أن الرواية الواحدة تثبت بها الحجة، ولا حجة في تأويل، ولا حديث عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - مع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: أما ما وصفت فكما وصفت. قلت: فإذا جاء مثل هذا فلم لم تجعله حجة؟ قال ما كانت حجتنا في أن لا نقول قولكم في التفليس إلا هذا قلنا، ولا حجة لك فيه؛ لأني قد وجدتك تقول وغيرك وتأخذ بمثله فيه قال آخر إنا قد روينا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - شبيها بقولنا قلنا وهذا مما لا حجة فيه عندنا وعندك؛ لأن مذهبنا معا إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء أن لا حجة في أحد معه. قال: فإنا
قلنا لم نعلم أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان - رضي الله عنهم - قضوا بما رويتم في التفليس قلنا، ولا رويتم أنهم، ولا واحد منهم قال «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» «، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» ، ولا تحريم كل ذي ناب من السباع. قال فاكتفينا بالخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا.
قلنا ففيه الكفاية المغنية عما سواها وما سواها تبع لها لا يصنع معها شيئا إن وافقها تبعها، وكانت به الحاجة إليها، وإن خالفها ترك وأخذت السنة قال وهكذا نقول. قلنا: نعم في الجملة، ولا تفي بذلك في التفريع قال فإني لم أنفرد بما عبت علي قد شركني فيه غير واحد من أهل ناحيتك وغيرهم فأخذوا بأحاديث وردوا أخرى. قلت: فإن كنت حمدتهم على هذا فأشركهم فيه. قال: إذا يلزمني أن أكون بالخيار في العلم. قلت: فقل ما شئت فإنك ذممت ذلك ممن فعله فانتقل عن مثل ما ذممت، ولا تجعل المذموم حجة.
قال: فإني أسألك عن شيء. قلت: فسل قال كيف نقضت الملك الصحيح؟ قلت أوترى للمسألة موضعا فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لا، ولكني أحب أن تعلمني هل تجد مثل هذا غير هذا؟ . قلت: نعم أرأيت دارا بعتها لك فيها شفعة أليس المشتري مالكا يجوز بيعه وهبته وصداقه وصدقته فيما ابتاع، ويجوز له هدمه وبناؤه؟ قال: نعم. قلت: فإذا جاء الذي له الشفعة أخذ ذلك ممن هو في يديه؟ قال نعم قلت أفتراك نقضت الملك الصحيح؟ قال نعم، ولكني نقضته بالسنة وقلت أرأيت الرجل يصدق المرأة الأمة فيدفعها إليها والغنم فتلد الأمة والغنم أليس إن مات الرجل أو المرأة قبل أن يدخل عليها كان ما أصدقها لها قبل موت واحد منهما يكون لها عتق الأمة وبيعها وبيع الماشية وهي صحيحة الملك في ذلك كله؟ . قال: بلى قلت: أفرأيت إن طلقها قبل تفوت في الجارية، ولا الغنم شيئا وهو في يديها بحاله؟ . قال: ينتقض الملك ويصير له نصف الجارية والغنم إن لم يكن أولاد أو نصف قيمتها إن كان لها أولاد؛ لأنهم حدثوا في ملكها قلنا فكيف نقضت الملك الصحيح؟ قال بالكتاب قلنا فما نراك عبت في مال المفلس شيئا إلا دخل عليك في الشفعة والصداق مثله أو أكثر. قال: حجتي فيه كتاب أو سنة قلنا: وكذلك حجتنا في مال المفلس سنة فكيف خالفتها؟ . قلت للشافعي: فإنا نوافقك في مال المفلس إذا كان حيا ونخالفك فيه إذا مات وحجتنا فيه حديث ابن شهاب الذي قد سمعت.
(قال الشافعي) : قد كان فيما قرأنا على مالك أن ابن شهاب أخبره عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به فإن مات المشتري فصاحب السلعة أسوة الغرماء» فقال لي فلم لم تأخذ بهذا؟ قلت: لأنه مرسل ومن خالفنا ممن حكيت قوله، وإن كان ذلك ليس عندي له به عذر يخالفه؛ لأنه رد الحديث، وقال فيه قولا واحدا وأنتم أثبتم الحديث فلما صرتم إلى تفريعه فارقتموه في بعض ووافقتموه في بعض. فقال: فلم لم تأخذ بحديث ابن شهاب؟ . فقلت: الذي أخذت به أولى بي من قبل أن ما أخذت به موصول يجمع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الموت والإفلاس وحديث ابن شهاب منقطع لو لم يخالفه غيره لم يكن مما يثبته أهل الحديث فلو لم يكن في تركه حجة إلا هذا انبغى لمن عرف الحديث تركه من الوجهين مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثا ليس فيه ما روى ابن شهاب عنه مرسلا إن كان روى كله فلا أدري عمن رواه، ولعله روى أول الحديث، وقال برأيه آخره.
