☪ Anlam Arayışı

← el-Vesâyâ

Bölüm 24

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

ثم قام إلى ربه عز وجل، واستأذن عليه. فأذن له، ثم خر لربه عز وجل ساجدا، ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله، وذلك كله بسمعك وأسماع الخلايق، حتى أجابه ربه عز وجل إلى تعجيل عرضهم، والنظر في آمورهم فبينما أنت مع الخلاثق في هول القيامة وشدة كربها ، منتظرا متوقعأ لفصل القضاء والحلول في دار النعيم او الحزن . إذ سطع نور العرش، وأشرقت الأرض بنور ربها، وأيقن قلبك بالجبار، وقد أت لعرضك عليه حتى كانه لا يعرض عليه أحد سواك، ولا ينظر إلا في أمرك: ============================================================ الفرار من جهنم: عن حميد بن هلال، قال : ذكر لنا أن الرجل يدعي يوم القيامة إلى الحساب، فيقال : يا فلان بن فلان، هلم إلى الحساب، حتى يقول ما يراد أحد غيري مما يحضر به من الخساب، ثم نادى : يا جبريل اثتني بالنار- فتوهمها وقد أق جبريل - فقال لها : يا جهنم أجيبي فتوهم اضطرابها وارتعادها بفرقها أن يكون الله عز وجل خلق خلقا يعذبها فتوهمها حين اضطربت وفارت وثارت، ونظرت إلى الخلائق من بعد مكانها، فشهقت إليهم، وزفرت تحوهم، وجذبت خزانها متوثبة على الخلائق عضبا لخضب ربها على من خالف آمره وعصاه.

فتوهم صوت زفيرها وشهيقها، وترادف قصبتها وقد امتلأ منه سمعك، وارتفع له فؤادك وطار فرعا ورعبا، ففر الخلائق هربأ من زفيرها على وجوههم ، وذلك يوم التنادي، لما سمعوا زفيرها ولوا مدبرين، وتساقطوا على ركبهم جثاه حول جهنم، فأرسلوا الدموع من أعينهم فتوهم إجتماع أصوات بكاء الخلائق عند زفيرها وشهيقها، وينادي الظالمون بالويل والشبور، ويناديي كل مصطفى وصديق ومنتخب وشهيد ومختار وجميع العوام: نفسي نفسيي فتوهم أصوات الخلائق من الأنبياء فمن دونهم كل عبد منهم ينادي: نفسي نفسي، وأنت قائلها.

فبينا أنت مع الخلائق في شدة الأهوال ووجل القلوب إذ زفرت الثانية، فيزداد رعبك ورعبهم، وخوفك وخوفهم ثم زفرت الثالية . فتساقط الخلائق لوجوههم، وتشخص بأبصارهم ============================================================ ينظرون من طرف خاشع خفي، خوفا أن تلفهم فتأخذهم بحريقها، وانتصفت عند ذلك قلوب الظالمين، فبلغت لدى الحناجر كاظمين، فكظموا عليها وقد غصت في حلوقهم، وطارت الألباب وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين، فلا يبقى رسول ولا عبد صالح مختار إلا ذهل لذلك عقله سؤال الرسل: فأقبل الله عز وجل عند ذلك على رسله، وهم اكرم الخلائق عليه وأقربهم إليه، لأنهم الدعاة إلى الله عز وجل في الموقف، وأكرمهم عليه، فيسألهم عما أرسلهم به إلى عباده، وماذا ردوا عليهم من الجواب، فقال لهم : (ماذا اجبتم4).

فردوا عليه الجواب عن عقول ذاهلة غير ذاكرة، فقالوا : { ... لا علم لنا إنك آنت علام الغيوب}(1) .

فأعظم به من هول تبالغ من رسل الله عز وجل في قربهم منه وكرامتهم، حى أكهل عقولهم، فلم يعلموا بماذا أجبتهم امهم عن أبي الحسن الدمشقي، قال : قلت لأبي قرة الأزدي : كيف صبر قلوبهم على أهوال القيامة ؟ قال : إنهم إذا بعثوا خلقوا خلقة يقوون عليها.

قال أبو الحسن : قلت لإسحاق بن خلف قول الله عز وجل للرسل : (ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا)، أليس قد علموا ما ورد عليهم في الدنيا؟ قال من عظم هول السؤال حين يسألون، طاشت عقولهم فلم يدروا أي شيء أجيبوا في الدنيا، فهم صادقون حتى تجلى عنهم بعد، فعرفوا ما أجيبوا قال: حدثت به آبا سليمان، فقال: صدق إسحاق، هم في ساعتهم تلك صادقون حتى تجلى عنهم فعرفوا ما آجيبوا فقال آبو سليمان : "إذا سمعت (1) سورة : المائدة، آية: 109.

