Bölüm 8
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
============================================================ بذل المال وجلا الا تقبل الحسنات : يا إخواني : فكما ترجون أن تقبل منكم حسناتكم، كذلك كونوا وجلين ألا يقبل منكم ذلك . فإن الله جل ثناؤه قال : {... إنما يتقبل الله من المتقين }(1) .
قال بعض أهل العلم : " إن الدنيا حلالها حساب، وحرامها عذاب " بلغنا أن رسول الله قال : من نوقش الحساب عذب (2) علو منازل المؤمنين بما عقلوا عن الله: وبعد : فقد أثنى الله عز وجل على الوجلين : {وألدين يوتون ما آتوأ وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون }(3) .
قال: يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم يا قوم: فتشبهوا بأولي التقى في الوجل على أعمالكم، فقد كان الوجل من خيار الصحابة رضي الله عنهم [على](4) أمنية أن تقبل منهم حسنة واحدة، اشفاقا الا يقبل منهم شيء . والله يقول : {:.. انما يتقبل الله من المتقين}(5) .
(1) سورة : المائدة، آية : 27.
(1) حديث "من نوقش الحساب : اخرجه البخاري في صحيحه، الباب 45 من كتاب العلم، والباب 49 من كتاب الرقاق. وصحيح مسلم، حديث 79 من كتاب الجنة. وأبو داود في سننه، الباب * من كتاب الجنائز. والترمذي في سنته، الباب من كتاب القيامة والآمام أحمد في مسنده .106 ،180 122 10 9148 4 (3) سورة المؤمنون ، آية 10.
(4) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول : (5) سورة : المائدة، آية: 27.
============================================================ يا إخواني : واشكروا الله على ما ألهم من البذل، ووقي من البخل، واسألوا العفو مما إكتسبتم من الحلال بزعمكم فيا سعادة المخفين - إذا سبقوا- ويا لغموم المثقلين - إذا وقفوا . فهذا فضل ما بين الرجلين : أحدهما ملتمس الثواب على بذله من الحلال بزعمه، ناس لمساءلة الله إياه وإن استقضى الاله سبحانه من حسابه ليأتين عليه والأخر يبذل مثل ذلك، وقد أضناه الوجل من مناقشة الحساب، فأمنيته الخلاص من الحقوق التي وجبت عليه في الحلال، ولا يطمع في الفكاك إلا بتجاوز الله وعفوه، لأن الله أوجب الحقوق في المال الحلال(1)، فأما الحرام فيما له إلا الفرار إلى الرحمن عز وجل، والتخلي إلى أهله من كله لا تشغل بمالك عند الله : اخواني : فتدبروا ما سمعتم، وإعلموا آن أعمال العباد عند الاله سبحانه طبقات،، ولذلك أقدارهم ومنازهم عنده يعلو بعضها على بعض، بما عقلوا عن الله وعلموا كيف يعملون له.
وإن كثيرأ من الناس ليعملون بالبر رغبة في الثواب ، ولولا الثواب لتثاقلوا عن كثير من البر:.
يا قوم : فاستكثروا أنتم من النوافل لإكمال الفرائض، فإنه بلغنا أن الله (1) هذه الحقوق أنواع : حقوق مفروضة، وهي الزكاة المقدرة شرعأ على من يملك النصاب من النقدين أو عروض التجارة، أو ريع الأرض، أو الماشية، وغير ذلك . وواجبة وهي : صدقة الفطر ، وصدقة حرة وهي المشار اليها بمثل قوله تعالى : (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ..) الآية .
والمستعرض لآيات الصدقة الحرة في القرآن الكريم يجدها اكثر من آيات الصلاة والحج . وقد نبه الله تعالى على أن الصدقة الحرة تكاد تبلغ مرتبة الواجب بتلوين العرض لها . فمرة هي اقراض تعالى، ومرة هي نفقة مما استخلف الانسان عليه من مال الله، ومرة يزاد ثوابها من عشرة أضعاف إلى سبعماتة ضعف، إلى غير ذلك من التلوين الذي يدل على أهميتها في حفظ الوحدة الاسلامية والأمن الجماعي 11 ============================================================ عزوجل ثناؤه يقول: "لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي *(1).