(قال الشافعي) : وموجود في حديث أبي بكر عن أبي هريرة «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه انتهى بالقول» فهو أحق به أشبه أن يكون ما زاد على هذا قولا من أبي بكر لا رواية، وإن كان موجودا في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل يبيع السلعة من الرجل فيكون مالكا للمبيع يجوز له فيها ما يجوز لذي المال في المال من وطء أمة وبيعها وعتقها، وإن لم يدفع
ثمنها فإذا أفلس والسلعة بعينها في يدي المشتري كان للبائع التسليط على نقض عقدة البيع. كما يكون للمستشفع أخذ الشفعة، وقد كان الشراء صحيحا فكان المشتري لما فيه الشفعة لو مات كان للمستشفع أخذ الشفعة من ورثته كما له أخذها من يديه فكيف لم يكن هذا في الذي يجد عين ماله عند معدم، وإن مات كما كان لبائعه ذلك في حياة مالكه، وكما قلنا في الشفعة، وكيف يكون الورثة يملكون عن الميت منع السلعة، وإنما عنه ورثوها، ولم يكن للميت منعها من أن ينقض بائعها البيع إذا لم يعط ثمنها كاملا فلا يكون للورثة في حال ما ورثوا عن الميت إلا ما كان للميت أو أقل منه، وقد جعلتم للورثة أكثر مما للمورث الذي عنه ملكوها، ولو جاز أن يفرق بين الموت والحياة كان الميت أولى أن يأخذ الرجل عين ماله منه؛ لأنه ميت لا يفيد شيئا أبدا والحي يفلس فترجى إفادته وأن يقضي دينه فضعفتم الأقوى، وقويتم الأضعف وتركتم بعض حديث أبي هريرة وأخذتم ببعضه. قال: فليس هذا مما روينا. قلنا: وإن لم ترووه فقد رواه ثقة عن ثقة فلا يوهنه أن لا ترووه، وكثير من الأحاديث لم ترووه فلم يوهنه ذلك.
(قال الشافعي) : - رحمه الله -: الحال التي يبلغ فيها الرجل والمرأة رشدهما حتى يكونا يليان أموالهما قال الله - عز وجل - {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} [النساء: 6] .
(قال الشافعي) : فدلت هذه الآية على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة الذكر والأنثى في ذلك سواء إلا أن يحتلم الرجل أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة فيكون ذلك البلوغ ودل قول الله - عز وجل - {فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] على أنهم إذا جمعوا البلوغ والرشد لم يكن لأحد أن يلي عليهم أموالهم وكانوا أولى بولاية أموالهم من غيرهم وجاز لهم في أموالهم ما يجوز لمن خرج من الولاية ممن ولي فخرج منها أو لم يول وأن الذكر والأنثى فيهما سواء.
والرشد والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال وإنما يعرف إصلاح المال بأن يختبر اليتيم والاختبار يختلف بقدر حال المختبر فإن كان من الرجال ممن يتبذل فيختلط الناس استدل بمخالطته الناس في الشراء والبيع قبل البلوغ وبعده حتى يعرف أنه يحب توفير ماله والزيادة فيه وأن لا يتلفه فيما لا يعود عليه نفعه كان اختبار هذا قريبا وإن كان ممن يصان عن الأسواق كان اختباره أبعد قليلا من اختبار الذي قبله.
(قال الشافعي) : ويدفع إلى المولى عليه نفقة شهر فإن أحسن إنفاقها على نفسه وأحسن شراء ما يحتاج إليه منها مع النفقة اختبر بشيء يسير يدفع إليه فإذا أونس منه توفير له وعقل يعرف به حسن النظر لنفسه في إبقاء ماله دفع إليه ماله. واختبار المرأة مع علم صلاحها بقلة مخالطتها في البيع والشراء أبعد من هذا قليلا فيختبرها النساء وذوو المحارم بها بمثل ما وصفنا من دفع النفقة وما يشترى لها من الأدم وغيره فإذا آنسوا منها صلاحا لما تعطى من نفقتها كما وصفت في الغلام البالغ فإذا عرف منها صلاح دفع إليها اليسير منه فإن هي أصلحته دفع إليها مالها نكحت أو لم تنكح لا يزيد في رشدها ولا ينقص منه النكاح ولا تركه كما لا يزيد في رشد الغلام ولا
ينقص منه وأيهما نكح وهو غير رشيد وولد له ولي عليه ماله؛ لأن شرط الله - عز وجل - أن يدفع إليه إذا جمع الرشد مع البلوغ، وليس النكاح بواحد منهما، وأيهما صار إلى ولاية ماله فله أن يفعل في ماله ما يفعل غيره من أهل الأموال وسواء في ذلك المرأة والرجل وذات زوج كانت أو غير ذات زوج، وليس الزوج من ولاية مال المرأة بسبيل، ولا يختلف أحد من أهل العلم علمته أن الرجل والمرأة إذا صار كل واحد منهما إلى أن يجمع البلوغ والرشد سواء في دفع أموالهما إليهما؛ لأنهما من اليتامى فإذا صارا إلى أن يخرجا من الولاية فهما كغيرهما يجوز لكل واحد منهما في ماله ما يجوز لكل من لا يولى عليه غيره.