============================================================ الرجل يقول لصاحبه بخي وبينك الصراط، فاعلم أنه لا يعرف الصراط، ولو عرفه ما اشتهى آن يتعلق بأحد، فلا يتعلق أحد" عن مجاهد في قوله : (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم) قال : فيفزعون فيقولون : (لا علم لنا) .

عن مجاهد في قول الله عز وجل : (وترى كل أمة جائية) أي : مستوفزين على الركب . قال: سمعت عبد الله يقول : قال رسول الله : "كأني أراكم جاثمين بالكوم دون جهنم *(1)، قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله : "من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ : (إذا الشمس كورت)(2).

وعن عمر بن ذرقال : "من غدا يلتمس الخير وجد الخير، أعلي تحملون جمود اعينكم وقسوة قلويكم ؟ احملوا العي علي إن لم أسمعكم اليوم واعظا من كتاب الله عز وجل ، ثم قرا : { إذا الشمس كورث وإذا النجوم انكترث وإذا الجبال سيرت } (2) - حتى اذا بلغ - { علمت نفس ما أخضرت }(4) - أو قال : حتى ختمها- قال : ثم قال : " إسمعوا إلي يا غرض الدنيا".

فاين أنت منهم في ذلك الموقف ؟ هل تطمع أن يبلغ بك الهول ما بلغ منهم، بل أعظم مما بلغ منهم ما لا يطيقه قلبك، فلا يقوم به بدنك، فهذه عقولهم ذاهلة في ذلك الموقف، فكيف بعقلك وما حل بك وأنت الخاطيء العاصي المتمادي فيما يكره ربك عز وجل ؟

فتوهم نفسك لذلك الخوف والفزع والرعب، والغربة والتحير إذا تبرأ منك (1) حديث "كاني أراكم جاثمين : أنظر : فتح الباري 574/8، والبداية والنهاية لابن كشير 102/4، وتفسير القرطي 174/16) .

(2) حديث " من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة * : أخرجه الامام أحمد بن حتبل والطبراني ، والحاكم في المستدرك وصححه. أنظر : (فتح الباري 195/8) .

(3) سورة: التكوير، آية: 1: 3.

(4) سورة : التكوير، آية : 14.

============================================================ الولد والوالد، والأخ والصاحب والعشائر، وفررت أنت منهم أجمعين، فكيف خذلتهم وخذلوك ؟ ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والحفاظ أن تفر من أمك وأبيك وصاحبتك وبنيك وأخيك، ولكن عظم الخطر، وإشتد الهول ، فلا تلام على فرارك منهم ولا يلامون، ولم تخصهم بالفرار دون الأقرباء لبغضك اياهم، وكيف تبغضهم أو يبغضونك ؟ ! وكيف خحصصتهم بالفرار منهم ؟ !

اتبعضهم وإنهم هم الذين كانوا في الدنيا مؤانسيك وقرة عينك وراحة قلبك ؟ !!

ولكن خشيت أن يكون لأحد عندك منهم تبعة فيتعلق بك حتى يخاصمك عند ربك عز وجل، ثم لعله أن يحكم له عليك فيأخذ منك ما ترجو آن تنجو به من حسناتك فيفرقك منها فتصير بذلك إلى النار.

فبينما أنت في ذلك إذ ارتفعت عنق من النار فنطقت بلسان فصيح من وكلت بأخذهم من الخلائق بغير حساب، ثم أقبل ذلك العنق فيلتعظمهم لقط الطير الحب، ثم إنطوت عليهم فالقتهم في النار فابتلعتهم، ثم خنست بهم في هم فيفعل ذلك بهم تطاير الكتب ونصب الموازين : ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من من أولى بالكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل، ثم بمن لم يشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر مولاه حتى إذا دخلت هذه الفرق من أهل الجنة والنار، ثم تطايرت الكتب في الايمان والشمائل ونصبت الموازين.

فتوهم الميزان بعظمه منصوبا وتوهم الكتب المتطايرة وقلبك واجف متوقع أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك عن الحسن : " إن رسول الله كان رأسه في حجر عائشة فنعس، فتذكرت الآخرة، فبكت فسالت دموعها على خد النبي كي فاستيقظ بدموعها ============================================================ فرفع رأسه، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ فقالت : يا رسول الله ذكرت الآخرة، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ قال : والذي نفسي بيده في ثلاث مواطن فإن أحدا لا يذكر إلا نفسه : إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر إبن آدم أيخف ميزانه أم يثقل 9 وعند الصحف حتى ينظر آبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند الصراط"(1).