وبلغنا أن بعض أهل العلم قال : إته لن يصل إلى قلب العبد روح الله، ولله قبله حق لم يؤده" الا فقدموا النية في أداء حقوق الله في الأمور كلها، ولا تشغلوا قلوبكم بما لكم عنده، وتأسوا بالذين نعتهم رسول الله بقوله : " ألا وأن العاملين هم العلماء بالله، الفقهاء عن الله، الذين عقلوا عن الله، وأدوا إليه ماله قبلهم، ولم تتبع آنفسهم مالهم عنده، أولئك صفوة الله من خلقه 2(1) فاعقلوا تأديب الرسول.
وبعد : فمى أكملتم الفرائض بالنوافل. وأذهبتم السيئات بالحسنات، ثم كان لكم بعد ذلك أعمال تزيد على حقوق الله عز وجل، فإن ذلك مدخر عند ربكم والوفاء بما لديه مضمون، وإن كان لكم في حقوق الله تقصير.
فيا لغموم المفرط يوم الحساب، يسر الله علينا وعليكم الحساب. أمين يا رب العالمين: (1) سبق تخريجه ============================================================ الباب الثالث والثلاثون في طريق شكر جلائل النعم ودقائقها اخواني : إذا شكر الناس ربهم بالألسن، وضيعوا حدود النعم، وفرطوا في آداب الشكر، فذلك مذموم.
فراقبوا الله واستعملوا كل نعمة من النعم في الشكر على حالها، فإن الشكر واجب على العبد في كل نعمة شكر نعمة اللسان : واشكروا الله على ما أنعم عليكم من الألسن بكثرة التلاوة والذكر، فإن فرطتم في ذلك، فإستحيوا أن تخوضوا بالألسن في فنون الآثام كفعل من أرى : فإنه بلغنا أن رسول الله} قال : "وهل تقول إلا مالك أو عليك ؟ وهل يكب الناس على وجوههم إلا صائد الستتهم" شكر نعمة البصر : الا واشكروا الله على ما أنعم عليكم من الأبصار، بالنظر إلى الحق بالاعتبار شكرا له . فإن رغبتم عن ذلك فراقبوا الله أن تنظروا بالأبصار إلى الحرام، فتغضبوا الله بنعمته كفعل من أرى.
============================================================ فإنه بلغنا آنه من لم يغض بصره عن النظر إلى الحرام كحلت عيناه ملمول(1) من نار جهنم.
شكر نعمة السمع: الا فراقبوا الله وإشكروه على ما أنعم به عليكم من ( السمع)، بالاستماع إلى القرآن والذكر والمواعظ الحسنة، فإن ضيعتم ذلك، فاستحيوا من الله أن تنصتوا بأسماعكم إلى الهوى، والأخابيص كفعل من أرى شكر نعمة الأيدي : واشكروه على ما أنعم عليكم من الأيدي، بيسطها إلى الخيرات، فإن قصرتم في ذلك فاستحيوا أن تبسطوها إلى الظلم والأذى، كفعل من أرى: فإنه بلغنا أن الظلم في الدنيا ظلمات في الآخرة، وتبعات مهلكات وبلغنا أن داود عليه السلام رأى محلا بين السماء والأرض فقال : ما هذا يا رب؟ قال : هذه لعنتي أدخلها بيت كل ظالم .
شكر نعمة الأقدام : الا فاتقوا ذلك، وأشكروه على ما أنعم به من الأقدام، بالسعي إلى الطاعات فإن قصرتم في ذلك، فراقبوا الا تسعوا على الأقدام في الآثام كفعل من أرى . فإن الله جل ثناؤه يقول : يوم تشهد عليهم الستهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يفملون}(2) .
فكيف بك والأكبال في الأقدام ، والأغلال في الأعناق ؟
(1) الملمول ، الميل الذي يتكحل به (2) سورة : النور، آية :24 .
194 ============================================================ شكر نعمة الأقوات : الا فاتقوا ذلك واشكروه على ما أنعم به من الأقوات [ الا تقووا بها](1) على مكاره الرزاق عز وجل. فإنه بلغنا أن الله عز وجل يقول : عبدي بفضل نعمت قويت على معصيي" فحق على الله أن يعذبه بالنار.