فإن قال قائل: المرأة ذات الزوج مفارقة للرجل لا تعطي المرأة من مالها بغير إذن زوجها قيل له كتاب الله - عز وجل - في أمره بالدفع إلى اليتامى إذا بلغوا الرشد يدل على خلاف ما قلت؛ لأن من أخرج الله - عز وجل - من الولاية لم يكن لأحد أن يلي عليه إلا بحال يحدث له من سفه وفساد، وكذلك الرجل والمرأة أو حق يلزمه لمسلم في ماله فأما ما لم يكن هكذا فالرجل والمرأة سواء فإن فرقت بينهما فعليك أن تأتي ببرهان على فرقك بين المجتمع فإن قال قائل فقد روي أن «ليس للمرأة أن تعطي من مالها شيئا بغير إذن زوجها» . قيل: قد سمعناه، وليس بثابت فيلزمنا أن نقول به والقرآن يدل على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول فإن قال فاذكر القرآن قلنا الآية التي أمر الله - عز وجل - بدفع أموالهم إليهم وسوى فيها بين الرجل والمرأة، ولا يجوز أن يفرق بينهما بغير خبر لازم.
فإن قال أفتجد في القرآن دلالة على ما وصفت سوى هذا؟ قيل نعم قال الله - عز وجل - {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير} [البقرة: 237] فدلت هذه الآية على أن على الرجل أن يسلم إلى المرأة نصف مهرها كما كان عليه أن يسلم إلى الأجنبيين من الرجال ما وجب لهم. ودلت السنة على أن المرأة مسلطة على أن تعفو من مالها وندب الله - عز وجل - إلى العفو وذكر أنه أقرب للتقوى وسوى بين المرأة والرجل فيما يجوز من عفو كل واحد منهما ما وجب له يجوز عفوه إذا دفع المهر كله وكان له أن يرجع بنصفه فعفاه جاز، وإذا لم يدفعه فكان لها أن تأخذ نصفه فعفته جاز لم يفرق بينهما في ذلك. وقال - عز وجل -: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] فجعل في إيتائهن ما فرض لهن من فريضة على أزواجهن يدفعونه إليهن دفعهم إلى غيرهم من الرجال ممن وجب له عليهم حق بوجه وحل للرجال أكل ما طاب نساؤهم عنه نفسا كما حل لهم ما طاب الأجنبيون من أموالهم عنه نفسا وما طابوا هم لأزواجهم عنه نفسا لم يفرق بين حكمهم وحكم أزواجهم والأجنبيين وغير أزواجهم فيما أوجبه من دفع حقوقهن، وأحل ما طبن عنه نفسا من أموالهن وحرم من أموالهن ما حرم من أموال الأجنبيين فيما ذكرت.
وفي قول الله - عز وجل - {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] الآية وقال - عز وجل - {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] فأحله إذا كان من قبل المرأة كما حل للرجل من مال الأجنبيين بغير توقيت شيء فيه ثلث، ولا أقل، ولا أكثر وحرمه إذا كان من قبل الرجل كما حرم أموال الأجنبيين أن يغتصبوها قال الله - عز وجل - {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} [النساء: 12] الآية فلم يفرق بين الزوج والمرأة في أن لكل واحد منهما أن يوصي في ماله وفي أن دين كل واحد منهما لازم له في ماله فإذا كان هذا هكذا كان لها أن تعطي من مالها من
شاءت بغير إذن زوجها وكان لها أن تحبس مهرها وتهبه، ولا تضع منه شيئا وكان لها إذا طلقها أخذ نصف ما أعطاها لا نصف ما اشترت لها دونه إذا كان لها المهر كان لها حبسه وما أشبهه.
فإن قال قائل: فأين السنة في هذا؟ قلت (أخبرنا) مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أخبرته «أن حبيبة بنت سهل الأنصارية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج لصلاة الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه؟ فقالت أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله فقال ما شأنك؟ فقالت لا أنا، ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها» .
(قال الشافعي) : أخبرنا مالك عن نافع عن مولاة لصفية بنت أبي عبيد أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر.
(قال الشافعي) : فدلت السنة على ما دل عليه القرآن من أنها إذا اختلعت من زوجها حل لزوجها الأخذ منها، ولو كانت لا يجوز لها في مالها ما يجوز لمن لا حجر عليه من الرجال ما حل له خلعها.
فإن قال قائل: وأين القياس والمعقول؟ قلت إذا أباح الله تعالى لزوجها ما أعطته فهذا لا يكون إلا لمن يجوز له ماله وإذا كان مالها يورث عنها وكانت تمنعه زوجها فيكون لها فهي كغيرها من ذوي الأموال قال، ولو ذهب ذاهب إلى الحديث الذي لا يثبت أن ليس لها أن تعطي من دون زوجها إلا ما أذن زوجها لم يكن له وجه إلا أن يكون زوجها وليا لها، ولو كان رجل وليا لرجل أو امرأة فوهبت له شيئا لم يحل له أن يأخذه؛ لأن هبتها له كهبتها لغيره لزمه أن يقول لا تعطي من مالها درهما، ولا يجوز لها أن تبيع فيه، ولا تبتاع، ويحكم لها وعليها حكم المحجور عليه، ولو زعم أن زوجها شريك لها في مالها سئل أبالنصف؟ فإن قال نعم قيل فتصنع بالنصف الآخر ما شاءت ويصنع بالنصف ما شاء؟ فإن قال ما قل أو كثر؟ قلت فاجعل لها من مالها شيئا فإن قال: مالها مرهون له. قيل له: فبكم هو مرهون حتى تفتديه؟ . فإن قال: ليس بمرهون. قيل له: فقل فيه ما أحببت فهو لا شريك لها في مالها، وليس له عندك وعندنا أن يأخذ من مالها درهما، وليس مالها مرهونا فتفتكه، وليس زوجها وليا لها، ولو كان زوجها وليا لها، وكان سفيها أخرجنا ولايتها من يديه وولينا غيره عليها ومن خرج من هذه الأقاويل لم يخرج إلى أثر يتبع، ولا قياس، ولا معقول.