وعن أنس بن مالك قال : يؤتي بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإثقل ميزانه نادى الملك بصوته يسمع الخلائق: سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقي بعدها أبدا، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوته يسمع الخلائق : شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا (1) حديث " آن رسول الله كان رأسه في حجر عائشة، : آخرجه ابو داود في سنه، وإسناده جيد، إلا اته فيه إختلاف يسيرني اللفظ . (إحياء علوم الدين 504/4) ============================================================ يوم العرض فينا أنت واقف مع الخلائق، إذ نظرت إلى الملك، وقد أمر أن يحضر بالزبانية، فأقبلوا بأيديهم مقامع من حديد عليهم ثياب من النار، فليما رأيتهم فهبتهم طار قلبك فزعا ورعبا.

فبينا أنت كذلك إذ نودي باسمك، فنوديت على رؤوس الخلائق الأولين والآخرين : أين فلان بن فلان ؟ هلم إلى العرض على الله عز وجل، وقد وكل الملائكة بأخذك حتى يقربوك إلى ربك، فلم يمنعها اشتباه الأسماء باسمك أن تعرفك ؛ لما ترى بك أنك المراد بالدعاء المطلوب .

قال: حدثنا طلحة بن عمرو، قال : قال عطاء بن آبي رباح: "يا طلحة ما اكثر الأسماء على اسمك، وما اكثر الأسماء على اسمي ا فإذا كان يوم القيامة قيل يا فلان، فقام الذي يعني لا يقوم غيره لما لزم قلبك من العلم : فوثبت على قدميك ترتعد فرائصك، وتضطرب جوارحك، متغيرا لونك، فزعا مرعوبا، مرتكضأ قلبك في صدرك بالخفقان ؛ فلما عاينتك الملائكة الموكلون بأخذك، قد جل بك الإضطراب والإرتعاد والمخافة، علمت أنك أنت المراد من العباد، فأهوت إليك بأيديها، فقبضت عليك بعنفها، ثم جذبتك إلى ربك عز وجل، كما تجذب الدواب المنقادة، تتخطى بك الصفوف محثوثا إلى العرض على الله عز وجل، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلاثق إليك أبصارهم، وأنت جبوذ إلى ربك عز وجل فيما بينهم .

============================================================ فتوهم حين وقفت بالإضطراب والإرتعاد.

وتوهم مباشرة أيديهم على عضديك، وغلظ أكفهم حين يأخذوك فتوهم نفسك محثوثة في آيديهم، وتوهم تخطيك الصفوف، طائرا فؤادك، متخلصا قلبك.

الوقوف أمام الله: فتوهم نفسك في أيديهم كذلك حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن، فقذفوا بك من آيديهم، وناداك الله عز وجل بعظيم كلامه : ادن مني يا بن ادم، فغيبك في نوره، فوقفت بين پدي رب عظيم جليل كبير كريم بقلب خافق محزون وجل مرعوب وطرق خائف خاشع ذليل، ولون متغير، وجوارح مرتعدة مضطربة، كالجمل الصغير حين تلده أمه، ترتعد بيدك صحيفة محبرة لا تغادر بلية كسبتها ولا خبأة أسررتها، فقرات ما فيها بلسان كليل، وحجة داحضة، وقلب منكسر، فكم لك من حصن وخجل وجبن من المولى الذي لم يزل إليك محسنا، وعليك ساثرا فبأى لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك، وعظيم جرمك، وبأي قدم تقف غدأ بين يديه، وبأي نظر تنظر إليه، وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه ؟

فتوهم نفسك بصغر جسمك، وارتعاد جوارحك، وخفقان قلبك، وقد سمعت كلامه بتذكير ذنوبك وإظهار مساوئك، وتوفيقك بمخباتك.

فتوهم تفسك بهذه اطهيئة، والأهوال بك محدقة من خلفك، فكم من بلية قد نسيتها، قد ذكرتها؛ وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها ، وكم من عمل، قد ظننت أنه قد خلص لك وسلم بالغفلة منك إلى ميل الهوى عما يفسده، قد رده في ذلك الموقف عليك وأحبطه، بعدما كان أملك فيه عظيما فيا حسرات قلبك، وتأسفك على ما فرطت في طاعة ربك، حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر كل بلية، ونشر كل مخبأة، فاجهدك الكرب، وبلغ منك ============================================================ الحياء منتهاه ؛ لأنه الملك الأعلى، فلا حياء يكون من أحد أعظم من الحياء منه ، لأنه القديم الأول الباقي الذي ليس له مثل، المحسن المتعطف المتحنن الكريم الجواد المنعم المتطول: فما ظنك بسؤال من هو هكذا، وقد أبان عن مخالفتك إياه، وقلة هيبتك له، وحيائك منه، ومبارزتك له، فما ظنك بتذكيره إياك خالفته، وقلة اكترائك في الدنيا بالطاعة له، ونظرك إليه، إذ يقول : يا عبدي أما أجللتني، أما استحييت مني، استخففت بنظري إليك، الم احسن إليك، الم أنعم عليك، ما غرك مني، شبابك فيم أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيم انفقته وعملك ماذا عملت فيه ؟