الا يا قوم : فلا تعصوا الله بنعمته، واشكروه على ما آنعم به عليكم من اللباس، بأن تبلوه في رضي المنعم، فإن قصرتم في ذلك فاستحيوا أن تبلوا لباسكم في مكاره من ألبسكم . فلا تأمنوا أن يلبسكم يوم القيامة سرابيل من قطران، وثيابأ من مقطعات النيران.
شكر نعمة الأموال : الا فاتقوا ذلك واشكروه على ما أتعم به عليكم من الأموال، بأن تبلوها في سبيل الوهاب، فإن بخلتم عنه، فاستحيوا من الله أن تنفقوا مواهبه في مكارهه فتعصوا الله بنعمته كفعل من آرى: فإنه بلغنا أن العبد إذا رزقه الله مالأ حلالا فأنفقه في حرام يقول الله عز وجل : إذهبوا به إلى النار فيمكث فيها ما شاء الله شكر نعمة الايمان: فاشكروه على ما أنعم به عليكم من الإيمان بالله بأن تبذلوا المجهود في رضاه، وتبالغوا في مسراته، شكرا لتعظيم ما آنعم به عليكم، فإن عجزتم عن المبالغة في رضوانه فراقبوا الله أن تضيعوا حدود الإيمان، وتدلسوا بما لا يليق من (1) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول ============================================================ الأفاعيل المحرمة(1) على المؤمنين فلا تأمنوا سلب الإيمان مع الإستهانة بحدوده، واشكروه على ما أنعم به عليكم من العلم. فتحروا مسرات الله عز وجل، وأعلموا بفضائل ما ندبكم اليه من محابه فإن عجزتم عن ذلك فراقبوا الله أن تعدوا ما إفترض عليكم: وبلغنا أن من أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه(2) .
شكر نعمة العقل : واشكروه على ما آنعم به عليكم من العقل بالتفكر والتدبر، واعتقاد حسن النية، والاعتبار، وشدة الإشفاق، وطول الحزن في جميع الجوارح، وسلامة الصدر للعامة، والإضمار على مسرات الله فإن قصرتم في ذلك فراقبوا الله واتقوا خبث السرائر، وإضمار السوء، واعتقاد الغل والحسد، والعداوة وأشباهها من المكروهات (3).
واشكروه على ما أنعم به عليكم من العقل [ بأن](4) تعظموا الله عز وجل، وتجلوه وتكرموه، وتستحيوا منه، وتهابوه وتتقوه وتطيعوه على حسب ما عقلتم من عظمته وكبريائه وعظيم قدره سبحانه وتعالى (1) كالبحث في القضاء والقدر وأفعال العباد، ومذاهب الفرق الضالة لغير الرد عليها، والتعالم بالاعتراف على القدر، والبحث في كنه الذات ومن هذا الباب كذلك شغل الوقت بما ضمنه الله تعالى ، وتضييع الحدود التي طولب بها العبد.
(2) حديث : و إن من أشد الناس عذابا : أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 14، حديث :4.
والطبراني في الصغير، والبيهقي في الشعب من حديث آي هريرة بإسناد ضعيف () ليس المراد أن الحسيد هو الآخر من المكروهات بل المراد أشباء الغل المحرم والحسد المحرم من المكروهات، فإنه من البعيد أن يعتقد إمام ورع كالمحاسي كراهة الحسد.
والحسد هو : تمني زوال نعمة الغير وانتقالها إلى الحاسد فإن سعى في ازالتها عنه بقول أو فعل كان بغيا وسعيا في الفساد . أما أن يتمنى الإنسان مثل نعمة أخيه مع حبه لبقائها ليه فتلك غبطة لا شيء فيها، وإن كان ترك التمني أفضل.
(4) ما بين المعقوفتين سقطت من الأصول ============================================================ فإن عجزتم عن ذلك، فراقبوا الله تعالى أن تكونوا كالذين لا يعظمونه ولا يجلونه ولا يهابونه، ولا يستحيون منه، ولا يتقونه، ولا يطيعونه، بل يستهينون بكثير من آمره .
فاتقوا الله يا قوم آن تعودوا بعد المعرفة والفهم جهالا، ويعود العقل والعلم عليكم وبالا، وهذا ونحوه من فضل العلم والعقل، وفضل النية والإرادة.