وإذا جاز للمرأة أن تعطي من مالها الثلث لا تزيد عليه فلم يجعلها مولى عليها، ولم يجعل زوجها شريكا، ولا مالها مرهونا في يديه، ولا هي ممنوعة من مالها، ولا مخلى بينها وبينه ثم يجيز لها بعد زمان إخراج الثلث والثلث بعد زمان حتى ينفد مالها فما منعها مالها، ولا خلاها وإياه والله المستعان.
فإن قال هو نكحها على اليسر قيل أفرأيت إن نكحت مفلسة ثم أيسرت بعد عنده أيدعها ومالها؟ . فإن قال: نعم فقد أخرجها من الحجر وإن قال: لا فقد منعها ما لم تغره به أورأيت إذا قال غرته فلا أتركها تخرج مالها ضرارا؟ . قيل أفرأيت إن غر فقيل هي جميلة فوجدها غير جميلة أو غر فقيل هي موسرة فوجدها مفلسة أينقص عنه من صداقها أو يرده عليها بشيء؟ . أو رأيت إذا قال هذا في المرأة فإذا كان الرجل دينا موسرا فنكح شريفة، وأعلمتنا أنها لم تنكحه إلا بيسره ثم خدعها فتصدق بماله كله فإذا جاز ذلك له فقد ظلمها بمنعها من مالها ما أباح له.
وإن قال أجبرها بأن تبتاع له ما يتجهز به مثلها؛ لأن هذا مما يتعامل به الناس عندنا، وذلك أن المرأة تصدق ألف درهم وتجهز بأكثر من عشرة آلاف وتكون مفلسة لا تجهز إلا بثيابها وبساطها ومما يتعامل الناس به أن الرجل المفلس ذا المروءة ينكح الموسرة فتقول يكون قيما على مالي على
هذا تناكحا ويستنفق من مالها وما أشبه هذا مما وصفت ويحسن مما يتعامل الناس وللحاكم الحكم على ما يجب ليس على ما يجمل ويتعامل الناس عليه.
(قال الشافعي) : والحجة تمكن على من خالفنا بأكثر مما وصفت، وفي أقل مما وصفت حجة، ولا يستقيم فيها قول إلا معنى كتاب الله - عز وجل - والسنة والآثار والقياس من أن صداقها مال من مالها، وأن لها إذا بلغت الرشد أن تفعل في مالها ما يفعل الرجل لا فرق بينها وبينه.
باب الحجر على البالغين (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : الحجر على البالغين في آيتين من كتاب الله - عز وجل - وهما قول الله - تبارك وتعالى - {فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] .
(قال الشافعي) : وإنما خاطب الله - عز وجل - بفرائضه البالغين من الرجال والنساء وجعل الإقرار له فكان موجودا في كتاب الله - عز وجل - أن أمر الله - تعالى - الذي عليه الحق أن يمل هو، وأن إملاءه إقراره وهذا يدل على جواز الإقرار على من أقر به، ولا يأمر - والله أعلم - أحدا أن يمل ليقر إلا البالغ وذلك أن إقرار غير البالغ وصمته وإنكاره سواء عند أهل العلم فيما حفظت عنهم، ولا أعلمهم اختلفوا فيه. ثم قال في المرء الذي عليه الحق أن يمل {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] ، وأثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غناء به عنه من ماله مقامه.
(قال الشافعي) : قد قيل والذي لا يستطيع أن يمل يحتمل أن يكون المغلوب على عقله وهو أشبه معانيه والله أعلم. والآية الأخرى قول الله - تبارك وتعالى - {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] فأمر - عز وجل - أن يدفع إليهم أموالهم إذا جمعوا بلوغا ورشدا قال وإذا أمر بدفع أموالهم إليهم إذا جمعوا أمرين كان في ذلك دلالة على أنهم إن كان فيهم أحد الأمرين دون الآخر لم يدفع إليهم أموالهم وإذا لم يدفع إليهم فذلك الحجر عليهم كما كانوا لو أونس منهم رشد قبل البلوغ لم يدفع إليهم أموالهم فكذلك لو بلغوا، ولم يؤنس منهم رشد لم تدفع إليهم أموالهم ويثبت عليهم الحجر كما كان قبل البلوغ وهكذا قلنا نحن وهم في كل أمر يكمل بأمرين أو أمور فإذا نقص واحد لم يقبل فزعمنا أن شرط الله - تعالى - {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] عدلان حران مسلمان فلو كان الرجلان حرين مسلمين غير عدلين أو عدلين غير حرين أو عدلين حرين غير مسلمين لم تجز شهادتهما حتى يستكملان الثلاث.