قال : قال رسول الله : "ما منكم من أحد إلا سيساله رب العالمين، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان * (1) وقال: سمعت عدي بن حاتم قال: شهدت رسول الله في حديث ل: "ليقفن أحدكم بين يدي الله تبارك وتعالى، ليس بينه وبينه حجاب ججبه، ولا بينه ويينه ترجمان يترجم عنه، فيقول: ألم انعم عليك ؟ الم آتك مالا؟ فيقول: بلى، فيقول: الم ارسل إليك رسولا؟ فيقول: بلى، ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولوبشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة (2).

وعن ابن مسعود أنه بدأ باليمين ، فقال : والله ما منكم من أحد إلا سيخلو به الله عز وجل كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة بدر، ثم يقول : يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ما عملت لي؟ يا ابن آدم ما استحييت مني ! يا ابن ادم ماذا أجبت المرسلين؟ يا ابن آدم الم اكن رقيبأ على عينيك وأنت تنظر بهما إلى ما لا (1) حديث "ما منكم من أحد إلا سيساله رب العالمين" : أخرجه البخاري ومسلم، وأورده العجلوني في كشف الخقا. وأخرجه أبوداود وفيه : إختلاف في اللفظ (1) حديث ليقفن أحدكم : هو رواية من روايات الحديث السابق وقد آخرجه بهذا اللفظ البخاري ى ============================================================ يحل لك9 الم اكن رقيبأ على أذنيك وأنت تستمع بهما إلى ما لا يخل لك 9 ألم اكن رقييا على لسانك وأنت تنطق بما لا يحل لك ؟ ألم اكن رقيبا على يديك وأنت تبطش بهما إلى ما لا يحل لك ؟ ألم أكن رقيبا على رجليك وأنت تمشي بهما إلى ما لا يحل لك ؟ ألم اكن رقيبا على قلبك وأنت تهم بما لا يحل لك ؟ أم أنكرت قربي منك وقدرتي عليك، وأنت يا ابن آدم بين خطرين عظيمين : إما أن يتلا قال برحمته ويتطول عليك بجوده، وإما أن يناقشك الحساب، فيأمر بك إلى الهاوية وبش المصير.

عن جاهد قال : ولا يزول قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله عز وجل تى يساله عن آربع خصال : عن عمره فيما أفناه ؟ وعن علمه ما عمل فيه؟.

وعن جسده فيم أبلاه * وعن ماله من آين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ، 4 فما ظنك بنفسك وضعف قلبك والله عز وجل يكرر عليك ذكر إحسانه إليك، ومخالفتك له، وقلة حيائك منه فاعظم به موقفأ !! وأعظم به من سائل لا تخفى عليه خافية !! وأعظم بما يداخلك من الحزن والغم. والتأسف على ما فرطت في طاعته وركوبك صيته الغفران: فإذا تبالغ فيك الجهد من الغم والحزن والحياء بدا لك منه أحد الأمرين : الغضب، أو الرضا عنك والحب لك. فإما أن يقول : يا عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فقد غفرت لك كبير جرمك، وكثير سيئاتك وتقبلت منك يسير إحسانك فيستطير بالسرور والفرح قلبك، فيشرق لذلك وجهك فتوهم نفسك حين قالها لك فابتدأ إشراق السرور ونوره في وجهك بعد كابته وتكسفه من الحياء من السؤال والحصر من ذكر مساوىء فعلك، فاستبدلت بالكابة والحزن سرورا في قلبك، فأسفر وجهك، وابيض لونك.

============================================================ فتوهم رضاه عنك حين سمعته منه، فثار في قلبك فامتلأ سرورا، وكدت أن تموت فرحا، وتطير سرورا، ويحق لك، فأي سرور أعظم من السرور والفرح برضا الله عز وجل ؟!

فوالله تعالى لو أنك مت فرحا في الدنيا حين توهم رضاه في الآخرة لكنت بذلك حريا، وإن كنت لم تستيقن برضاه في الآخرة، ولكن آملا لذلك، فكيف بك مستيقنا له في الآخرة؟ ولو توهمت نفسك وقد بدا لك منه الرحمة والمغفرة ، كنت حقيقأ أن تطير روحك من بدنك فرحا، فكيف أن لو قد سمعت من الله عز وجل الرضا عنك والمغفرة لك، فأمن خوفك، وسكن حذرك، وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد، وأيقنت بفوزك ونعيمك أبدا لا يغني ولا يبيد بغير تنقيص ولا تكذيب.