فهذا فرق ما بين العباد، وقد يستوي الرجلان في الطاعات والورع، وأحدهما أرجح عقلا، وأشد تحريا لمسرات الله عز وجل، وأبلغ في رضوانه.
وهب الله لنا ولكم القيام بحدود النعم، والشكر عليها، إنه جواد كريم، آمين يا رب العالمين.
============================================================ الباب الرابع والثلاثون في تصحيح السلوك العلمي اخواني : وإذا رأيتم الناس يبدون ما عندهم من العلم وفي ذلك يزدري بعضهم على بعض، وقلوبهم متنافرة، والفوس متباينة، فأسروا آموركم بجهودكم، وكونوا للشهرة والجدال مبغضين، والخمول للذكر محبين، وبالوحدة والانفراد انسين، وبين الملأ مستوحشين، وفي الخلوة والصمت راغيين(1) فليس من أحد بخطيئته إلا والله يسأله عنها ما أراد بها اخواني : فلا تتعرضوا لمساءلة الله إياكم فيما لا فقر لكم إليه : ارادة وجه الله بالعلم: وبعد: فاني أوصيكم متى اظهرتم من العلم شيئأ فأريدوا به وجه الله، (1) كان ذلك عصر سلطان العقيدة فيه مقبل، وسلطان الإلحاد فيه مدبر. أما وقد تبدل الحال، وأقبل الالحاد، وأدير الإيمان، وصفق الملحدون طريا لما ظنوه انتصارا، فلا عذر للعلماء في السكوت ، بل يجب أن يفزعوا لنصرة دينهم باللسان والقلم والعمل والقدوة الحنة، فالضرورة مقدرة بقدرها، ولكل مقام مقال وحال، ولكل عصر وسائله في نصرة الدين، ووسائل العصر الحديث في نصرة الإسلام ليت الخطب المسجوعة والحكم المسرودة، يل الدخول في أعماق العلم الحديث وتسخيره في خلمة الإيمان. فقد درس أسلافنا العظماء قديا فلسفة الرومان واليونان وغيرما، وكانت بمثابة العلوم الحديثة اليوم، ولكنهم سخروها لخدمة قضية الايمان، ونبهوا عن زيف الزائف منها . وكتب الغزالي ، والشيخ الاكبر خير شاهد على ذلك ============================================================ وتذاكروا منه بقدر الحاجة إلى بيانه للمريدين، خشية الخروج إلى كتمانه (1).
فقد كانت المساءلة تقع على عهد السلف رضي الله عنهم، فيود كل آمرىء منهم أن أخاه كفاه الجواب، وكان الرجل منهم يعلم الكثير، ويفقه الفقه الكثير وما يعلم به جاره. وقال بعض الصحابة: "رأيت ثلاثمائة بدوي، ما منهم الرجل إلا وهو يشتهي الكفاية في المفتي: وبعد: فإن أظهر أحدكم آمره، وأبدى علمه، فنسب الى الجهل والخطا، لم يؤمن عليه الأنفة والامتعاض والحقد، فإن استحسنوا قوله لم يؤمن عليه الفتنة والتزين والإعجاب، وإن قال بغير علم لم يؤمن عليه الجرح، وإن تكلف القول لم يؤمن عليه الأنفة أن ينسب إلى الجهل، فإن الله عز وجل لا يحب المتكلفين حب خول الذكر من منن السلف : وبعد: فأني لك بالسلامة، مع الصمت وخمول الذكر. فكيف اذا نصبت نفسك عالما يشار إليك وتطاع (1)، ويغدي ويراح إليك، ويقبل قولك، ويصدر عن رأيك، ويرضى لرضاك، ويغضب لغضبك ؟ وعساك تفرط في بغض المخالفين لك، وتفرط في حب الموافقين لك، وعلام الغيوب مطلع على جولان الضير فيا لها فتنة ما أعظمها على العبد، إلا من عصمه الله، فهذا فضل ما بين الرجلين : أحدهما يظهر ما عنده من العلم، ويتعرض لأنواع الفتن، فإما سلامة واما عطب، والآخر يكتم شأنه، فسلم بمن الله وعصمته (1) قال سيدي داود بن ماخلا : العلوم ثلاثة : علم صلوكي، فيجب إبداؤه وعلم كشفي فقد لا يباح إظهاره . وعلم سري فلا يباح إظهاره قط. والمراد بالعلم السري المشاهدات التي يشاهدها العارف من كجليات الأسماء والصفات على الكون فلكل عارف مشهد، وقد تختلف المشاهد، والكلام فيها قد تتولد عنه المشاحنات القاطعة عن الطريق (2) في الأصل : ويطاعك ============================================================ رد اعتراضات في مسألة الشهرة بالعلم : وبعد : فإن قال قائل: إن تركنا مدارسة العلم، ولم ننظر فيما يقع من المسائل، أوشك أن يندرس العلم .