(قال الشافعي) : وإن التنزيل في الحجر بين والله أعلم مكتفى به عن تفسيره وإن القياس ليدل على الحجر أرأيت إذا كان معقولا أن من لم يبلغ ممن قارب البلوغ وعقل محجورا عليه فكان بعد البلوغ أشد تقصيرا في عقله، وأكثر إفسادا لماله ألا يحجر عليه والمعنى الذي أمر بالمحجور عليه له فيه، ولو أونس منه رشد فدفع إليه ماله ثم علم منه غير الرشد أعيد عليه الحجر؛ لأن انتقلت إلى الحال التي ينبغي أن يحجر عليه فيها كما يؤنس منه العدل فتجوز شهادته ثم تتغير فترد ثم إن تغير فأونس منه عدل أجيزت وكذلك إن أونس منه إصلاح بعد إفساد أعطي ماله والنساء والرجال في هذا سواء
لأن اسم اليتامى يجمعهم واسم الابتلاء يجمعهم، وأن الله - تعالى - لم يفرق بين النساء والرجال في أموالهم وإن خرج الرجل والمرأة من أن يكونا موليين جاز للمرأة في مالها ما جاز للرجل في ماله ذات زوج كانت أو غير ذات زوج سلطانها على مالها سلطان الرجل على ماله لا يفترقان.
(قال الشافعي) : في قول الله - عز وجل - {وابتلوا اليتامى} [النساء: 6] إنما هو اختبروا اليتامى قال فيختبر الرجال النساء بقدر ما يمكن فيهم والرجل الملازم للسوق والمخالط للناس في الأخذ والإعطاء قبل البلوغ ومعه وبعده لا يغيب بعد البلوغ أن يعرف حاله بما مضى قبله ومعه وبعده فيعرف كيف هو في عقله في الأخذ والإعطاء؟ وكيف هو في دينه؟ والرجل القليل المخالطة للناس يكون اختباره أبطأ من اختبار هذا الذي وصفت فإذا عرفه خاصته في مدة وإن كانت أطول من هذه المدة فعدلوه وحمدوا نظره لنفسه في الأخذ والإعطاء وشهدوا له أنه صالح في دينه حسن النظر لنفسه في ماله فقد صار هذان إلى الرشد في الدين والمعاش ويؤمر وليهما بدفع مالهما إليهما.
(قال الشافعي) : وإذا اختبر النساء أهل العدل من أهلها ومن يعرف حالها بالصلاح في دينها وحسن النظر لنفسها في الأخذ والإعطاء صارت في حال الرجلين وإن كان ذلك منها أبطأ منه من الرجلين لقلة خلطتها بالعامة وهو من المخالطة من النساء الخارجة إلى الأسواق الممتهنة لنفسها أعجل منه من الصائنة لنفسها كما يكون من أحد الرجلين أبعد فإذا بلغت المرأة الرشد والرشد كما وصفت في الرجل أمر وليها بدفع مالها إليها.
(قال الشافعي) : وقد رأيت من الحكام من أمر باختيار من لا يوثق بحاله تلك الثقة بأن يدفع إليه القليل من ماله فإن أصلح فيه دفع إليه ما بقي وإن أفسد فيه كان الفساد في القليل أيسر منه في الكل ورأينا هذا وجها من الاختبار حسنا والله أعلم.
وإذا دفع إلى المرأة مالها والرجل فسواء كانت المرأة بكرا أو متزوجة عند زوج أو ثيبا كما يكون الرجل سواء في حالاته وهي تملك من مالها ما يملك من ماله ويجوز لها في مالها ما يجوز له في ذلك عند زوج كانت أو غير زوج لا فرق في ذلك بينها وبينه في شيء مما يجوز لكل واحد منهما في ماله فكذلك حكم الله - عز وجل - فيها وفيه ودلالة السنة. وإذا نكحت فصداقها مال من مالها تصنع به ما شاءت كما تصنع بما سواه من مالها.
باب الخلاف في الحجر (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فخالفنا بعض الناس في الحجر فقال لا يحجر على حر بالغ، ولا على حرة بالغة وإن كانا سفيهين وقال لي بعض من يذب عن قوله من أهل العلم عند أصحابه أسألك من أين أخذت الحجر على الحرين وهما مالكان لأموالهما؟ فذكرت له ما ذكرت في كتابي أو معناه أو بعضه فقال فإنه يدخل عليك فيه شيء فقلت وما هو؟ قال أرأيت إذا أعتق المحجور عليه عبده؟ . فقلت: لا يجوز عتقه. قال: ولم؟ قلت: كما لا يجوز للمملوك، ولا للمكاتب أن يعتقا قال؛ لأنه إتلاف لماله؟ . قلت: نعم قال أفليس الطلاق والعتاق لعبهما وجدهما واحد؟ قلت ممن ذلك له وكذلك لو باع رجل فقالت لعبت أو أقر لرجل بحق فقال لعبت لزمه البيع والإقرار وقيل له لعبك لنفسك وعليها قال أفيفترق العتق والطلاق؟ .