فتوهم نفسك بين يدي الله عز وجل، وقد بدا لك منه الرضا، وطار قلبك فرحا، وابيض وجهك، وأشرق وأنار وأحال عن خلقته، فصار كأنه القمر ليلة البدر.

ثم خرجت على الخلائق مسرورا بوجه مجبور، قد حل به اكمل الجمال والحسن، يسطع نورا مشرقا بتلالائه، تتخطاهم بالجمال والحسن والنور والضياء، كتابك بيمنك، أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا لقد شهرك ربك عز وجل بالرضا عنك عند خلقه، ولقد حقق حسن ظن الظانين، وأبطل تهم المتهمين لك، وإن في هذه المنزلة غدا على رؤوس الخلاثق لعوضا من المشزلة عند العباد بطاعته والتصنع لهم زهدا في المتزلة عندهم، والتعظيم عندهم بطاعة ربه عز وجل بصدق معاملته وحده لا شريك له، عوضك المنزلة الكبرى على رؤوس الخلائق، فشهرك برضاه عنك وموالاته إياك.

فتوهم نفسك وأنت تتخطى الخلائق، وكتابك في يمينك بجمال وجهك ونوره، وفرح قلبك وسروره، وقد شخصت أبصارهم إليك غيظة لك وتأسفا على أن ينالوا من الله عز وجل ما نلت، فليعظم من الله عز وجل في طلب ذلك ============================================================ أملك ورجاؤك، فإنه عز وجل إن تفضل عليك نلت ذلك، فهذا أحد الأمرين الذي أنت بينهما على خطر: عن صفوان بن محرز قال : كنت آخذا بيد عبد الله بن عمر، فأتاه رجل، فقال : كيف سمعت رسول الله يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: " إن الله عز وجل يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقول : يا عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب، ثم يقول: يا عبدي أتعرف ذتب كذا وكذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورآى في نفسه آنه قد هلك، قال : إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته (1) وأما الكافر والمنافق ف : يقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (2). قال: بينا عبدالله بن عمر يطوف بالبيت إذ عارضه رجل، فقال : يا عبد الرحمن كيف سمعت رسول الله يقول في النجوى؟ فذكر مثله وقال سعيد : قال قتادة : فلم بحزن يومئذ أحد فخفي حزنه على أحد من الخلائق.

وعن اين مسعود انه قال : ينشر الله عز وجل كنفه يوم القيامة على عبده المؤمن ويبسط كفه لظهرها، فيقول: يا بن ادم هذه حسنة قد عملتها في يوم كذا وكذا قد قبلتها، وهذه خطيئة قد عملتها في يوم كذا وكذا قد غفرتها لك، فيسجد. فيقول الناس : طوي لهذا العبد الصالح الذي لم يجد في صحيفته إلا حسنة - أوقال: في كتابه وعن عبدالله بن حنظلة قال : إن الله عز وجل يقف عبده يوم القيامة فيبدي حسناته في ظهر صحيفته، فيقول له: آنت عملت هذا، فيقول: نعم، (1) حديث إن الله عز وجل يدني المؤمن، : أخرجه أحد في مسنده ومسلم والبخاري في صحيحهما أنظر : (فتح الباري 96/5، فيض القدير 301/2) .

(2) سورة : هود، الآية: 18.

============================================================ أي رب، فيقول: اني لن أفضحك به اليوم، وإني قد غفرت لك اليوم. فيقول عندها: هاؤم اقرعوا كتابيه. إني ظتنت أني ملاق حسابيه (1) حين نجا من فضيحة يوم القيامة: شقاء الكافر: وأما الأمر الآخر: فإما أن يقول لك : عبدي أنا غضبان عليك فعليك لعنتي، فلن أغفر لك عظيم ما آتيت، ولن أتقبل منك ما عملت، فيقول لك ذلك عند بعض ذنوبك العظيمة: أتعرفها؟ فتقول: نعم وعزتك فيغضب عليك فيقول: وعزتي لا تذهب بها مني، فنادى الزبانية فيقول: خذوه، فما ظنك بالله عز وجل يقولها بعظيم كلامه وهيبته وجلاله فتوهم إن لم يعف عنك، وقد سمعتها من الله عز وجل بالغضب، وأسند اليك الزبانية بغضاضتها، وغلظ اكفها، مستدفرة بأزمة من النيران، غضابا لغضب الله عز وجل بالعنف عليك، والغلظ والتشديد. فلم تشعر حين قالها إلا ومجسة غلظ أكفهم في قفاك وعنقك فتوهم غلظ اكفهم حين قبضوا على عنقك بالعنف، يتقربون إلى الله عيز وجل بعذابك وهوانك فتوهم نفسك مستجذبا ذليلا، موقنا بالهلاك وأنت في أيديهم وهم ذاهبون بك إلى النار، مسودا وجهك، تتخطى الخلائق بسواد وجهك، وكتابك في شمالك تنادي بالويل وبالبثور، والملك آخذ بضبعيك ينادي : هذا فلان بن فلان شقي شقاء لا يسعد بعده أبدا .