فقولوا له : إن الأمة لم تضطر إلى أمثالنا(1)، ونحن بحمد الله في دهر كثير خطباؤه وفيك بحمد الله وفيمن يظهر ما عنده كفاية تبوحون بالعلم رغبة في الثواب، ومنافسة في العلو والرفعة، وعساكم تغارون كما تغار النساء . ولو أن طلاب العلم محبوسون في السجون، لتخلصوا إلى الوصول إلى بغيتهم من إظهار العلم ، للعلو في الدنيا ، والرياسة فيها .
وبعد: فإن في التاسي بالسلف الصالح قدوة، فإنهم رغبوا في خمول الذكر، وأثروا كتمان شأنهم، فهم القادة(2)، فكيف بمن هو منقوص في العلم، مسجون بالتزين والإعجاب إخواني : فعليكم بالستر، وإخمال الذكر، فإن المظهرين للعلم كثير، فمن راغب في الثواب، ومن متعرض للعقاب (1) هذا مذهب كثير من عظماء الصوفية، لا يدخلون في الجدل العلمي، بل كل نشاطهم هو تربية المريد الصالح، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خيرلك من الدنيا وما فيها .
(2) لعل في هذا الكلام بعض الدلالة على أسباب كراهية الامام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فقد كان اماما يشار إليه في عصره ============================================================ الباب الخامس والثلاثون في وجوب الإسرار بأعمال البر اخواني : وإذا أظهر الناس أعمال البر ليقتدي بهم، فأسروا أعمالكم مجهودكم، فإن الفتنة فيها عظيمة، والجهاد فيها شديد، ولسنا والله لذلك أهلا، وانما ذلك للخلفاء المهدين، وأئمة المسلمين أظهروا قليلا من كثير اعمالهم، لتأديب الأمة وارشادهم فلا تشهروا أنفسكم فإن للشيطان في إظهار العلم والقول مكايد يستدرج بها كثيرا زين(1) لهم إظهار العلم والعمل ليقتدي بهم فأبدى القوم ما عندهم من العلم وأعمال البر، طمعا في ثواب المتاسين بهم ، وجهلوا الذي حل بهم من مكائد الشيطان. قبلوا بصنوف الآفات وما يشعرون.
وكيف للنافل علمه، المتفقد لنفسه المتخوف من عدوه، الورع في أحواله، أن يسلم من مكائد الشيطان . إذا أسر أعماله وأخفاها(2)، فكيف (1) في الأصل : يزين (2) من مكايد الشيطان في هذه الحالة، أن يقنع العالم أولا بأنه أدي ما عليه نحو ربه، ونحو نصرة دينه، ثم يشعره بلذة الفرح بحاله، ويطمئن العالم إلى أنه لا يجهر بفرحه هذا، بل هو كساتم لحاله، ثم بعد ذلك يشعر العالم بنقص من دونه، ويشتد شحوره هذا حتى ينقلب الى احتقار البادثين في العلم، وغيرهم ممن لم ينضجوا ولكنه لا يزال كاتمأ لحاله هذه، فيضطر إلى إظهار ما لا يبطن نحوهم ، خشية زلل اللسان ، فيقع على أول درجات النفاق . ومن هذه النقطة ينطلق في تسفيه الناس، وصدهم عن سبيل الله، الذي بدأوا فيه صغارا كما بدأ هو صغيرا ============================================================ بالمفتون في أعماله وإبدائها(1) .