قلت: نعم عندنا وعندك قال وكيف وكلاهما إتلاف للمال؟ قلت له إن الطلاق وإن كان فيه إتلاف المال فإن الزوج مباح له بالنكاح شيء كان غير مباح له قبله ومجعول إليه تحريم ذلك المباح ليس تحريمه لمال يليه عليه غيره إنما هو تحريم بقول من قوله أو فعل من فعله وكما كان مسلطا على الفرج دون غيره فكذلك كان مسلطا على تحريمه دون غيره ألا ترى أنه يموت فلا تورث عنه امرأته ويهبها ويبيعها
فلا تحل لغيره بهبته، ولا بيعه ويورث عنه عبده ويباع عليه فيملكه غيره ويلي نفسه فيبيعه ويهبه فيملكه غيره فالعبد مال بكل حال والمرأة غير مال بحال إنما هي متعة لا مال مملوك ننفقه عليه ونمنع إتلافه ألا ترى أن العبد يؤذن له في النكاح والتجارة فيكون له الطلاق والإمساك دون سيده ويكون إلى سيده أخذ ماله كله إذا لم يكن عليه دين؛ لأن المال ملك والفرج بالنكاح متعة لا ملك كالمال.
وقلت له: تأولت القرآن في اليمين مع الشاهد فلم تصب عندنا تأويله فأبطلت فيه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وجدت القرآن يدل على الحجر على بالغين فتركته وقلت له أنت تقول في الواحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال قولا وكان في القرآن تنزيل يحتمل خلاف قوله في الظاهر قلنا بقوله وقلنا هو أعلم بكتاب الله - عز وجل - ثم وجدنا صاحبكم يروي الحجر عن ثلاثة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخالفهم ومعهم القرآن قال، وأي صاحب؟ قلت أخبرنا محمد بن الحسن أو غيره من أهل الصدق في الحديث أو هما عن يعقوب بن إبراهيم عن هشام بن عروة عن أبيه قال ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا فقال علي - رضي الله عنه - لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأعلم بذلك ابن جعفر الزبير قال الزبير أنا شريكك في بيعك فأتى علي عثمان فقال احجر على هذا فقال الزبير أنا شريكه فقال عثمان أحجر على رجل شريكه الزبير فعلي - رضي الله عنه - لا يطلب الحجر إلا وهو يراه والزبير لو كان الحجر باطلا قال لا يحجر على حر بالغ وكذلك عثمان بل كلهم يعرف الحجر في حديث صاحبك. قال فإن صاحبنا أبا يوسف رجع إلى الحجر قلت ما زاده رجوعه إليه قوة، ولا وهنه تركه إياه إن تركه وقد رجع إليه فالله أعلم كيف كان مذهبه فيه. فقال: وما أنكرت؟ قلت: زعمت أنه رجع إلى أن الحر إذا ولي ماله برشد يؤنس منه فاشترى وباع ثم تغيرت حاله بعد رشد أحدث عليه الحجر وكذلك قلنا ثم زعم أنه إذا أحدث عليه الحجر أبطل كل بيع باعه قبله وشراء أفرأيت الشاهد يعدل فتجوز شهادته ثم تغير حاله أينقض الحكم بشهادته أو ينفذ ويكون متغيرا من يوم تغير؟ قال قد قال ذلك فأنكرناه عليه.
(قال الشافعي) : فقال فهل خالف شيئا مما تقول في الحجر واليتامى من الرجال والنساء أحد من أصحابك؟ . قلت: أما أحد من متقدمي أصحابي فلم أحفظ عن واحد منهم خلافا لشيء مما قلت، وقد بلغني عن بعضهم مثل ما قلت. قال: فهل أدركت أحدا من أهل ناحيتك يقول بخلاف قولك هذا؟ . قلت: قد روي لي عن بعض أهل العلم من ناحيتنا أنه خالف ما قلت وقلت وقال غيرنا في مال المرأة إذا تزوجت رجلا قال فقال فيه ماذا؟ قلت ما لا يضرك أن لا تسمعه ثم حكيت له شيئا كنت أحفظه وكان يحفظه فقال ما يشكل الخطأ في هذا على سامع يعقل.
(قال الشافعي) : فزعم لي زاعم عن قائل هذا القول أن المرأة إذا نكحت رجلا بمائة دينار جبرت أن تشتري بها ما يتجهز به مثلها، وكذلك لو نكحت بعشرة دراهم فإن طلقها قبل أن يدخل بها رجع عليها بنصف ما اشترت.
(قال الشافعي) : ويلزمه أن يقاسمها نورة وزرنيخا ونضوحا. قال فإن قال قائل: فما يدخل على من قال هذا القول؟ قيل له يدخل عليه أكثر ما يدخل على أحد أو على غيره فإن قال ما هو؟ . قيل له: قال الله - عز وجل - {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] وما فرض ودفع مائة دينار فزعم قائل هذا القول أنه يرده بنصف متاع ليس فيه دنانير وهذا خلاف ما جعل الله - تبارك وتعالى - له فإن قال قائل: إنما قلنا هذا؛ لأنا نرى أن واجبا عليها.