لقد شهرك بالغضب والسخط عليك، ولقد تمت فضيحتك عند خلقه، فأخلف حسن ظن الظانين بك، وحقق تهم المتهمين لك، ولعله إن فعل ذلك بك فعله بتصنعك لطاعته عند عباده بطلب المنزلة عندهم بسقوط المنزلة والجاه (1) سورة: الحاقة، آية: 19: 20.

============================================================ عنده، ففضحك عند من آثرته عليه في المعاملة، ورضيت بحمده على طاعة ربك عز وجل عوضأ من حمده إياك تبارك وتعالى .

فتوهم ذلك، ثم توهمه، واذكر هذا الخطر وكن مفكر احذرا، أي الأمرين يرتفع بك وأي الأمرين قد اعدلك .

عن كعب قال : إن الرجل ليؤمر به إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك .

قال أبو عبد الله : وقد بلغني آنه إذا وقف العبد بين يدي الله عز وجل فطال وقوفه تقول الملائكة : مالك من عبد عليك لعنة الله، أبكل هذا بارزت الله عزوجل، وقد كنت تظهر الحسن في الدنيا؟

قال : من تحبب إلى الناس بما لا يحب الله عز وجل، وبارز الله عز وجل بما يكره لقي الله عز وجل وهو عليه ساخط وله ماقت .

ثم قال أبو عبد الله وهو يحدث : والله عز وجل ما أمسيت آسفا علي وعليكم - ومع ذلك الجسر بدقته وزلله وهوله وعظيم خطره قدامك فتوهم ما حل من الوجل بفؤادك حين رفعت طرفك، فنظرت إليه مضروبا على جهم بدقته ودحوضه، وجهنم تخفق بأمواجها من تحته فيا له من منظر ما أفظعه وأهوله 1! وقد علمت أنك راكب فوقه، وأنت تظر الى سواد جهنم من تحته، وتسمع قصيف آمواجها وجلبنة ثورانها من أسفلها، والملائكة تنادي : ربنا من تريد أن تجيزه على هذا؟ وتناذي : ربنا ربنا سلم سلم فبينا أنت تنظر إليه بفظاعة منظره إذ نودي مروا الساهرة، فلم تشعر إلا وقد رفعت الأرض من تحتك وتحت الخلائق لأن تبدل، ثم بدلت بأرض من فضة، فإذا الخلائق منثورين على أرض من فضة بيضاء، ثم قيل لك وأنت تنظر الى الجسر بفظاظته، وقيل للخلق معك : اركبوا الجسر.

فتوهم خفقان فؤادك وفزعه، وقد قيل لك اركب الجسر، فطار عقلك رعبا وفزعا. ثم رفعت أحد قدميك لتركبه، فوجدت بباطن قدميك حدته ============================================================ ودقته، فطار قلبك فزعا . ثم ثنيت الأخرى فاستويت عليه راكبأ، وقد اثقلتك اوزارك وانت حاملها على ظهرك، ثم صعدت عليه بطيران قلبك حتى بلغت ذروته، والخلائق من بين يديك ومن وراثك عرفا واحدا فصعدت عليه بطيران قلبك حتى بلغت ذروته، ثم انحدرت باضطرابه بك، والخلائق عليه عرف واحد يضطرب بهم خفقان جهنم تحته فتهافت الناس من بين يديك ومن ورائك.

فتوهم صعودك بضعفك عليه، وقد نظرت إلى الزالين والزالات من بين يديك ومن خلفك، وقد تنكست هاماتهم، وارتفعت على الصراط أرجلهم، واخذت الملائكة بلحي الرجال وذوائب النساء من الموحدين، إذ الأغلال في أعناقهم، وتارت إليهم النار بطلبتها، وفارت وشهقت على هاماتهم، وبادرت شرر النار إلى هاماتهم فتناولتها، ثم جذبت هاماتهم إلى جوفها وهم ينادون ويصسرخون، وقد أيسوا من آنفسهم، وهم لاجتذاب النار لهاماتم فيها ينحدرون، وهم بالويل ينادون، وأنت تنظر إليهم مرعوبا خائفا أن تتبعهم فتزل قدمك فتهوي من الجسر، وتنكسر قامتك، وترتفع على الصراط رجلاك فتوهك ذلك في الدنيا بعقل فارغ وشفقة على ضعف بلنك، خفف للمرور عليه، فإن أهوال يوم القيامة إنما تخفق على أولياء الله علز وجل الذين توهموها في الدنيا بعقولهم، فعظم خطر النجاة عندهم، فتحملوا من ثقل همومها في الدنيا على قلوبهم، وحرقة خوفها على ضرورتهم، فخففها في القيامة بذلك عليهم مولاهم، فألزم قلبك توهمها، والخوف منها والغم بها لأنه يخففها عليك بذلك ويهونها، لأنه آلى على نفسه الا يجمع على أوليائه الخلوف في الدنيا والآخرة.