الا. فلا تتعرضوا للفتنة والبلوى، فإن لم يضطر إليكم، ولا للتاسي بكم فأسروا أموركم بمجهودكم . فإنه بلغنا: أن الله يظل بعرشه، يوم لا ظل إلا ظله، رجلا تصدق بيمينه، فكاد أن يخفيها عن شماله وقال بعض أهل العلم : أدركنا أقواما وما على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في سر يكون علانية أبدا.
بلغنا أن رسول الله قال : "لما خلق الله الأرض، فمادت بأهلها، خلق(2) الله الجبال، فقيدها أوتادا للأرض، فقالت الملائكة : ما خلق الله خلقأ هو أشد من الجبال، فخلق الله الحديد، فقطع الجبال، ثم خلق النار، فأذابت الحديد، فأمر الله الماء فأطفا النار، وأمر الريح فركدت الماء، فاختلفت الملائكة، فقالت : نسأل الرب عز وجل، فقالت: يا رب، ما اشد من خلقت من خلقك ؟ قال : لم اخلق خلقا أشد من إبن ادم، حين يتصلق بيمينه فيخفيها من شماله. فهذا اشد خلقا خلقته(3): وبعد: فإنه بلغنا أن أعمال السر تزيد على أعمال العلانية بسبعين ضعفا، فهذا فضل ما بين الرجلين : أحدهما يظهر ما عنده طمعا في الثواب، وقد دهاه الشيطان، وعرضه للعقاب . والآخر اشد احتقارا لنفسه . وأوضع لها من أن يراها موضعا للاقتداء بها. فالحذر الحذر !!
(1) ليس هذه دعوة إلى قتل العلم وأبحاثه، بل هي دعوة إلى العلماء أن يطهروا قلوهم وأرواحهم ونفوسهم قبل الدخول في العلم، ليكون خالصا للمحق . لا يلتبس بهوى النفس فيضل ويضل: (2) في الأصل : نخلق. خطا.
() ظاهر العبارة خطا لغوي، فالمتوقع من الأسلوب فهذا أشد خلق خلقته" ولكه على النصيب يعطي الشدة للخلق الالهي نفسه حيث سرت منه تعالى إلى المخلوق، أما على الجر بالإضافة فإنه بوهم اسناد القوة إلى المخلوق والتقدير: فهذا خلقته اشد خلقا: وذكر الحديث بلفظ آخر في مشكاة الأنوار للشيخ الاكبر ص 17 طبعة حلب .
============================================================ الباب السادس والثلاثون في أخطار المدع اخواني : وإذا رضي الناس بالمدحة، فارتاحت لها أنفسهم : ألا فراقبوا الله أن ترضوا بذلك، وكونوا وجلين من ضرر المدحة، فإن لها حلاوة تسبق إلى القلوب، ومواقع في النفوس موجودة، ولهذا لا يسلم منها إلا القليل : الشيطان يذيق الممدوح حلاوة المدح : وذلك لأن منكم من يعمل بأعمال البر لا يريه بها سواه، فإذا بدت فضائله، اثني عليه وأكرم، اذاقة الشيطان حلاوة يا لها من حلاوة، توافق هوى النفس، فترتاح لها نفسك أيها العابد، للثناء والمدحة، والتعظيم والتبجيل، وتعطي عليه، وترضى به . وهذا من خبايا النفوس وأنت في غفلة مثال من يرضى بالمدح : وسأضرب(1) لكم مثلا للمتراخي بالمدحة، فإنما مثله كمثل رجل بهزا به(1)، فيقال له إن العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة كريح المسك، فالمغرور يعلم أنه بخلاف الذي قيل فيه والله عز وجل عالم بما في جوفه من (1) في الأصل : وما اضرب (4) في الأصل : وجلين سذبء به. تحريف.
============================================================ النتن والقذر، ولكن بجهله قد يرضى بما يسخر منه، ويستهزا به، مع علمه أنه: بخلاف ذلك الذي قيل له، عما في جوفه (1) من القذر والنتن، ومع ذلك فهو يفرح بالمدحة.