(قال الربيع) : يعني أن واجبا عليها أن تجهز بما أعطاها وكان عليه أن يرجع بنصف ما تجهزت به في قولهم وفي قول الشافعي لا يرجع إلا بنصف ما أعطاها دنانير كانت أو غيرها؛ لأنه لا يوجب عليها أن تجهز إلا أن تشاء وهو معنى قول الله - تبارك وتعالى - {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] .
(أخبرنا الربيع بن سليمان) : قال أملى علينا الشافعي - رحمه الله - قال: أصل الصلح أنه بمنزلة البيع فما جاز في البيع جاز في الصلح وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح ثم يتشعب ويقع الصلح على ما يكون له ثمن من الجراح التي لها أرش وبين المرأة وزوجها التي لها عليه صداق، وكل هذا يقوم مقام الأثمان، ولا يجوز الصلح عندي إلا على أمر معروف كما لا يجوز البيع إلا على أمر معروف، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ومن الحرام الذي يقع في الصلح أن يقع عندي على المجهول الذي لو كان بيعا كان حراما وإذا مات الرجل وورثته امرأة أو ولد أو كلالة فصالح بعض الورثة بعضا فإن وقع الصلح على معرفة من المصالح والمصالح بحقوقهم أو إقرار بمعرفتهم بحقوقهم، وتقابض المتصالحان قبل أن يتفرقا فالصلح جائز وإن وقع على غيره معرفة منهما بمبلغ حقهما أو حق المصالح منهما لم يجز الصلح كما لا يجوز بيع مال امرئ لا يعرفه وإذا ادعى الرجل على الرجل الدعوى في العبد أو غيره أو ادعى عليه جناية عمدا أو خطأ بما يجوز به البيع كان الصلح نقدا أو نسيئة وإذا كان المدعى عليه ينكر فالصلح باطل وهما على أصل حقهما ويرجع المدعي على دعواه والمعطي بما أعطى، وسواء إذا أفسدت الصلح قال المدعي قد أبرأتك مما ادعيت عليك أو لم يقله من قبل أنه إنما أبرأه على أن يتم له ما أخذ منه، وليس هذا بأكثر من أن يبيعه البيع الفاسد فإذا لم يتم له الفساد رجع كل واحد منهما على أصل ملكه كما كانا قبل أن يتبايعا.
فإذا أراد الرجلان الصلح وكره المدعى عليه الإقرار فلا بأس أن يقر رجل أجنبي على المدعى عليه بما ادعى عليه من جناية أو مال ثم يؤدي ذلك عنه صلحا فيكون صحيحا، وليس للذي أعطى على الرجل أن يرجع على المصالح المدعى عليه، ولا للمصالح المدعي أن يرجع على المدعى عليه؛ لأنه قد أخذ العوض من حقه إلا أن يعقدا صلحهما على فساد فيكونون كما كانوا في أول ما تداعوا قبل الصلح. قال: ولو ادعى رجل على رجل حقا في دار فأقر له بدعواه وصالحه من ذلك على إبل أو بقر أو غنم أو رقيق أو بز موصوف أو دنانير أو دراهم موصوفة أو طعام إلى أجل مسمى كان الصلح جائزا كما يجوز لو بيع ذلك إلى ذلك الأجل، ولو ادعى عليه شقصا من دار فأقر له به ثم صالحه على أن أعطاه بذلك بيتا معروفا من الدار ملكا له أو سكنى له عدد سنين فذلك جائز كما يجوز لو اقتسماه أو تكارى شقصا له في دار، ولكنه لو قال أصالحك على سكنى هذا المسكن، ولم يسم وقتا كان الصلح فاسدا من قبل أن هذا لا يجوز كما لو ابتدأه حتى يكون إلى أجل معلوم وهكذا لو صالحه على أن يكريه هذه الأرض سنين يزرعها أو على شقص من دار أخرى سمى ذلك وعرف جاز كما يجوز في البيع والكراء وإذا لم يسمه لم يجز كما لا يجوز في البيوع والكراء.
(قال الشافعي) : ولو أن رجلا أشرع ظلة أو جناحا على طريق نافذة فخاصمه رجل؛ ليمنعه منه فصالحه على شيء على أن يدعه كان الصلح باطلا؛ لأنه أخذ منه على ما لا يملك ونظر فإن كان إشراعه غير مضر خلي بينه وبينه، وإن كان مضرا منعه وكذلك لو أراد إشراعه على طريق لرجل خاصة ليس بنافذ أو لقوم فصالحه أو صالحوه على شيء أخذوه منه على أن يدعوه يشرعه كان الصلح في هذا باطلا من قبل أنه إنما أشرع في جدار نفسه وعلى هواء لا يملك ما تحته، ولا ما فوقه فإن أراد أن يثبت خشبة ويصح بينه وبينهم الشرط؛ فليجعل ذلك في خشب يحمله على جدرانهم وجداره فيكون ذلك شراء محمل الخشب، ويكون الخشب بأعيانه موصوفا أو موصوف الموضع أو يعطيهم شيئا على أن يقروا له بخشب يشرعه ويشهدون
على أنفسهم أنهم أقروا له بمحمل هذا الخشب ومبلغ شروعه بحق عرفوه له فلا يكون لهم بعده أن ينزعوه.