============================================================ عذاب الكافرين فتوهم ممرك على الجسر بشدة الخوف، وضعف البدن، وإن يكن مغضوبا عليك غير معفى عنك، ولم تشعر إلا وقد زلت قدمك عن الصراط.

فتوهم نفسك إن لم يعف عنك ان زلت رجلك عن الصراط، فقلت في نفسك مع ذلك : ذهبت أبدا هذا الذي كنت أحاذر وأخاف، وطار عقلك، ثم زلت الأخرى فتنكست هامتك، وارتفعت عن الصراط رجلاك، فلم تشعر إلا والكلوب قد دخل في جلدك ولحمك، فجذبت به وبادرت إليك النار ثائرة غضبانه لغضب مولاها، فهي تجذبك وأنت تهوي ن الجس، وتنادي حين وجدت مس نفحها : ويلي ويلي، وقد غلب على قلبك الندم والتأسف إلا كنت أرضيت الله عز وجل فرضي عنك، وأقلعت عما يكره قبل أن تموت فغفر لك، حتى إذا صرت في خوفها التحمت عليك بحريقها، وقلبك قد بلغ غاية حرقته ومضيضه، فتورمت في أول ما القيت فيها . ونادى الله عزوجل النار، وأنت مكبوب على وجهك تنادي بالويل والثبور.

فناداها: (هل امتلات) ؟ فسمعت نداعه وسمعت إجابتها لها:.

عل من مزيد}(1) يقول هل من سعة وأنت في قعرها، وهي تتلهب في بدنك ، (1) سورة: ق، آية: 30.

============================================================ لها قصيف في جسدك، ثم لم تلبث أن تقطر بدنك، وتتساقط لحمك، وبقيت عظامك، ثم أن أطلقت النار على ما في جوفك فأكلت ما فيه فتوهم كبدك والنار تداخل فيها، وأنت تنادي، فلا ترحم وتبكي وتعطي الندم إن رددت ألا تعود، فلا تقبل توبتك، ولا يخاب نداؤك فتوهم نفسك وقد طال فيها مكثك، وألح العذاب، فبلغت غاية الكرب، واشتد بك العطش، فذكرت الشراب في الدنيا، ففرغت إلى الجحيم ، فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك، فلما أخذته نشت كفك من تحته! وتفسخت لحرارته، وهيج حريقه، ثم قربته الى فيك فشوى وجهك، ثم تجرعته فسلخ حلقك، ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك، فناديت بالويل والثبور، وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته، ثم أقلعت الحريق، فبادرت إلى حياض الحميم لتبرد - كما تعودت في الدنيا الاغتسال والإنغماس في الماء إذا إشتد عليك الحر- فلما اغتمست في الحميم تسلخ من قرنك إلى قدمك، فبادرت إلى النار رجاء أن تكون هي أهون عليك، ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم، وأنت تطوف بينها ويين الحميم آن، وهو الذي قد إنتهى حره، وتطلب الروح فلا روح يين الحميم والنار .. تطلب الروح فلا روح أبدا .

فلما اشتد بك الكرب والعطش، وبلغ منك المجهود . ذكرت الجنان، فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفا على جوار الله عز وجل وحزتأ على نعيم الجنة، ثم ذكرت شرابها وبرد مائها وطيب عيشها، فتقطع قلبك حسرة لحرمان ذلك.

ثم ذكرت أن فيها بعض القرابة من أب أو من أم أو من آخ وغيرهم من القرابة، فناديتهم بصوت محزون من قلب محترق قلق: يا اماه، أو يا أبتاه، أو يا أخاه، أو يا خالاه، أو يا عماه، أو يا أختاه شربة من ماء.. فأجابوك بالخيبة، فتقطع قلبك حسرات بما خيبوا من أملك وبما رأيت من أملك، وبما رايت من غضبهم عليك لغضب ربك عز وجل ففزعت إلى الله بالنداء بالمرجع والعتبي أن يردك إلى الدنيا، فمكث عنك 416 ============================================================ دهرا طويلا لا يجيبك هوانا بك، وأن صوتك عنده مقوت، وجاهك عنده ساقط ثم ناداك بالخيبة منه أن ... إخستوا فيها ولا تكلمون}(1). فلما سمعت نداءه بجلال كلامه بالتخسية لك ابتداء .. فمثلك لا يجاب، ومناخرك وفوك ملجومة بلجام، فبقي نفسك مترددا في جوفك لا خرج له، فضاقت نفسك في صدرك، وبقيت قلقا تزفر لا تطيق الكلام، ولا يخرج منك نفس: عذاب جهنم كرب لايهدا: ئم أراد أن يزيدك إياسا وحسرة، فأطبقك أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها فيما ظنك إن لم يعف عنك وقد سمعت رجوف بابها قد أغلق ؟