وكذلك المتلوث في الذنوب، أقذر - والله - وأنتن من العذرة، وأولى بالمذمة في الأخرة والدنيا، وقد رضي بالمدحة جهلا، وعساه مستوجب للمقت من ربه، فمن أخسى منه لويعملون(2) الرضي بالمدح من قياس إبليس : يا قوم: فمتى بليتم بالمدحة، فجاهدوا أنفسكم على تفي ذلك عن القلوب، بالكراهة والوجل من المدحة، وقد أشفق عليكم رسول الله منها، ونهاكم عن التمادح، لعلمه بأنها مضرة(3) فاتقوا الله أن ترضوا بالمدحة لكم، ولا يغرنكم الشيطان وأولياؤه من الإنس، فإنهم يزعمون أنهم إذا أرادوا بأعمال البروجه الله، لم يضرهم الفرح والرضى بالمدحة فهذا من قياس إبليس، وآرائه فتنة لأوليائه.
ويح المادح والممدوح : كيف جهلوا رشدهم فكرهوا مذمة لا تضر، بل يؤجرون عليها؟
ورضوا بالتمادح بينهم، خلاف وصايا رسول الله ي لقد جهل القوم جهلا بيتا.
(1) في الأصل: بما في جوفه. تحريف.
(2) وقد يظهر أمثال هؤلاء المهم من المدح، طلبا لزيادة المدح بهذا النفور منه، فيمعنون في غيهم ويعلتون أنهم أقل من آن يمدحوا. وأنم مذنبون، وأنهم لا يعلمون شيئأ، وحيتثذ يقعون في مشكلة معقدة غاية التعقيد حيث يضلون غيرهم بنفاقهم وتتشأ على أيديهم اجيال المنافقين الذين يخرجون النمم والضمائر بنفاقهم، ويسحب هذا الحكم على غيره من الأخلاق.
أما النافر من المدح حقا، فإنه لا يعود إلى العمل الذي استوجب من أجله المدح: (3) في الأصل : أنها مضرة: ============================================================ زعمت أيها المفتون أنك إذا أردت الله تعالى بأعمال لم يضرك الفرح والرضى بالمدح، فإنا ندع ذكر عبادتك، فالله أعلم بحالك فيها، ونرجع إلى النظر فيما إبتدعت من القول.
رأى العلماء في المدح : ويحك أيها المستدرج : أما بلغك أن بعض أهل العلم قال : "من فرح بمدح فقد أمكن الشيطان من الدخول في بطنه" فهذا العالم قد ذمك بفرحك بالمدحة، ولم يذكر عبادتك التي زعمت أنك عليها، ولو عملت لغير الله، لكنت من رؤوس المرابين، فما ذكرك للعبادة ؟ ! وإنما استوجبت المقت بفرحك ورضاك بالمدحة، (فقد](1) علمت البرولم تعمل به فإنه بلغنا أن بعض أهل العلم قال : " إذا قيل لك نعم الرجل أنت، فأنت - والله بثس الرجل" ، وهذا العالم لم يذكر عبادتك، وقد أقسم بالله أنك بئس الرجل إذا كانت المدحة أحب إليك من المذمة فأنظر أيها المغرور : هل تجد نفسك [أهلا](2) للمدحة والتعظيم، وترضى به ؟ وهل تأنس بالمادح وإن كان مفرطا في مدحك ؟ وهل تكره المذمة وإن كانت حقا ؟ وهل تغضب على الذام وإن كان صادقا؟ فإن كنت كذلك فأنت بثس الرجلين وإن أكثرت من العبادة، فإن نفسك من أنفس المحبين للمدحة والتعظيم، بل أنت أعظم جرما ممن يجب المدحة، ويقر بالاساءة، ويمترف بذنبه، فهو أرجى للأمانة والعفو منك، إذ تزعم أن رضاك وسرورك بالمدحة لا يضرك أيها المغرور وقد بلغني حديث لم أتقن إسناده، إن صح ذلك فإن فيه بوارك. بلغنا أن رجلا أثن على رجل خيرا عند رسول الله ، فقال رسول الله : (1) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول (1) ما بين المعقرفتين: سقطت من ب ============================================================ "لو كان صاحبك حاضرا فرضي بالذى قلت فمات، دخل النار" أيها المفتون : وهذا جزاء من ختم أعماله بالرضى بالتزكية ويحك أيها العابد: قد كان في الصحابة كثير أرادوا الله باعمال البر كارادتك بزعمك، وحاشا لله أن تكون مثلهم أو يكونوا مثلك ، لقد كانوا للثناء والإجلال أهلا، وهم مع فضلهم وتقواهم، أشفق عليهم رسول الله من ضرر المدحة ونهاهم عنها، وقال للمادح: "ويحك قطعت ظهره لوسمعك ما أفلح إلى يوم القيامة *(1) وقال لهم:: " الا لا تمادحوا، وإذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب" (2) يقولها إشفاقا على الممدوح أن يفرح بالمدحة ويرضى بها، فيضر نفسه بدينه، وعساه لا يفلح منها أبدأ، فحذرهم رسول الله فتنة المدحة، قبل أن تحل بهم، وأنت تزعم آنك إذا مدحت فرحت، ورضيت بالمدحة، لأن ذلك لا يضرك؟
ويحك !! ما اجهلك بالذي علم رسول الله من ضرر المدحة أحوال السلف في المدع : وبعد: فتدبروا أحوال الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا اعلم باله تعالى وأخشى له منكم (3) وأخلص أعمالا، وكانوا مع ذلك وجلين من المدحة ، (1) حديث وحك تطعت ظهره: انظر : إحياء علوم الدين 282/3.