قال: وإن ادعى رجل حقا في دار أو أرض فأقر له المدعى عليه وصالحه من دعواه على خدمة عبد أو ركوب دابة أو زراعة أرض أو سكنى دار أو شيء مما يكون فيه الإجارات ثم مات المدعي والمدعى عليه أو أحدهما فالصلح جائز ولورثة المدعي السكنى والركوب والزراعة والخدمة وما صالحهم عليه المصالح.
(قال الشافعي) : ولو كان الذي تلف الدابة التي صالح على ركوبها أو المسكن الذي صالح على سكنه أو الأرض التي صولح على زراعتها فإن كان ذلك قبل أن يأخذ منه المصالح شيئا فهو على حقه في الدار وقد انتقضت الإجارة وإن كان بعدما أخذ منه شيئا تم من الصلح بقدر ما أخذ إن كان نصفا أو ثلثا أو ربعا وانتقض من الصلح بقدر ما بقي يرجع به في أصل السكن الذي صولح عليه. قال: وهكذا لو صالحه على عبد بعينه أو ثوب بعينه أو دار بعينها فلم يقبضه حتى هلك انتقض الصلح، ورجع على أصل ما أقر له به، ولو كان صالحه على عبد بصفة أو غير صفة أو ثوب بصفة أو دنانير أو دراهم أو كيل أو وزن بصفة تم الصلح بينهما، وكان عليه مثل الصفة التي صالحه عليها.
ولو صالحه على ربع أرض مشاع من دار معلومة جاز. ولو صالحه على أذرع من دار مسماة وهو يعرف أذرع الدار ويعرفه المصالح جاز وهذا كجزء من أجزاء وإن كان صالحه على أذرع وهو لا يعرف الذرع كله لم يجز من قبل أنه لا يدري كم قدر الذرع فيها ثلثا أو ربعا أو أكثر أو أقل. ولو صالحه على طعام جزاف أو دراهم جزاف أو عبد فجائز فإن استحق ذلك قبل القبض أو بعده بطل الصلح وإن هلك قبل القبض بطل الصلح. ولو كان صالحه على عبد بعينه، ولم يرد العبد فله خيار الرؤية فإن اختار أخذه جاز الصلح وإن اختار رده رد الصلح. (قال الربيع) : (قال الشافعي) : بعد لا يجوز شراء عبد بعينه، ولا غيره إلى أجل ويكون له خيار رؤيته من قبل أن البيع لا يعدو بيع عين يراها المشتري والبائع عند تبايعهما وبيع صفة مضمون إلى أجل معلوم يكون على صاحبها أن يأتي بها من جميع الأرض وهذا العبد الذي بعينه إلى أجل إن تلف بطل البيع فهذا مرة يتم فيه البيع ومرة يبطل فيه البيع، والبيع لا يجوز إلا أن يتم في كل حال.
(قال الشافعي) : وهكذا كل ما صالحه عليه بعينه مما كان غائبا فله فيه خيار الرؤية.
(قال الربيع) : رجع الشافعي عن خيار رؤية شيء بعينه.
(قال الشافعي) : ولو قبضه فهلك في يديه وبه عيب رجع بقيمة العيب، ولو لم يجد عيبا، ولكنه استحق نصفه أو سهم من ألف سهم منه كان لقابض العبد الخيار في أن يجيز من الصلح بقدر ما في يديه من العبد ويرجع بقدر ما استحق منه أو ينقض الصلح كله.
(قال الربيع) : الذي يذهب إليه الشافعي أنه إذا بيع الشيء فاستحق بعضه بطل البيع كله؛ لأن الصفقة جمعت شيئين حلالا وحراما فبطل كله والصلح مثله.
(قال الشافعي) : ولو ادعى رجل حقا في دار فأقر له رجل أجنبي على المدعى عليه وصالحه على عبد بعينه فهو جائز وإن وجد بالعبد عيبا فرده أو استحق لم يكن له على الأجنبي شيء ورجع على دعواه في الدار وهكذا لو صالحه على عرض من العروض، ولو كان الأجنبي صالحه على دنانير أو دراهم أو عرض بصفة أو عبد بصفة فدفعه إليه ثم استحق كان له أن يرجع عليه بمثل تلك الدنانير والدراهم وذلك العرض بتلك الصفة.
ولو كان الأجنبي إنما صالحه على دنانير بأعيانها فهي مثل العبد بعينه يعطيه إياها وإن استحقت أو وجد عيبا فردها لم يكن له على الأجنبي تباعة وكان له أن يرجع على أصل دعواه والأجنبي إذا كان صالح بغير إذن المدعى عليه فتطوع بما أعطى عنه فليس له أن يرجع به على صاحبه المدعى عليه، وإنما يكون له أن يرجع به إذا أمره أن يصالح عنه قال: ولو ادعى رجل على رجل حقا في دار فصالحه على بيت معروف سنين معلومة يسكنه كان جائزا أو على سطح