فيا إياسك وإياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم، فعلموا عند ذلك أن الله عز وجل إنما أطبقها لئلا يخرج أحد أبدا. فتقطعت قلوهم إياسا، وانقطع الرجاء منهم الا فرج أبدا ولا خرج منها، ولا محيض لهم من عذاب الله عز وجل أبدا.

خلودا فلا موت.. وعذابا لا زوال له عن آبدانهم .. ودوام حرق قلوهم ومضيضها. . فلا روح ولا راحة تعلق بهم أبدا .. أحزان لا تنقضي.. وغموم لا تنفذ. . وسقم لا يبرأ .. وقيود لا تحل .. وأغلال لاتفك ابدا .. وعطش لا يروون بعده أبدا.. وكرب لا يهدأ أبدأ .. وجوع لا يشبعون بعده أبدأ إلا بالزقوم ينشب في حلوقهم. فيستغيثون بالشراب ليسوغوا به غصصهم، فيقطع أمعاءهم، وحسرة فوت رضوان الله عز وجل في قلوهم، وكمد حرمان جوار الله عز وجل عليهم فلا يرضى عنهم آبدا؛ إذ أبغضهم ومقتهم، وسقطوا من عينه، وهانوا عليه فأعرض عنهم (1) سورة : المؤمنون، آية: 108.

============================================================ فلو رأيتهم وقد عطشوا وجاعوا ؛ فنادوا من أهل الجنة الأقرباء، فقالوا جميعا : يا أهل الجنة .. يا معشر الآباء والأمهات والإخوة والأخوات .. خرجنا من قبورنا عطاشا، وأوقعنا بين يدي الله عز وجل عطاشا، وأمر بنا إلى النار عطاشا، أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فأجابوهم بالتخسية، فتراجع في قلوبهم الحسرة والندامة، فهم فيها يتقلقون لا ينفح وجوههم روح أبدا، ولا يذوقون منها باردا أبدا، ولا يطبقون جفونهم على غمض توم أبدأ، فهم في عذاب دائم وهوان لا ينقطع.

فمثل نفسك بهذا الوصف إن لم يعف عنك، فلو رأيت المعذيين في علقهم، وقد أكلت النار لحومهم، وحت اسن وجوههم، واندرس تخطيطهم، فبقيت العظام مواصلة محترقة مسودة وقد قلقوا وإضطربوا في قيودهم وأغلالهم، وهم ينادون بالويل والثبور، ويصرخون بالبكاء والعويل، إذا لذاب قلبك فزعا من سوء خلقهم، وتضعفت من رائحة نتنهم، ولما بقي روحك في بدنك من شدة وهج آبدانهم وحرارة أنفاسهم، فكيف بك إن نظرت إلى نفسك فيها وأنت أحدهم ؟ وقد زال من قلبك الأمل والرجاء، ولزمه القنوط والاياس، وعطفت على بدنك فتقحمت في الحدقتين؛ فسمعت تفضيصهما انتقاما وبدلا من نظرك إلى ما لا يحب ولا يرضى، ودخلت النار في مسامعك، فسمع لها فيه تقصيفا وجلبة، والتحفت عليك فتفضت منك العظام، ودوبت اللحام، اطلعت إلى الجوف، فأكلت الكبد والأحشاء، فغلبت على قلبك الحسرات والندامة والتأسف.

فتوهم ذلك بعقل فارغ، وقد هاجت منه، رحمة الضعفك، وارجع عما يكره مولاك وترضى عسى آن يرضى عنك. وأعذ به بعقلك، واستقله يقلك عتراتك وابك من خشيته عسى آن يرحمك ويقيل عتراتك، فإن الخطر عظيم، وان البدن ضعيف، والموت منك قريب، والله جل جلاله مع ذلك مطلع يراك، وناظر لا يخفى عليك منك سر ولا علانية، فاحذر نظره بالمقت والبغضة والغضب والقلاء، وأنت لا تشعر فرحا أو قرير العين.

← Önceki 24 / 27 Sonraki →

Anlam Arayışı