(4) حديث : الا تادحوا، واذا رايم : أخرجه احمد وأبو داود والترمذي عن المقداد بن الأسود، والطبراف وابن حبان عن اين عمر، والحاكم في الكنى عن انس . وأورده العجلون في كشف الخفا حديث رقم 237، بلفظ : وإذا رأيتم 400 (3) في الأصل : منك. خطا 1 ============================================================ يكرهونها ويبغضونها من المادح (1) إشفاقا من الفتنة فيها، وأنت تزعم أن رضاك بالمدحة لا يضرك، كأنك أرجح صدقا وإخلاصا من السلف ، كأنك أقوى على نفي الفتنة منهم .
كذبت أيها المفتون ولقد بلغنا عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، أنهم كانوا يكرهون المدحة، ويغضبون على المادح، أما أحد الخلفاء فإنه سأل رجلا عن شيء، فقال له الرجل: أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم. فغضب عليه وقال: إني آمرك أن تركيني . وقيل لبعض الصحابة : لن يزال الناس بخير ما أبقاك الله . فوجد من قول المادح وقال : إني لم أحسبك عرافا (2) وما يدري ما يغلق عليه بابه من أهله.
وبلغنا أن رجلا مدح بعض السلف، فغضب الممدوح وقال : " اللهم إن عبدك هذا تقرب الي بمقتك، فأشهدك على مقته". فهؤلاء الأخيار كرهوا المدحة وغضبوا على المادحين وجلا من ضررها، وأنت تزعم أن فرحك بالمدحة لا يضرك؟
أف لك !! ما أبعد شبهك بالقوم .
ويحك !1 إن الصحابة أبغضوا المدحة وإنك لترتاح إليها، وغضبوا على المادح الصادق في مدحتهم، وإنك لتود المادح الكاذب المفرط في مدحتك، ورضوا بالمذمة وهم أطهر الناس منها، وإنك لتغضب وتأنف من المذمة، وأنت أولى الناس بها، ورحموا الذام، وعفوا عنه، وإنك لتحقد عليه، وهذا من خبايا النفوس للعابدين، وأنت في غفلة، ودهيت ودهيت وما تشعر.
يها المغرور: أترى نفسك طمعت فعملت على الإخلاص، لتستوجب الثواب من الله عز وجل، ثم لم تأخذ بعد ذلك نصيبأ من الفرح بالمدحة، والقدر والتعظيم في الدنيا، لتنال ثواب العاجل والآجل، بئس ما منتك نفسك.
(1) في الأصل : على المعارج تحريف .
(2) في الأصل : عرافيا. خطا.
============================================================ الخحوف والحذر أفضل من الركون إلى المدح : أفتنا برأيك أيها المفتون، اي الأمريين أصلح لديننا؟ أن نخاف وتحذر ما حذرنا رسول الله من ضرر المدحة، ونجاهد أنفسنا على نفي السرور من القلوب إذا بلينا به، ونستغفر الله تعالى منه ؟ أو نتكل على قولك إن الفرح والرضى بالمدحة لا يضر، فنزكي أنفسنا لقول المغرور(1) ونرضى بالمدحة، ونرتاح لها لرضاك بالمدحة وإرتياحك لها؟